“فتح” .. والهدف فلسطين
بقلم: ميساء أبو زيدان.

تَشكَّك السواد الأعظم (محلياً) بجدية توجه القيادة الفلسطينية الخاص باستحقاق الإنتخابات وإجرائها بمراحلها الثلاث (التشريعية، الرئاسية، المجلس الوطني) الاستحقاق الذي ارتهن أعوماً لمواقف حركة حماس كونها مُكِّنتْ كفصيل وازِن من أن تحدد ملامح المشهد بعيداً عن الإجماع الوطني؛ الضرورة النضالية. وما أن وافقت عبر رسالة رئيس مكتبها السياسي بداية الشهر الحالي على إجراء الإنتخابات حتى باشر الرئيس الفلسطيني (محمود عباس) بعملية إصدار المرسوم الخاص بإجراء الإنتخابات وبالتتابع ضمن جدول زمني محدد، لتتبدد تلك الشكوك التي سرعان ما تحولت لحراكٍ صاخب امتدَّ وسط مختلف المستويات والفئات.

ويبدو لِلمُتابِع وللوهلةٍ الأولى أن المدى اللافت لِصدى صدور المرسوم الرئاسي على الجماهير ومختلف المكونات في المشهد يظهر الموقف الأبرز في خِضم الجديد الفلسطيني، والذي جاء فور سنواتٍ طوال امتازت بحالة الركود التي أصابت الشارع. في المقابل ؛ اعتبرت بعض النخب أن الأبرز في المشهد والفيصل بإمكانية خوض الاستحقاق وإنجاحه هو ما سينتُج عن لقاء القاهرة المُزمع عقده بعد أيام حيث ستجتمع الفصائل للتباحث حول آليات إجراء الإنتخابات وسبل سيرورة العملية وضمان إنفاذ نتائجها بما ينسجم والمصالح الوطنية. لكن؛ وخلافاً لِما يبدو يمكن القول وبموضوعية أن الموقف الأهم بِخضم الراهن يتلخص بما دار خلال جلستي الإطارين الأعلى لحركة “فتح”؛ اللجنة المركزية والمجلس الثوري .

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

هنا سيجد العديد أن محاولة حصر الموقف الأبرز بما يستجد بأوساط وأطر حركة “فتح” تُجانب الواقعية وتفتقد للموضوعية، إلا أنه واستناداً للحقائق ورغم ما تؤديه باقي المكونات في الخارطة السياسية من أدوار على اختلاف طبيعتها ونِتاجِها، لجانب حال الشعب ومعانياته بمختلف الصُعد، لا يُمكن إنكار أن حركة “فتح” هي لاعب رئيس وصاحبة الدور الأساس بمجمل ما يدور إنطلاقاً من كونها صانعة الوطنية الفلسطينية. الحقيقة التي تضعها كحركة جماهيرية ولا زالت قائدة المسار النضالي التحرري بمواجهة جملة من القضايا وهي بصدد خوض الاستحقاق الهام، والذي يأتي خطوة في مسار إنهاء الإحتلال وبناء الكيانية وصولاً لوضع الحد للمظلمة التاريخية التي تعرض لها الفلسطيني ولا يزال.

من المؤكد هنا أن قيادة حركة “فتح” تعي تماماً طبيعة ومصادر التهديدات المُتربصة بالقضية الفلسطينية وعدالتها، كما التحديات التي تواجهها كحركة وطنية سواء كانت داخلية أم خارجية، لكنها؛ وبالتوازي مع دورها الرئيس في الصراع العربي الإسرائيلي المُنطلِق من موقعها الرائد فلسطينياً، تُدرك جيداً مجموع التحديات التي تعترضها كحركة، تلك المرتبطة بعملية الإنتخابات التي تخوضها استحقاقاً لا هدفاً، ليس أقلها ما تشكله هذه الانتخابات من أهمية بالنسبة لكافة الأطراف المعنية بالصراع بالإطارين الدولي والإقليمي كما المحيط العربي، فمثلاً ورغم تقدير العديد المختص بالشأن السياسي الذي صنف اهتمام الإدارة الأميركية الجديدة بالملف الفلسطيني بالضعيف لاعتباراتٍ هي في مجملها سليمة، إلا أن الشأن الفلسطيني لا يُشكل بميزان إدارة البيت الأبيض الحالية – كما سابقاتها – ذات الوزن الذي تُشكله باقي الملفات في المنطقة بل يتقدم، كون الملف الفلسطيني يتصل مباشرةً بشؤون الحليف الإسرائيلي وعليه فإن الانتخابات الفلسطينية ستحظى باهتمام بل ومتابعة إدارة الرئيس جو بايدن بغض النظر عن آلياتها ومستوياتها ومناحي تدخلاتها، ذات الحال سينطلي على دولٍ مختلفة تحديداً تلك في الإقليم، وبالتأكيد حسبما تحدده مصالحها.

وإن كان اهتمام الأطراف العربية يختلف بمنطلقه عما سبق وتم ذِكره، إلا أنه يشكل مهام إضافية ستعبأ به قيادة “فتح” وبالتأكيد بما يجسد علاقات التنسيق والتعاون، حيث الشأن الفلسطيني ينعكس بشكلٍ أو بآخر على مجريات الأحداث في المنطقة الحبلى بالأزمات، أي أن المتغيرات الدولية والإقليمية ستأخذ حيزاً هاماً لدى التعاطي مع هذا الاستحقاق المفصلي. أما التحديات المتربصة بالحركة (الفصيل الأكبر تعداداً وأدواراً) فستأخذ منحيين رئيسيين الأول مرتبط بالحالة العامة والثاني متصل بواقعها الداخليّ.
الجمود أولها وكيف بإمكان “فتح” أن تواكب التسارع المهول الذي شهدته الساحة الفلسطينية ومحيطها بمختلف المستويات والمجالات بعيداً عن نمطية المنطلقات والسياسات، خاصةً نتاج المجريات خلال العقدين الأخيرين والذي بات يثقلها كحركة قادت المشروع الوطني. إلى جانب ما أفرزته الحالة السياسية القائمة مذ سيطرت حركة حماس على قطاع غزة من إشكالات بل ووقائع باتت عقبات اعترضت مساراتٍ عدة.

الأهم بهذا السياق يتمحور حول رؤية “فتح” الخاصة بإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية انطلاقاً من طبيعة الصراع القائم، سيما وأن توجه الحركة بهذا الشأن سيحدد طبيعة مسار العملية السياسية والكيفية التي ستتناول بها القضايا العالقة منذ أن بدأت عملية التسوية بداية تسعينيات القرن الماضي وبمقدمتها قضية اللاجئين الفلسطينيين.

أما في إطارها الداخلي؛ تواجه “فتح” عديد القضايا حديثُها ذاك الطرح المتداوَل مؤخراً والذي يشير لإمكانية خوض الانتخابات بقائمة مشتركة تضم فيها حركة حماس، الأمر الذي وبحال تم إقراره سيكفل شرذمةً تصيبُ صفوفها، لا تعبيراً عن رفض أعضائها استراتيجية حركتهم الخاصة بالوحدة الوطنية، وإنما لعدم توفر الأسباب الجديرة بتوجهٍ كهذا فلا منطلقات تشترك بها الحركتان، ولا قسوة الواقع الذي تشكل فور نتائج الانتخابات عام 2006 سينكره أبناء “فتح” بخلاف رفض المحاصصة مبدأً وغيره الكثير من المسائل. إضافةً للأزمة التي تحيط بمكانة المرأة والشباب داخل الحركة وشكلية الأدوار المناطة بالفئتين الحال الذي سيلقي بظلاله إبان كل استحقاقٍ تخوضه الحركة، كذلك افتقادها للدينامية التي كان بمقدورها كحركة وطنية استثمارها لمعالجة قضايا ملحة تقف حجر عثرة أمام كل مشروعٍ تحرريّ بعيداً عن مبدأ الديمقراطية المركزية الذي لم يعد متوائماً وتوجهات الأجيال، فسلطة العشيرة مثلاً لا تزال ماثلة بل تتنامى متمترسة أمام كل خطوةٍ من شأنها إرساء مقومات مدنية المجتمع.
تقف حركة “فتح” اليوم أمام منعطف تاريخي هام يتجاوز الانتخابات حدثاً، ستعبره وبكل تأكيد طالما بقي الهدف فلسطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى