غربة الراعي
بقلم مهند طلال الاخرس

#كل_يوم_كتاب

سيرة ذاتية لاحسان عباس، وهو كتاب من القطع المتوسط ويقع على متن ٢٧١ صفحة ومن اصدارات دار الشروق للنشر والتوزيع ٢٠٠٦.

تكاد تكون سيرة الكل الفلسطيني واحدة، فهي سيرة جمعية ابتداء، جمعية؛ لانها مرتبطة بوطن محتل تكالبت عليه شتى ويلات الدهر، وجار عليه الزمان وتشتت بفعل النكبة، وسُلب الهوية والوطن والتاريخ والحضارة واعطي الخيمة، وطمست هويته في محاولات دؤوبة لشطبها وتذويبها، واوقف على الحدود والمعابر ومطلوب منه دوما مراجعة الدوائر الامنية والمخافر، ورغم تحصله في احيانا كثيرة على جنسية اخرى إلا ان هناك غربة بقيت تلاحقه اينما حل وارتحل، ولعل احسان عباس لم يبتعد كثيرا عن هذا المقصد والمعنى عندما وضع كتابه هذا تحت عنوان غربة الراعي، او لعله اراد ان يذهب الى عوالم اخرى مجهولة بالنسبة لنا وما نلبث ان نمسك بسبب تلك التسمية مع بداية اول صفحات الكتاب.

سريعا ما تبدا صفحات الكتاب واحداثه بالبوح عن اسباب تلك التسمية، لكن على عاتقك انت وحدك يقع عبء اكتشاف ذلك السبب او تلك الاسباب وتركيب مفرداتها واحدة تلو الاخرى لتصل لتلك النتيجة. وهذا ما قد يشكل سببا مشوقا يضاف الى جملة اسباب اخرى تدفعك لقراءة هذه السيرة والنهل منها دون ان تغفل وانت تسير مع الكلمات الى تفكيك تلك الاحجية القابعة خلف ذلك الاسم.

وسيرة الفلسطيني يتداخل فيها الخاص بالعام حتى ولو ابى، لان السيرة وبكل بساطة تعني قبل كل شيء حكاية الماضي على نحو ما،
وسيرة احسان عباس جائت ضمن هذا السياق، فهو يبدأها بالحديث عن عين غزال مولده ومسقط رأسه وسبب تسميته هو واخوانه احسان وتوفيق وبكر بهذه الاسماء ، وحكاية الاسم مع امام الجامع وانها جائت تيمنا لقوله تعالى “وما زادهم إلا احسانا وتوفيقا” ، وشيوع قصة البركة في الطفل احسان وسبب ذلك الاعتقاد مرده لتلك العادات والطقوس السائدة في القرى والمجتمعات الريفية والتي شكلت احدى صور الحياة الاجتماعية للشعب الفلسطيني قبل النكبة.

يبدأ احسان عباس في سرد حكايته بلغة بسيطة وبريئة وبعيدة عن التكلف في تماثل واضح يعبر عن تلك المرحلة ومفرداتها. ويستمر في استرجاع حكايا ابن الريف البسيطة والبريئة والتي سرعان ما يكتشف سذاجتها، ورغم هذا الاكتشاف المبكر، إلا ان تلك البيئة المنتجة لذلك الموروث ولتلك العادات البالية -على اقل تقدير- لم يكن من السهل على الانسان الريفي ان يتخلى عنها، وان استطاع فقد تخذله الايام، وتتركه في العراء معطية الفرصة للرياح لتحمله كيفما تشاء.

ينتقل احسان عباس لاكمال دراسته في حيفا وسرعان ما تبدا عينه تتفتح على عالم آخر، اكبر من ذلك المجتمع القابع بين جبلين والمسمى قرية، في حيفا كانت الايام تخبىء له الكثير، كانت كأنها تعده لما هو اسوأ له ولشعبه ككل، في حيفا جاع وتعرى ونام في الشوارع، وخاف ولاذ بجدار الجامع(جامع الاستقلال) يحتمي من وقت لا يعرف كيف يصرفه وقد غابت طفولته تحت ظرف الغربة في المدينة، في حيفا يعيد احسان عباس اكتشاف الاشياء، ويتعرف لاول مرة على اشياء واسمائها مثل النظارة والحلويات والملبن والتمرية(مؤلم جدا حين يخبرنا احسان عباس انه فارق حيفا ولا يعرف ما هي التمرية) ص ٧١،
لكن الاهم ان ظروف الحياة وشقائها معه كانت تؤكد مع كل شمس يوم جديد انه لم يعد طفلا، فعرف معنى الغربة في كل شيء.

كعادته في البعد عن التصنع لا يلبس احسان عباس ثوبا ليس له، ولا يدعي بطولات لم تكن دربه ولا حتى هاجسه. يمشي بمظاهرة تنطلق من جامع الاستقلال حيث الشيخ تقي الدين النبهاني والشيخ عزالدين القسام، تسير المظاهرة حتى تصل منزل احد قادة ثورة ١٩٣٦ رشيد الحاج ابراهيم يطل عليهم من شرفة منزله يلوح بيده لهم قائلا، سيروا على بركة الله.

ينتقل الراحل الكبير الى عكا لاتمام دراسته تبتسم له الايام اكثر، لا ينام جائعا ويتحصل على المركز الثالث المؤهل للدراسة في الكلية العربية في القدس.

في القدس يتعرف الى العوالم التي يحب من خلال الكتب، لكنه لم يتعرف الى زقاق القدس وحاراتها ولعل جولته الوحيدة في تلك الزقاق والتي يذكرها في الكتاب وتأنيبه لنفسه كيف استطاعت ان تمنعه عن رؤية كل هذا الجمال ما يفكك احجية غربة الراعي.

في الكلية العربية بالقدس يمضي احسان عباس في اكتناز ما يصلح لان يبقى لينتقي منه في قادم الايام سيرة وايام جميلة تستحق ان تقرأ وان تبقى.

في الكلية ايضا اسماء من معلمين وادارة وطلاب ارتبطت اسمائهم بتاريخ فلسطين وقضيتها، كان المعهم مدير الكلية احمد سامح الخالدي.

ينهي احسان عباس دراسته في الكلية بتفوق وفي المرتبة الثانية ويعين معلما في صفد، ولا يبخل علينا الراحل الكبير من ان يمتع اعيننا بصفد وحاراتها وحتى طبريا وبحيرتها وينابيعها الساخنة.

في صفد وبعد انتهائه من احد ايام التدريس، يفاجأ بقدوم ابيه لزيارته، كان ابيه قد جاء يزف البشرى، خطبت لك. ورغم تمنع احسان عباس عن الزواج بتلك الطريقة البدائية والتقليدية إلا انه يرضخ لابيه في النهاية ويتزوج وينجب ثلاثة من الابناء. تبقى تلك الحادثة وطريقة ذلك الزواج معلقة في ذهن استاذنا الراحل تطارده حتى في احلامه وتسهم في غربته اكثر، كثيرا حدث نفسه بالطلاق ولم يستطع، احس بوخز الضمير حتى على مستوى هذا البوح، فعاد واعتذر في آخر صفحات سيرته من زوجته وام اولاده مقدما لها خالص التقدير والعرفان.

يتحصل الراحل الكبير على منحة من الكلية العربية في القدس ويخير بين الدراسة في انجلترا او مصر، فيختار مصر، وبعد اول سنة للدراسة تقع النكبة وتتقطع به السبل، لكن هذه المرة حملت له الاقدار الكثير من طاقات الفرج، تتدبر الامور وينكب على المكتبات ومجالس العلم، تتوسع دائرة علاقاته ومعارفه الادبية والثقافية ويصبح مواظبا على مجالس العلماء.

يسجل للماجستير ويتحصل على وظيفة في السودان في جامعتها، يذهب للسودان هو وعائلته، يستذكر تلك الاجواء وطيبة ذلك الشعب ومواقفه ويطنب في مدحه وفي الثناء على اخلاقه وافكاره، ويترك السودان بعد فترة عشر سنوات كاملة ويتجه للبنان.

في لبنان يتولى التدريس في الجامعة الامريكية في بيروت، لا يمدح من اجوائها سوى هوائها العليل والجبل، وتلك الطالبة الفذة الوفية وداد القاضي.

يذهب الى بغداد لزيارة الاهل والاطمئنان على احوالهم، يسأل عن الكثيرين، يتفاجأ بان الموت اصطحبهم منذ فترة، تعود له تلك الغربة من جديد يتملكه الحنين واسترجاع لحظات العمر التي اخذت حصتها من الشقاء ويزيد، تنهال الدموع، لعلها تطفىء شيئا من وجع الايام.

في اثناء تدريسه في الجامعة الامريكية في بيروت يعمل استاذنا الكبير استاذا زائرا ومحاضرا في عدة جامعات اوروبية وامريكية، ويحضر عدة مؤتمرات وندوات ويشارك باوراق بحث ما تلبث ان تأخذ طريقها للنشر في كبريات الدوريات المتخصصة، وبعضها يكمل مسيرته ويحمل في احشائه كتابا جديدا تضاف الى رصيده الباقي وتسد حاجة المكتبة العربية وتزين رفوفها.

ينال العديد من الجوائز ويحوز على الكثير من حفلات التكريم وصور التقدير، يعود لعمان وتغلبه الكآبة وفيها يدفن ويموت.

ولان الموت هو هكذا، وهذه هي عاداته؛ ان جاء اخذ منا اجمل ما فينا ثم يذهب، ثم ما يلبث ان يعود ويأخذ ما يريد، حتى تموت كل الاشياء الجميلة فينا، ولا يتبقى له إلا هذه الكلمات، فيأخذها ويذهب، لكن الموت كان متواطئا معنا هذه المرة، لن يأتيك هناك، عند قبرك في عمان، بل عند خطواتك الاولى في عين غزال وحيفا ووادي الصليب، هناك في وادي الصليب حيث المدرسة التي درست فيها وعشت غربتك وجوعك، سنقيم لك حفلا بهيا وارفا ايها الكبير، سنقدم لك تذكارا بسيطا يمسح غربتك ايها الراعي، هناك في مدرسة وادي الصليب حيث حفل التكريم المعد لحضورك الدائم، سنقف لك من جديد ونقبل رأسك ويديك، ستلوح لنا من فوق سفح جبل الكرمل، سيكون المرج اخضرا والماء اخذ طريقه نحو البحر، ستهبط روحك من الكرمل بعد ان تعلق مزيدا من امنياتها على اغصان الشجر، ستعرف الطريق رغم الغربة، فأمثالك لم تغادر خطواتهم الطريق، قد تختلف عليك اسماء الشوارع، لكنك حتما ستعرفها، ستعرف شارع المقبرة المؤدي الى جامع الاستقلال وتتذكره، لم يعد موئلا للسارقين والجانحين والمخمورين، اصبحت حيطان ذلك الشارع تغص بإسمك، اصبحت انت صاحب ذلك الشارع، واصبح هو بإسمك…
شارع احسان عباس، نعم ، انه من هنا، وهو يفضي الى مدرسة وادي الصليب، هناك ستجد طلابك ومحبيك ومريدوك قد خطوا على اللوح(الصبورة) جملة لم تقل للكثير:” لم يكن معلماً، وإنما كان صديقاً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى