غضب الإيرانيين مختلف هذه المرة
أرنست خوري

يعتبر العقل الإيراني الحاكم أن من حق طهران الطبيعي التدخل في شؤون الأمم القريبة والبعيدة، على أساس أن لا حدود لأحلام تصدير الثورة، وبذلك يصبح التدخل حلالاً. التصدير هو سياسة توسعية تختلف عن النزعات الاستعمارية الأخرى بالعدّة “الفكرية” التي يروج لها النظام بخطاب طائفي وبمحاكاة رافضي إجراء إعادة نظر بأسباب هزائمنا المتتالية، وبتوزيع المال نقداً أو سلاحاً أو وظائف، لتجنيد جيوش من مليشيات ومن مدافعين عن روايات مضجرة لا تزال تنطلي على كثيرين، باكورتها البحث عن الطريق إلى القدس. لكن ما إن يدلي قريب أو بعيد برأيه حيال حدث إيراني ما، تخرج علينا صرخة يا غيرة الدين ويا غيرة الهوية القومية الإيرانية، وكل أدبيات السيادة المسموح فقط لرجال المرشد دهسها في الفتوحات العسكرية المذهبية التي امتهنت الحروب بالواسطة. أكثر ما يستحضر الكلام هذا، احتجاجات الغضب المتعاظمة منذ اضطرار حكام طهران على الاعتراف بفضيحة إسقاط الطائرة الأوكرانية التي ظنها ضابط الحرس الثوري الإيراني صاروخ كروز، فقصفها!
كان يمكن للمواطنين الإيرانيين من خارج النواة الصلبة المحافظة للنظام أن “يبتلعوا” الفضيحة التي كاد يصلح التداول بها على سبيل النكتة لولا أنها أودت بحياة 176 ضحية. لكن ما كان مستحيلاً هو أن يتحملوا إهانة بحجم تعمد كذب حكامهم عليهم إلى درجة جعلت ألسنة إيرانية وغير إيرانية طويلة تتهم كل من يقول إن صاروخاً إيرانياً أسقط الـ”بوينغ 737″ بأنه شريك في المؤامرة الكونية على إيران، أو بأقل تقدير شريك في الحرب النفسية التي تشنها أميركا وإسرائيل وأوروبا من خلفهما على إيران، والوصف للمتحدث باسم الحكومة في طهران، علي ربيعي، قبل الاعتراف بإسقاط الطائرة بسويعات.
72 ساعة ومتحدثو النظام الإيراني ومتبرعو المزايدة عليه من عرب ممانعين لكل خطاب عقلاني، يملأونها بالكذب، مع علم كل القيادة الإيرانية بحقيقة الفضيحة منذ إسقاط الطائرة فجر الأربعاء، على حد اعتراف قائد القوات الجو-فضائية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زادة الذي تمنى الموت لنفسه لحظة وصول خبر اصطياد “الكروز” إلى مكتبه. كروز ما لبث أن تبين أنه كان مجرد طائرة سياحية أوكرانية قتل ركابها لأن ثمّة من نسي أن يغلق الأجواء الإيرانية قبل أن يقرر قصف الصواريخ الـ 22 على العراق. ضحايا نظام ظنت نخبة قواته أن طائرة سياحية أوكرانية هي صاروخ كروز أميركي. نظام أخرج علينا حاجي زادة نفسه قبل 24 ساعة من الاعتراف، ليخبرنا أن “الأمر المؤكد الوحيد هو أنه لم يطلق أي صاروخ على الطائرة” المسكينة.
حجم الإهانة التي يشعر بها المواطن الإيراني ربما لا يفوقها قهراً إلا حزن أهالي الضحايا الـ 176. ربما لذلك يمكن توقع أن يكون التعبير عن غضبهم بأشكال جديدة وبنسق غير مسبوق. شعور يشبه ما أحسوا به يوم سُرقت أصواتهم في انتخابات صيف 2009. لكن اليوم الإهانة تبدو مضاعفة، فمنذ تلك المحاولة لإصلاح النظام الإيراني من الداخل، لا يمر يوم إلا وتتوسع الإمبراطورية في الخارج وتتّشح سواداً في الداخل وتزداد قمعاً وفقراً وتعاسة. نشن حروباً في الإقليم وعليه، ونرسل الفاتورة للمواطن الإيراني لكي يدفعها. وما ضريبة الاعتراض على تلك المعادلة التي كان قاسم سليماني مهندس تطبيقها، إلا تهمة الاشتراك في المؤامرة على الثورة وخيانة تستوجب الإعدام أو على الأقل الحبس بالنسبة للمحظوظين. أما مناشدة المرشد علي خامنئي ترك منصبه، مثلما فعل أحد رموز الثورة الخضراء، مهدي كروبي، فما جزاؤها إلا معاقبة الداعي بأقصى ما يمكن أن يكون بالنسبة لكل أب: الانتقام عبر اعتقال الابن.
يعتبر الإيرانيون أنفسهم من سلالة حضارات عريقة صنعت لهم قومية عابرة لأديانهم الكثيرة وطوائفهم وإثنياتهم. وفي ذلك الشعور ما يكون أحياناً مصدر قلق لما تسببه الشوفينيات عموما من تعالٍ قد يلامس حدود العنصرية أو يوغل فيها. لكن هذه الثقافة التي يتباهى بها هؤلاء تجعلهم يتذكرون، كلما طلعت الشمس عليهم، كم أنهم يستحقون أفضل بكثير كثير من هذا الذي يرزحون تحتهم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى