غروب القوة الأمريكية من جبال أفغانستان إلى سهول شرق المتوسط
إبراهيم نوار

ما تزال الولايات المتحدة هي أقوى دولة على وجه الأرض بمقاييس القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. وقد احتلت هذه المكانة منذ تمكنت من هزيمة الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بعد حرب باردة طويلة امتدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. خلال الحرب الباردة التي كان الزعيم الروسي خروتشوف يطلق عليها «المباراة السلمية»، وقع الكثير من الأزمات بين الطرفين، وانتشر سباق التسلح، وشاعت الحروب بالوكالة كوسيلة مهمة من وسائل تصفية الحسابات بينهما على أراضي أطراف أخرى.
وبعد أن انفردت الولايات المتحدة بصدارة القوة في العالم منذ التسعينيات، أخذت تتبلور على المسرح الدولي كيانات جديدة مثل الاتحاد الأوروبي. وظهرت طموحات جديدة في الصين، إضافة لعملية إعادة بناء للقوة في روسيا. وأسفرت التطورات في الثلاثين سنة الأخيرة عن تحرك محور القوة الاقتصادية في العالم، من الغرب إلى الشرق، أو من الولايات المتحدة إلى الصين وجنوب شرق آسيا.
الولايات المتحدة اعتبرت أن انتصارها في الحرب الباردة كان بمثابة رخصة لها كي تفعل ما تشاء في كل أنحاء العالم. وعندما وقعت الواقعة في سبتمبر 2001، وسقطت كرامة الولايات المتحدة في ركام برجي التجارة في نيويورك، اعتقدت الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت أن الانتقام حتمي، لإثبات الهيمنة الأمريكية على العالم، فقامت قواتها بغزو أفغانستان، وإلى جانبها قوات تحالف دولي واسع، لتطهير تلك الدولة من الجماعات الإرهابية، التي كانت أجهزة المخابرات والسياسة الخارجية الأمريكية نفسها، قد بذرتها وغرستها ونمتها هناك، لمحاربة القوات السوفييتية وطردها من أفغانستان.

خسائر في أفغانستان

وعلى مدى 18 عاما أمضتها القوات الأمريكية والحليفة هناك، خسرت أكثر من ثلاثة آلاف من القتلى وأضعافهم من المصابين، وتحولت أفغانستان إلى مستنقع عسكري جديد للقوات الأمريكية، استدعى لدى أجيال من الأمريكيين تجربة حرب فيتنام المؤلمة. وهكذا راح شبح فيتنام يطارد الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ويضعف مبررات استمرار الوجود الأمريكي في أفغانستان، بل إن مرشحا جديدا للرئاسة في عام 2016 جاء حاملا معه لواء الدعوة إلى انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان ومن غيرها من مناطق الصراع «الخاسرة». هذا هو ما كان يدعو إليه دونالد ترامب، الذي وصف التدخل العسكري في بلدان مثل أفغانستان وسوريا، بأنه لا طائل من ورائه، ولا مبرر له، وإنه يكلف الولايات المتحدة من الأرواح والعتاد والمال ما يجب توفيره لأغراض الإنفاق الداخلي في البلاد، على أساس مبدأ «أمريكا أولا».

الآن، وبينما ترامب يواجه الناخبين على بطاقات التصويت للانتخابات الرئاسية، التي ستجري في نوفمبر المقبل ، فإنه يريد ان يوجه رسالة مقنعة إلى ناخبيه، بأنه هو الرئيس الذي يستحق إعادة انتخابه لدورة رئاسية جديدة، فهو الذي وعد ووفى بالوعد بخصوص الانسحاب من سوريا ومن أفغانستان، وهو الذي فتح أسواق الصين للصادرات الأمريكية، وهو الذي فرض على حلفاء الولايات المتحدة أن يتحملوا نصيبا أكبر في أعباء الدفاع عن التحالف الغربي، بأن يدفعوا ما لا يقل عن اثنين في المئة من دخلهم القومي لأغراض الدفاع المشترك، على أن يذهب جزء من هذا الإنفاق لتمويل شراء أسلحة ومعدات دفاعية من المصانع الأمريكية. كما انه أيضا هو الذي جاء لصناعة السلاح الأمريكية بما يزيد على نصف تريليون دولار من السعودية وحلفائها في الخليج، من خلال صفقات لبيع الأسلحة الأمريكية إلى هذه المنطقة.
ثم جاء التوقيع في الدوحة في نهاية الشهر الماضي فبراير، على اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان، مؤشرا على استمرار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي أقرها البيت الأبيض عام 2017 من أجل إعادة الجنود الأمريكيين من الخارج إلى وطنهم، وتبني صيغة جديدة لتحقيق أمن الولايات المتحدة.

الحرب لن تأتي بالسلام

الصيغة الجديدة التي جاءت بها استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، عبّر عنها في بساطة شديدة وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، في مقال نشرته له صحيفة «واشنطن بوست» يوم توقيع الاتفاق في الدوحة. إسبر قال: «السلام لن يأتي من خلال الوسائل العسكرية، لكن تحقيق الأمن للولايات المتحدة وحلفائها ولكل أفغانستان، هو أمر ممكن، عندنا تلقي كل الأطراف السلاح، وتجلس بجانب بعضها بعضا لرسم المستقبل معا. إن الحل السياسي هو أفضل طريق لتحقيق السلام». وعلى الرغم من أن هذا الإقرار بأولوية الحل السياسي يتناقض مع مواقف الولايات المتحدة في عدد من بؤر الصراع في العالم، إلا أنه يؤكد أن الطريق ليس مغلقا تماما أمام إنهاء الحروب والصراعات المسلحة المشتعلة، والضغوط القصوى السياسية والتجارية والعقوبات الاقتصادية، التي تسهم جميعا في زيادة حدة الصراعات بين الدول، واشتداد حدة المعاناة للشعوب التي تخضع لمثل هذه الإجراءات ذات الطابع العدائي. في نهاية الأمر فإن الفترة الأولى من حكم الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، سجلت انسحابا أمريكيا من سوريا، وانسحابا سيبدأ تنفيذه بمقتضى الاتفاق الأخير من أفغانستان، يستغرق تنفيذه أربعة عشر شهرا، إضافة إلى اشتراط الولايات المتحدة الحصول على مقابل مالي أكبر، لاستمرار وجود قواتها في بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وضغوط على دول حلف شمال الأطلنطي من إجل زيادة مشترواتها من الأسلحة والعتاد من المصانع الأمريكية. هذا الانسحاب يعكس في حقيقته بداية لأفول القوة الأمريكية.

تراجع القوة

وتدل مؤشرات توزيع القوة العالمية على تراجع عام وتدريجي في مقومات القوة الأمريكية منذ اوائل القرن الحالي حتى الآن. وتتمثل أهم مقومات القوة الأمريكية في قوتها الفضائية والصاروخية، وقوتها النووية، وقوتها العسكرية، ووزنها الاقتصادي والتجاري في العالم، وقوتها النقدية من خلال سيطرة الدولار، على نسبة مهمة من التجارة وصناعة التمويل في العالم، وكذلك قوتها التكنولوجية. وكان كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يسيطران على نظام قطبية ثنائية يتحكم في العالم شرقا وغربا، حتى نهاية الحرب الباردة. بعدها انفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم معتمدة على تفوقها ونفوذها النقدي عن طريق الدولار، والعسكري عن طريق القدرات الفضائية والصاروخية والنووية، والاقتصادي من حيث الإنتاج، والتكنولوجيا، لكن ذلك لم يستمر طويلا بعد بداية القرن الجديد، حيث أصبحت عملات مثل اليورو واليوان منافسا قويا للدولار، وظهرت قوة فضائية وصاروخية جديدة في الصين، كما حققت بلدان جنوب شرق آسيا قفزة كبيرة في ميادين السباق الاقتصادي المختلفة. كما استطاعت القوى الصاعدة مثل روسيا والصين، تطوير صناعتها العسكرية بسرعة، واستعادت روسيا حصة كبيرة من نصيبها في سوق السلاح العالمي، بينما دخلت الصين بقوة إلى هذه السوق بمنتجات متقدمة أقل كثيرا في أسعارها من مثيلاتها الأمريكية والأوروبية، مثل الطائرات والصواريخ والسفن. صادرات الصين العسكرية تضاعفت تقريبا خلال عشر سنوات بين عامي 2008 و2018، كما تشارك في برامج للتدريب والمناورات مع دول في مناطق الصراع الرئيسية في العالم مثل ايران.
وعلى الرغم من دور الولايات المتحدة المؤثر والحاسم في الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، إلا أن دورها في مجلس الأمن أصبح يواجه عقبات مستمرة، خصوصا من جانب كل من الصين وروسيا. ومع تركيز واشنطن على السياسات التي تحقق مصالحها أولا، حتى لو كانت على حساب حلفائها، فإن عددا من الحلفاء راح يبحث عن سبل تحقيق مصالحه الخاصة، بعيدا عن الولايات المتحدة. وبرزت في هذا السياق السياسة الخارجية والدفاعية الأوروبية، كما برز اهتمام اليابان بالتقارب مع الصين على أساس معادلة جديدة توفر لطوكيو قدرا من المرونة المطلوبة في إدارة علاقاتها مع كل من واشنطن وبكين.
ويلعب هؤلاء المنافسون الجدد للولايات المتحدة في آسيا وأوروبا، دورا متزايدا في الاستحواذ على نفوذها، خصوصا في المناطق التي انسحبت منها، وبناء مناطق نفوذ جديدة حول العالم خارج سيطرتها من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلنطي والبحر المتوسط. كما نمت حول العالم مراكز للتجديد التكنولوجي في بلدان مثل، فنلندا وكوريا وإسرائيل واليابان، قادرة على منافسة مثيلاتها في الولايات المتحدة. هذا التراجع في مقومات القوة الأمريكية، يستلزم إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم. وفي الوقت نفسه فإن انسحابها التدريجي من الشرق يخلف وراءها فراغا استراتيجيا، تسعى قوي إقليمية ودولية ان تتدخل لملئه، او الاستحواذ على نصيب منه، كما نرى الان في سوريا، لذلك فإن التنافس على النفوذ في المنطقة سيستمر في السنوات المقبلة، حتى يتم رسم حدود القوة للأطراف المختلفة اللاعبة في الشرق الاوسط، سواء من داخل الإقليم أو من خارجه، علما بأن الرهان على الدور الأمريكي سيواصل التراجع لصالح أدوار إضافية لقوى إقليمية ودولية منها تركيا وإيران وإسرائيل وروسيا والاتحاد الأوروبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى