فرحات آيت علي يريد مداواة الصناعة بالتي كانت هي الداء!
بشير عمري

لم يجد وزير الصناعة فرحات آيت علي من مبرر لقراره بمنح رخص استيراد السيارات، من غير اتهام لوبيات في القطاع مرتبطة بفرنسا تحاول ثني وزراته على المضي في مسعاها لتطهير هذا النشاط، بعد أن عاث فيه المفسدون طيلة السنوات العشرين من حكم بوتفليقة وأهله وحاشيته، واصفا الحملة التي استهدفته شخصثيا وزارته بالشعواء وغير البريئة.

لكن السؤال الحري بالطرح هنا هو، هل  يليق فعلا مواجهة اللوبيات بما يحمله مصطلح اللوبي من دلالة تعني التخفي، بأسلوب التخفي نفسه وعدم اعتماد المستوردين الجدد بكل شفافية؟ ولماذا اختار وزير الصناعة اللا شفافية كنهج لما أدعى من تنقية وتصيفة لقطاع يرى فيه الكثيرون إلى جانب الزراعة مستقبل الجزائر، بحكم التكوين الاقتصادي الأول للبلد الذي حدث في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

واضح أن الشفافية التي تحاشاها فرحات آيت علي مخافة أن يُستهدف، كما قال من جهات عدة، لا يروق لها مشروع التطهير والتدبير الصناعي الجديد للجزائر الجديدة، إنما هو متأت من العداوة الأبدية بين السياسة والشفافية في الجزائر، وهذا عائد بالضرورة إلى التأسيس الأول لنمظومة الحكم وأسلوب الحكامة بعد سرقة أو مصادرة الاستقلال سنة 1962، بحيث انغلقت الجماعة التي أطاحت بشرعية الحكومة المؤقتة على نفسها، وصارت وفق  أبوية ليس فقط يرفضها منطق السياسة والدولة الحديثين، بل وأبوية متخفية، مع الادعاء بالطبيعة الديمقراطية الشعبية للدولة، تتصرف في مقدرات الأمة حتى بلغت بها حد الكارثة التي يعيشها البلد اليوم، في كل هوياته الاقتصادي، بحيث لا يصنف في أي نموذج في العالم، هوية سياسية لا يعرف مثيلا لطبيعة الحكم، الهوية الثقافية وتناقضات الانتماء بين الدون في المواثيق والمُفعل على الأرض  !

ولأن فرحات آيت علي بحكم خلفيته الأيديولوجية اليسارية الكلاسيكية، وتكوينه الأكاديمي والوظيفي، ليس ممن يهتم بالمسألة الديمقراطية باعتبارها أساس السيادة والسياسة لتجسيد حسن الحكامة، فقد ارتأى أن يمضي بذات أسلوب النظام في التعامل مع مسألة التسيير القطاعي، وقرر أن يخفي ما لا يتوجب اخفاؤه حتى ولو كان ذلك لمجابهة ما قال عنه أطماع اللوبيات الذين يفرتض فضحهم ومحاكمة أعوانهم وليس الهروب منهم وتلافيهم في الخفاء، كما حاول برر به هو بادرته.

والحديث عن صدام غير مباشر بين فرحات آيت علي والوزير الأول عبد العزيز جرار بخصوص شاكلة تسيير ملف رخص استيراد السيارات، هو تأكيد أولا على أن غياب الشفافية أو بالأحرى تغييبها لن يكون مطلقا حلا، لا سيما في لحظة ثورية انتفض فيها الشعب أصلا ضد لا شفافية  وعبث نظام بوتفليقة المافيوي، وهي الانتفاضة (الحراك الثوري) التي ظل فرحات آيت علي في البلاتوهات طيلة جُمعاتها متحفظا بخصوصها، غير متحمس لها، واتضح بعد التحاقه بحكومة (الجزائر الجديدة) أنه لا يؤمن بالتغيير الشعبي للدولة والتاريخ، وارتكن كما غيره من الأطر المتخصصة إلى نزعته (النخبية) .

ثانيا أكد هذا الصدام (جرار – آيت علي)، طبع إن صح، بأن السلطة التي قامت بعد الانتخابات الرئاسية التي تم فرضها بالقوة على الثورة في 12/12/2019، لم تكن على أدنى قدر من الانسجام والتناغم لكونها افتقدت لعنصر مهم وهو الانتماء الثوري للشارع السياسي الجزائري الجديد، فهي سلطة قافزة من القديم إلى الجديد ليس غير، كما أنها سلطة لا تملك لا مشروع وبرنامج تفصيلي خاص مستمد من ذلك المشروع، وعليه فكل عضو وضع على رأس وزارة قطاع ما، وجد نفسه بإزاء فراغ كبير، ليس فقط على مستوى الميزانية، بل وعلى مستوى التصور والمنطلق، فراح يخبط خبط عشواء في قطاعه، وما التصريحات غير المسئولة وغير المنضبطة التي توالت مذ اعلن عن تشكيل هاته الحكومة إلا دليل على الفوضى التي تأسست فيها سلطة (الجزائر الجديدة)!

من هنا نخلص إلى أن ظاهرة فرحات آيت علي الذي صدَّق، فيما يبدو، بأنه يمكنه فرض تصوراته وقرارته داخل منظومة حكم خفية لها ارتباطاتها التقليدية بالخارج وتحديدا بفرنسا، عبر ممارسة ذات أسلوبها في الحكم أي بتجنب الشفافية، إنما هي – ظاهرة فرحات – تعكس أزمة منظومة الحكم كلها، التي فقدت كل مبررات بقائها تلك المبررات التي كانت تجنبها خطورة “الشفافية” من إدعاء وجود “وهميين” للاستقلال الوطني، للوحدة الوطنية، للديمقراطية الشعبية و”طابعها الاجتماعي” وغيرها من المبررات، إذ بعد بروز الميارديرات من (الديمقراطية الاجتماعية)!  وافضح أحد عتاة الفساد أحمد أويحيى للرجالات دولة (الانقاذ الجمهوري) بعد وقف مسارات مرحلة الانفتاح والتعددية فينا عُرف بجريمة 12 يناير 1992، ومن خلال ما ساقه من تلقي العديد منهم لسبائك الذهب كعطايا وهديا، فلم يعد لائقا بعدها، مجرد الحديث عن المؤامرات الخارجية وارتباتطها بخونة الداخل، إذ لم يعد لك يعني في شيء الشعب الثائر، بل عنايته متركزة بشكل دائم في التأسيس لجمهورية أخرى حلم بها الشهداء والمجاهدون الاتقياء الأصفياء ممن لم يأكلوا الجيفة على أشلاء أسلافهم.

فالشفافية لم تعد في دنيا الشعوب والدول اليوم خيارا في ممارسة الحكامة، بل أمرا حتميا، يفرضها تطور التكنولوجيا والديمقراطية، وهذا ما ليس مستعدا له النظام ولا يمكنه ذلك بحكم طبيعته ولحظة تأسيسه، مثلما أشار إليه مؤخرا السوسيولجي الجزائري المقيم بأمريكا هواري عدي، حين شخص بؤرة الاشكال داخل منظومة الحكم والسبب الذي يحول دون قبولها للتغيير بالبلد أو التغير من الداخل، مدللا على ذلك برفض قيادة هاته المنظومة لاستقلالية قطاعين يتيحان للششفافية بالانبساط في المجتمع ومحاربة الفساد، وهما العدالة والصحافة، فالعدالة محكومة بالهاتف والصحافة بالاشهار، وهذا ما سيبقي المنظومة ومعها المجتمع كله في حالة الأزمة أزلية!

 

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى