عيسى قراقع: الأسرى الستة كشفوا كم أن إسرائيل دولة خائفة ومرتجفة

يتحدث الوزير السابق لشؤون الأسرى والمحررين في فلسطين، عيسى قراقع، عن الرسائل التي خلفتها العملية البطولية لأسرى سجن جلبوع، والذين استعادوا حريتهم. ويؤكد قراقع في هذا الحوار مع “الشروق”، أن ما حصل كسر كبرياء دولة الاحتلال وأظهر وجهها القبيح. ويشدد على ضرورة توفير الحماية الدولية لجميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

كيف تقرأ عملية استرجاع الحرية التي نفذها ستة أسرى من سجن جلبوع؟
عملية انتزاع الحرية التي نفذها ستة أسرى فلسطينيين في سجن جلبوع يوم 6/9/2021 اعتبرها عملية بطولية ونوعية وشجاعة اسقطت منظومة القمع الإسرائيلي وترسانته الأمنية، لا سيما أن سجن جلبوع حيث كان يتواجد الأسرى يطلق عليه الخزنة الحديدية التي يصعب اختراقها، فقد تفوقت إرادة الحرية لدى الأسرى على تلك الثكنات المحصنة بكل الوسائل الأمنية والتكنولوجية والعسكرية واللوجستية، وهذا أدى إلى خيبة وإرباك لدى سلطات الاحتلال بكافة مستوياتها، إنها هزيمة بكل معنى الكلمة لمنظومة القمع الاحتلالية وانتصار ساحق وكبير للمناضلين الساعين للحرية والكرامة والانعتاق من براثن الاحتلال.

عبور ستة اسرى من السجن بهذه الطريقة المدهشة والإعجازية أثبتت أن زمن السجن الثقيل وإجراءات الاحتلال التعسفية التي تمارس بحق الأسرى لم تستطع أن تكسر إرادتهم وأحلامهم وأرواحهم التي تتوق للتحرر والحياة، فمفهوم السجن الصهيوني كمكان لتحطيم المناضلين وتدمير تطلعاتهم الإنسانية قد فشل وتهاوى أمام أبطال قرروا أن ينتزعوا حريتهم بأنفسهم وبعزيمة وصلابة كانت أقوى من الاسمنت والفولاذ والسلاسل وأساليب البطش المتعددة.

أي رسائل نستنبطها من هذه العملية، سواء على الداخل الفلسطيني أم لدى الكيان الصهيوني؟
انتزاع ستة أسرى لحريتهم جملت رسائل كثيرة ذات أبعاد سياسية وقانونية وإنسانية وتعبوية، فالرسالة الأولى تقول: إنه بالإمكان أن ننتصر ونهزم الأعداء الذين يتبجحون بأنهم الأقوى في المنطقة، فالإرادة أقوى من السيف والمدفع، إرادة الحق في الحرية والاستقلال، والرسالة الثانية تقول إن الحرية لا تمنح ولا تعطى وإنما يتم انتزاعها، وهي دعوة للنضال وتحطيم الجدران ومقاومة المحتلين المغتصبين، فعندما تعجز الاتفاقيات السياسية ومؤسسات المجتمع العالمي عن تحرير الأسرى وإنقاذهم وإنهاء معاناتهم فالأسرى لا ينتظرون أحدا ليحررهم، أنهم الطليعة والرموز الذين يمثلون الشعب الفلسطيني الساعي لحق تقرير المصير، أنهم يقاومون حتى داخل السجن بالإضرابات المفتوحة عن الطعام وبتهريب النطف المنوية وإنجاب الأطفال، وبالدراسة وبالإبداعات وبالمواجهات للحفاظ على هويتهم النضالية وإنسانيتهم وكرامتهم.

الرسالة الثالثة، هي رسالة تعبوية شعبية حشدت من خلالها الدعم والتأييد لحرية الأسرى ورفع الظلم عنهم من خلال هذا الالتفاف الشعبي حول عمليتهم الشجاعة فقد أعطت حافزا وطاقة نضالية للشعب الفلسطيني تقول بأنه بالإمكان هزيمة الجيش الإسرائيلي والذي يدعي دائما بأنه الجيش الذي لا يقهر.

الرسالة الرابعة، فهي رسالة إنسانية عالمية، فعملية الأسرى تفاعل معها الرأي العام الدولي ولقيت التأييد الواسع والتعاطف من كل الشرفاء والأحرار في العالم، فكتبت المقالات والقصائد والخواطر، ورسمت اللوحات الفنية، أصبحت قصة ورواية عالمية بامتياز، قصة الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الذي يبتدع دائما أساليب وفنونا في الدفاع عن نفسه ومقاومة الاحتلال، ومثلما ابتدع شعبنا سلاح الحجر في الانتفاضة الأولى عام 1987، لتنفجر انتفاضة الحجارة العظيمة وتدخل القاموس العالمي، فعملية هروب ستة أسرى سلطت الضوء أكثر على هذا الشعب الذي يرفض التنازل عن حقوقه القومية والسياسية، يرفض المساومة والمقايضة والاستسلام، فإما أن يكون حرا أو ألا يكون حرا.

الرسالة الخامسة فهي دعوة للقيادة الفلسطينية بإعطاء قضية الاسرى وحريتهم الأولوية في اللقاءات السياسية وفي التحركات الدولية والدبلوماسية، واعتبار حرية الأسرى جزءا أصيل من حق تقرير الشعب الفلسطيني لمصيره والمحك العملي لأي سلام عادل وجدي في المنطقة، فالأسرى الستة مثلوا بعمليتهم البطولية آلاف الأسرى القابعين في السجون والذين بعضهم يقضي 41 عاما داخل السجن، يمثلون المعاناة القاسية للمرضى والأطفال والنساء وكبار السن والأسرى الإداريين، أنهم صوت المعذبين المحشورين هناك تحت رحمة الأعداء ونازيتهم وعنصريتهم، أنهم يقولون لنا وللعالم لا تنسونا، نحن بشر، نحن لا نطلب سوى الحرية والعيش بكرامة كبقية شعوب الأرض، نرفض أن نموت في العتمة، ونفضل الموت في فضاء الحرية المفتوح على سماء فلسطين وأرضها.

أما الرسالة السادسة للأسرى الستة فتمثلت في صورة الناجين من الإعدام البطيء داخل السجون، الناجين من الف مذبحة ومذبحة، من ألف جريمة وجريمة ترتكبها سلطات الاحتلال التي لا تلتزم بالقانون الدولي ولا بمواثيق حقوق الإنسان، وتتعامل مع الأسرى كأنهم ليسوا من بني البشر، مجردين من إنسانيتهم، يستحقون القتل، فالأسرى الستة هم الشهود العائدين من الجحيم الإسرائيلي الذي يسمى السجن، صوت الحرية، صوت الشهداء الذين ارتقوا داخل السجن، صوت المحكومين بالمؤبدات، صوت الجرحى والمعاقين، إنهم سفراء الإنسانية المعذبة، سفراء فلسطين حتى وإن كان لمدة خمسة أيام قضوها في رحاب الحرية، فقد أوصلوا الرسالة على المدى البعيد في هذه الأيام المعدودة.

والرسالة السابعة، فقد ظهرت صورة إسرائيل كدولة محتلة بصورة هشة فقد هتكت أساطيرها المسلحة وخرافاتها التوراتية، تصرفت كدولة مجنونة مهووسة، الخوف والهلع دب في أوساطها.

حشودات عسكرية برية وبحرية وجوية، استنفار قواتها القمعية بكافة أنواعها، فالأسرى الستة كشفوا كم هذه الدولة خائفة ومرتجفة، أنهم أسرى عزل ولكنهم استطاعوا أن يحاصروا تل ابيب ويفرضوا عليها حالة الطوارئ دون إطلاق طلقة واحدة.

العدو أعاد توقيف أسرى، هل من خشية على حياتهم، وإمكانية حدوث عمليات انتقامية ضدهم؟
يوجد خشية على حياة الأسرى الذين تم إعادة اعتقالهم، فقد تعرضوا منذ إلقاء القبض عليهم للضرب والسجل والاعتداءات، وتعرضوا ولازالوا للتعذيب في اقبية التحقيق، مورست عليهم ضغوطات جسدية ونفسية، وحسب إجراءات المحتلين سوف يحاكموا بزجهم في زنازين العزل الانفرادي المشددة سنوات طويلة، وهذه الزنازين تشبه المقابر، زنازين تنعدم فيها كل وسائل الحياة، زنازين ضيقة وقذرة، يفرض على الأسرى ألا يخرجوا إلا مكبلين من أياديهم وأقدامهم، يتعرضون على مدار الساعة لاستفزازات السجانين وإهاناتهم ولاقتحام زنازينهم دون سبب، إضافة إلى حرمانهم من زيارات الأهل ومن الحصول على الكنتين ومن التلفاز والمذياع والصحف والملابس وغيرها من العقوبات القاسية، وكل ذلك بهدف إيصال الأسير المعزول إلى الموت أو إلى الجنون والتسبب في إصابته بالأمراض والإعاقات.. إنها أساليب انتقامية وثأرية بشعة تمارسها سلطات الاحتلال بحق الأسرى المعزولين عن العالم وعن مجتمع الأسرى، لهذا من الأهمية استمرار متابعة أوضاعهم وإثارتها قانونيا وسياسيا وإعلاميا لأنه بالفعل هناك خشية على حياتهم وصحتهم، فالاحتلال سوف يعوض فشله والإهانة التي تعرض لها من خلال الانتقام من الأسرى الذين أعيد اعتقالهم، سيحاول إسقاط رمزيتهم وتوجيه رسائل ردع إجرامية إلى سائر المعتقلين.

شكل توقيف الأسرى خيبة لدى الرأي العام العربي، كيف تفسر إعادة توقيفهم؟
لم تشكل إعادة الأسرى من الذين انتزعوا حريتهم من سجن جلبوع الإسرائيلي خيبة لدى الرأي العام العربي وربما حدثت صدمة، ولكن الهالة التي رافقت عمليتهم كانت هي الأكبر والأوسع تأثيرا في وجدان كل الناس، خاصة بعد أن تمكن المحامون من زيارتهم وأدلوا بتصريحات مسؤولة ومتزنة وبثقة عالية ذات بعد وطني وتوحيدي وظهروا كأبطال شجعان غير مخذولين ومنكسرين متمسكين بأمل الحرية، غير نادمين معتزين بما فعلوا سعداء لأنهم خرجوا ومشوا في بساتين وحقول فلسطين واشتموا هواءها ورأوا سماءها بلا سياج، أكلوا من ثمار أشجارها وشاهدوا الناس والأطفال، إنهم انتصروا وإن كان لبضعة أيام، ولكن هذه الأيام كانت أجمل أيام حياتهم كما قالوا.

العلاقة مع المحتل الغاصب هي علاقة صراع وهذه ليست المحاولة الأولى لعملية هروب من السجن، ولكن بالمجمل سواء نجح عدد منها أم أخفق، فإنها تدل على الإصرار والعزيمة على انتزاع الحرية وكما قال الشاعر الفلسطيني سميح فرج:

قد تسقط في أول مرة

لا تتردد

قد تسقط في ثاني مرة

لا تتردد

قد تسقط في عاشر مرة

لا تتردد

لكنك لن تسقط أبدا

فتمرد فتمرد

انهيار منظومة السجن الأمنية ونجاح ستة أسرى بأعجوبة أدى إلى رد فعل صهيوني انتقامي وثأري من مجموع المعتقلين في كل السجون، فقد فرضت إجراءات مشددة وعقوبات جماعية غير مسبوقة على سائر الأسرى، كالتنقلات التعسفية وزج أكثر من خمسين أسيرا في زنازين انفرادية، حرمان الأسرى من زيارات أهاليهم، تقليص المواد الغذائية، تفتيشات واقتحامات ومداهمات لغرف الأسرى، زج قوات قمعية بأعداد كبيرة في ساحات السجون لترهيب الأسرى وصاحب ذلك تقديم قوانين وتشريعات من قبل ما يسمى الكنيست الإسرائيلي للتضييق على حياة الأسرى وسحب حقوقهم الإنسانية والمعيشية ومكتسباتهم التي حققوها بفعل نضالاتهم داخل السجون، والتعامل معهم كقنابل موقوتة يجب أن يظلوا تحت الرقابة المشددة باعتبارهم إرهابيين ومخربين وليسوا مناضلين شرعيين وأسرى حرية.

وماذا عن مجموع الأسرى الفلسطينيين، بعد الذي حصل، ما هي المعطيات التي تحوزونها، عن الوضع داخل السجون؟
أصبح الوضع داخل السجون برميل بارود قابلا للانفجار في أي لحظة بسبب الإجراءات التعسفية التي قامت بها سلطات الاحتلال بحق الأسرى عقب نجاح ستة أسرى من عبور سجن جلبوع، فالأسرى لم يقفوا ساكتين أمام كل ذلك، بل أحرقوا خيامهم وزنازينهم وأشعلوا النيران في وجه قوات القمع، وأعدوا برنامجا لخطوات نضالية ومواجهة جماعية لخوض إضراب مفتوح عن الطعام يشارك فيه أكثر من 1300 أسير ومن ثم يتصاعد بشكل تدريجي، وكان مقررا أن يبدأ ذلك يوم الجمعة 17/9/2021، وأرسلوا رسائل إلى إدارة سجون الاحتلال أنذروهم فيها بإشعال انتفاضة داخل السجون إذا ما استمرت في إجراءاتها الوحشية بحقهم.

واستعد الشعب الفلسطيني بكافة مؤسساته وأطره الجماهيرية لإطلاق فعاليات التضامن الشعبي والجماهيري المساند لخطوات الأسرى، وأمام هذا الغليان تراجعت سلطات الاحتلال الصهيوني عن إجراءاتها ووعدت ممثلي الأسرى بإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها ما قبل عملية الهروب، فقد شعر المحتلون بأن بركانا سينفجر في وجوههم داخل وخارج السجون، وإنني أعتبر أن الأسرى الستة انتصروا مرتين، المرة الأولى عندما استطاعوا الهرب من السجن، المرة الثانية عندما تراجعت إدارة السجون عن سياستها الانتقامية بحق مجموع الأسرى، وفي كلا الحالتين فشل الكيان الصهيوني أمام الإرادة الحرة العنيدة للمعتقلين.

هل يمكن أن يشكل هذا الحادث ذريعة من العدو للتراجع عن المكتسبات التي حققها الأسرى طيلة سنوات من النضال؟
لقد حركت عملية هروب ستة أسرى من سجن جلبوع ببطولة وشجاعة قضية الأسرى على كل المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، فقد لفتت انتباه المجتمع الدولي إلى هذا الملف المنسي والمطوي في الظلمات الثقيلات وأكد للقاصي والداني أن الشعب الفلسطيني ومن خلال رموزه الأسرى هو شعب لا يريد سوى الحرية والكرامة وكسر القيود، لا يريد أن يظل مكبلا أو محاصرا يتعرض للسلب والنهب والقمع والاعتقالات والاستيطان.

العملية فتحت ملف الأسرى على أوسع ما يكون، ملف الجرائم الممنهجة بحق الأسرى التي تنتهك الشرائع والاتفاقيات الدولية والعدالة الإنسانية، ملف المحكمة الجنائية وضرورة محاسبة وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين في القضاء الدولي وعدم إبقاء دولة الاحتلال منفلتة من العقاب.

الظاهر أن الذي حدث قد أحيا قضية الأسرى الفلسطينيين التي كانت مغيبة نوعا ما، ماذا يحتاج الأسير منا، وما هي أساليب الدعم الممكنة لهم؟
العملية البطولية للأسرى الستة أعادت قضيتهم إلى مكانتها كقضية سياسية وقانونية وإنسانية، قضية صراع بين الشعب الفلسطيني ومغتصبي أرضه ووطنه، وشكلت جبهة تضامن واسعة لدى الرأي العام الدولي ربما لم يحصل في سنوات سابقة، فالعملية قادت إلى تدويل قضية الأسرى باعتبارها قضية المجتمع الدولي ومسؤولياته الأخلاقية والإنسانية والقانونية.

في ظل انغلاق الأفق السياسي لأي تسوية سياسية عادلة في المنطقة وفي ظل حكومة صهيونية متزمتة وعنصرية تضرب بعرض الحائط بكل القوانين الانسانية وبأسس السلام العادل وتمارس الإرهاب الرسمي بحق الشعب الفلسطيني، فإن عملية الأسرى الستة أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية وأساسية ومحور الاستقرار والسلام في المنطقة، لا يمكن تجاهلها أو فرض الأمر الواقع الاحتلالي عليها، وهذا يعتبر انتصارا آخر للأسرى الأبطال.

على القيادة الفلسطينية أن تتمسك بالأسس التالية حول قضية الأسرى:

1- لا مفاوضات دون إطلاق سراح الأسرى كخطوة أولى نحو بناء عملية سياسية متكاملة ذات جدوى تؤدي إلى الخلاص من الاحتلال.

2- طلب اجتماع عاجل للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة أوضاع الأسرى والانتهاكات التي تجري بحقهم ومسؤولية المجتمع الدولي في توفير الحماية لهم.

3- تحريك ملف الأسرى في المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة ومساءلة مجرمي الحرب الإسرائيليين على ما اقترفوه ويقترفونه من جرائم جسيمة بحق المعتقلين.

4- التمسك بالمكانة والمركز القانوني والشرعي للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين باعتبارهم أسرى حرية وأسرى حرب وفق القوانين الدولية وعدم التنازل والخضوع للاشتراطات الإسرائيلية ومحاولات تجريم نضال الأسرى والتعامل معهم كإرهابيين بهدف نزع مشروعية نضالهم الوطني.

5- بلورة استراتيجية وطنية ومقاطعة محاكم الاحتلال العسكرية والعنصرية باعتبارها محاكم شكلية وصورية وأداة بيد حكومة الاحتلال واجهزته الأمنية، تنتهك هذه المحاكم إجراءات المحاكمة العادلة وتمارس التمييز العنصري والانتقامي بحق المعتقلين وتكرس وتعمق الاحتلال تحت غطاء القانون.

عن صحيفة “الشروق” الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى