فقه العلاقات بين الأديان.. قراءة من منظور قاعدة نفي السبيل

حيدر حب الله

يُقصد بقاعدة «نفي السبيل» في مفهومها الفقهي، عدم ثبوت أيّ ولاية أو هيمنة لغير المسلم على المسلم، مع عدم المانع من ثبوت علاقة بين المسلم وغيره، إنّما المهم هو شكل هذه العلاقة، وقد راج تطبيق الفقهاء لها في مواضع عديدة في الفقه، فهي قاعدة فقهيّة عامّة لم يقصرها الفقهاء على باب الجهاد، وإن كان هذا الباب من أبرز أبوابها وأهمّها، بل والمتيقّن منها.
وبمراجعة المصادر الفقهيّة، نجد أنّ الفقهاء طبّقوا هذه القاعدة، إما بعنوانها أو عبر ذكر أدلّتها المشهورة في منع الكافر من إرث المسلم، ومسألة بيع العبد المسلم للكافر، ورهن العبد المسلم للكافر، وإعارة العبد المسلم للكافر، وإيداع العبد المسلم عند الكافر، ووقف العبد المسلم للكافر، وعدم وصيّة العبد المسلم للكافر، وعدم حقّ القصاص للكافر على المسلم، واستئجار الكافر للمسلم بمعنى صيرورة المسلم أجيراً عند الكافر، وعدم زواج المسلمة من الكافر، وعدم جواز بيع ولا رهن المصحف للكافرين، وعدم ولاية الأب الكافر على زواج ابنته مطلقاً، وعدم جواز تولّي الكافر شؤون القضاء أو الصغير أو المجنون أو السفيه أو أوقاف المسلمين، وعدم جواز علوّ مسكن الذمّي على مسكن المسلم ولا منارة الكنيسة على منارة المسجد، إلى غيرها من الموارد الكثيرة، التي تمّ الحديث عنها من الناحية التكليفيّة والوضعيّة، بمعنى أنّ هذه القاعدة كما تنتج أحكاماً تكليفيّة تنتج كذلك أحكاماً وضعيّة من نوع بطلان بعض المعاملات وغير ذلك.
وفي الفترة الأخيرة، وظّف الإمام الخميني هذه القاعدة؛ ليحكم ـ في ضوئها ـ بحرمة العلاقات مع الغرب في بعض الموارد، وحكمه ضدّ قانون «كابيتولاسيون» والذي يعني الحماية القضائية للأميركيّين في إيران. وذكر في بعض بحوثه قائلاً: «بل يمكن أن يكون له وجه سياسيّ، هو عطف نظر المسلمين إلى لزوم الخروج عن سلطة الكفّار بأيّة وسيلة ممكنة؛ فإنّ تسلّطهم عليهم وعلى بلادهم ليس من الله تعالى؛ فإنّه لن يجعل للكافرين عليهم سبيلاً وسلطة، لئلا يقولوا : إنّ ذلك التسلّط كان بتقدير من الله وقضائه، ولابدّ من التسليم له والرضا به، فإنّه تسليم للذلّ والظلم، وأبى الله تعالى ذلك؛ فإنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين»
ويمكنني أن أعتبر هذه القاعدة من أقرب وألصق القواعد بقضايا العلاقات بين أبناء الديانات المختلفة، ومن أهمّ القواعد ذات الصلة بموضوع فقه الأقليّات الدينيّة والتعامل معهم عموماً، ومن ثمّ فهي تنفع في المجالين: الداخلي والخارجي.
ويطلق على هذه القاعدة اسم قاعدة نفي السبيل؛ استناداً إلى نصّ الآية القرآنية القادمة التي اعتُبرت أحد أهمّ المستندات لها، فيما يُطلق عليها أحياناً اُخر عنوان قاعدة العلوّ (أو قاعدة العلوّ والارتقاء كما سماها بعض المعاصرين)، استناداً إلى الحديث الشريف الآتي حول أنّ الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. لكن سوف يأتي أنّ مفردة «قاعدة العلوّ» ربما ينفتح فيها المجال لأن تعطي مضموناً أزيد من قاعدة نفي السبيل، فهي لا تقتصر على نفي سلطنة الآخرين على المسلمين، بل تذهب لنوع من التسامي والتعالي الإسلامي على الآخرين.
انطلاقاً من هذا كله، تغدو هذه القاعدة أقرب وألصق القواعد بموضوع العلاقة مع الآخر الديني، في فضاء قضيّة الأقليّات، ولهذا سوف نقوم بتشريح أدلّتها ومستنداتها الدينيّة والعقلانيّة، وفي ضوء ذلك نفهم أصل وجودها من جهة أولى، كما نفهم حدودها ومعناها من جهة ثانية.
منطلقات قاعدة نفي السبيل ومبرّراتها الدينيّة والعقلانيّة
الذي يبدو من التراث الديني والفقهي أنّ المنطلقات التي تبرّر هذه القاعدة متنوّعة بين الدينيّة والمافوق دينية، وهي:
أوّلاً: المنطلق القرآني للقاعدة
لقد تمّ الاستناد إلى عدّة نصوص من القرآن الكريم لتشييد هذه القاعدة، وأهمّ ما طُرح في هذا السياق هو الآتي:
1 ـ آية البطانة والتباين مع فكرة السلطنة
الآية الأولى: آية البطانة، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (آل عمران: 118).
وتقريب الاستدلال بالآية أنّها تنهى عن اتخاذ البطانة من الكافرين وتقريبهم، مما يجعل لهم ولايةً وسلطنة على المسلمين، وهذا يدلّ على رفع أشكال نفوذ غير المسلم في أوساط المسلمين.
إلاّ أنّ الاستدلال بهذه الآية غير واضح بالمعنى الإطلاقي، فالآية تنهى عن اتخاذهم بطانة تنكشف لها بطون الأشياء ويتعرّفون على الأسرار الموجودة عند المسلمين فيكاشفهم المسلمون ويتساهلون في كشف خصوصيّاتهم لهم، وقد دلّت الآية على تحريم ذلك على أساس أنّ هذا الكافر لا يألو جهداً في إفساد أوضاع المسلمين، وتكملة الآية واضحة في هذا المجال.
وعليه، تكون الآية خاصّة بموارد المكاشفة مع الكافرين الذين يُلحقون الضرر بالمسلمين، فتؤيّد كون القاعدة جاريةً في باب الجهاد، فإنّ مرجع الحكم المذكور فيها كما هو واضح إلى حماية مجتمع المسلمين من الفساد الوارد من طرف الكافرين، إلا أنّها لا تصلح قاعدةً فقهية عامة، بل تخصّ حالة ترقّب الضرر من الكافر الذي اتُخذ بطانةً لا غير، فأيّ علاقة لها ببيع العبد وإجارته ورهنه وعاريته أو تولّي الكافر ولاية الوقف أو ولايته على ابنته أو إرثه أو بيع المصحف له، أو بتولّيه مسؤوليّات رسميّة ومناصب عامّة مع أمن الضرر منه، وما شابه ذلك؟!
فالآية تفيد مورداً خاصّاً من موارد باب الجهاد، وهو الحماية من حصول اختراق أمني أو عسكري أو نحوه يوجب إلحاق الضرر بالمسلمين في مواجهتهم لأعدائهم، وتؤكّد مفهوم القاعدة فيه.
2 ـ آيات نفي الولاية مع غير المؤمن
الآية الثانية: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (النساء: 144).
إنّ هذه الآية الكريمة تنهى عن جعل الكافرين أولياء، بمعنى المتولّين أو من يقابَلون بالحبّ والمودّة، وهذا معناه الحيلولة دون نفوذهم وهيمنتهم على أمور المسلمين، ومثل هذه الآية عدد آخر من الآيات تصبّ في الإطار نفسه.
إلاّ أنّ الاستدلال بهذه الآية وأمثالها غير واضح هنا؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ ظاهرها الاختصاص بموالاة الكافر المحارب للمسلمين، كما هو ظاهر سائر الآيات المشابهة لها، فإنّ هذه الآية يُقصد بها أولئك الذين كان المسلمون على خصام معهم، ويلاحظ هذا الأمر من سورة الممتحنة، حيث جاء فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (الممتحنة: 1).
ويقوّي ما نقول ملاحظة سياق هذه الآية الكريمة، فيما قبلها وما بعدها حيث الحديث عن المنافقين الذين قد يميلون هنا وهناك مع الكافرين ويتركون المؤمنين، قال سبحانه: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 138 ـ 145). فالسياق واضح في حالة أخصّ بكثير من فكرة نفي السبيل العامّة.
ويؤيّد ذلك ما دلّ من الآيات على عدم الحرج من أن يبرّ الإنسان الكافر الذي لا يحارب المسلمين، فهذا يدلّ على أنّ العلاقة الطيّبة مع غير المحارب لا ضير فيها، فتكون الآية هنا خاصّةً بالمحاربين لا بعنوان الكافر مطلقاً، فلا تؤسّس لقاعدة عامة في العلاقة مع كلّ كافر، فلا يكون لها معنى لتشمل إجارة العبد له وأمثال ذلك، لاسيما وأنّ سياقها هو سياق المنافقين المتربّصين، وكذا سياق الحرب والمواجهة.
ثانياً: إن ما تعطيه هذه الآيات لا يساوي مفاد قاعدة نفي السبيل؛ فإنّ الآية تنهى عن مودّتهم ومحبّتهم من دون المؤمنين؛ أي أنّها تنهى عن استبدال المؤمنين بهم، بحيث يتولّى الإنسان الكافر دون المسلم، أو يجعلهم في المودّة في عرض بعضهم، وأين هذا من قاعدة نفي السبيل بالمعنى الفقهي، كبيع المصحف للكافر أو عدم إرثه من مال المسلم المتوفّى، أو كونه يتولّى منصباً عاماً من بين مئات المناصب التي يتولاها المسلمون مثلاً؟! فإنّ سياق الآيات بعيدٌ عن مثل هذه الأحكام ومنصرفٌ عنه.
ثالثاً: إنّ هذه الآيات ـ كالآية القرآنية السابقة ـ تدلّ على أحكام تكليفيّة لا وضعيّة، فلا يستفاد من حرمة بيعهم بطلان البيع، أو من حرمة مناكحتهم بطلان النكاح، لاسيما على النظريّة الأصوليّة القائلة بأنّ النهي عن المعاملات لا يقتضي فسادها.
وعليه، فهذه الآيات تدلّ على عدم جواز موادّة الأعداء الذين يحاربون المسلمين، وربما بالدلالة الالتزامية تدلّ على لزوم مواجهتهم، فلا تكون مؤسّسةً لقاعدة نفي السبيل بمعناها العام، بل هي قاعدة في باب العلاقة مع المحاربين، وخاصّة بباب الجهاد ونحوه.
3 ـ آية نفي السبيل وتأسيس قاعدة العلوّ، دراسة وتأمّل
الآية الثالثة: قوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (النساء: 141).
هذه الآية هي أهمّ الآيات التي طُرحت للاستدلال بها على قاعدة نفي السبيل، بل إنّ اسم القاعدة جاء منها حسب الظاهر، كما قلنا سابقاً.
ولكي نفهم آليّة الاستدلال بهذه الآية هنا، نلاحظ أنّها إن لم تكن في مقام الجعل القانوني والإنشاء التشريعي الذي يجعلها بصدد تبيين مواقف شرعيّة وحقوقيّة، فتحرّم كلّ ما يُفضي إلى جعل سبيلٍ للكافرين على المسلمين مطلقاً، وتنفي وجود أحكام وقوانين في الشريعة تجعل للكافر سلطةً على المسلم، سواء في الحرب أم الاقتصاد أم الثقافة أم العلاقات الاجتماعيّة، وغير ذلك، فلا أقلّ من القول بأنّها تؤكّد ـ عبر الإطلاق ـ عدم جعل سبيل تكويني أو تشريعي من الله للكافرين على المسلمين، فيتمسّك بإطلاقها لرفع أيّ ولاية أو هيمنة للكافر على المسلم، فتشمل باب الجهاد، وهو أوضح الأبواب، كما تشمل سائر ما طرحه الفقهاء من تطبيقات للقاعدة، كموارد العبد المسلم، وتولّيهم مسؤوليات عامّة، وغير ذلك.
وإذا صحّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على مفهومٍ ذي سعة من هذا النوع، فهذا يعني ـ كما سوف يأتي بحثه ـ أنّها مقدّمة على جميع الأحكام والأدلّة الأوليّة؛ إذ لا فرق بينها وبين نصوص نفي الضرر ونفي الحرج في الشريعة، فكما أنّ تلك لها حكومة وتقدّم فهذه أيضاً، إذ لسانها واضح في نفي وجود تشريعات إلهيّة تجعل للكافر على المسلم سلطنةً وسبيلاً، فكما أنّ نصوص نفي الضرر تنفي الحكم الضرري في الإسلام، فهذه الآية تنفي الحكم الذي يمنح غير المسلم سلطة على المسلم، فتكون حاكمةً على إطلاقات وعمومات جميع المعاملات المالية ـ مثلاً ـ فتقيّد أدلّتها بأن لا يكون فيها سلطنة للكافر على المسلم.
وبهذا يُستنتج من إطلاقيّة الفهم والتفسير هنا أنّ هذه الآية الكريمة سوف ينتج عنها حكم تكليفي وهو حرمة التسليط، وحكم وضعي وهو بطلان مفاد هذا التسليط للكافر على المسلم، فبيع العبد المسلم للكافر حرام شرعاً وهو في الوقت عينه باطلٌ كذلك، وجعل شخص غير مسلم رئيساً لدائرة عامّة في بلاد المسلمين حرام شرعاً وفي الوقت عينه تكون عمليّة الجعل هذه باطلة ولو كانت ضمن وكالة عامّة من المسلمين أو نصب من وليّ الأمر.
الفرضيّات التفسيريّة المتصوّرة في آية نفي السبيل
هذا الاستدلال المشهور بالآية الكريمة يواجه مشاكل جدّية؛ وذلك أنّها تبدو مفتوحةً على احتمالات عدّة، أهمّها:
أ ـ الشمول والاستيعاب التكويني والتشريعي معاً (فرضيّة الإطلاق)
وهو أن يدّعى بأنّ الآية ظاهرة في الإطلاق الشامل للتشريع والتكوين إلا ما خرج بالدليل، كما شرحناه آنفاً، وهذه الفرضية هي التي انتصر لها أمثال المحقق المراغي والشيخ يوسف الصانعي.
وسوف تأتي بعض الملاحظات على هذه الفرضيّة في ثنايا الحديث عن فرضيات اُخر، وسنتركها لحين الانتهاء من محاكمة احتماليّات سائر الفرضيّات.
ب ـ نفي السبيل في الآخرة بمعنى الحجّة أو مطلقاً
وهو أن يراد نفي الحجّة والدليل للكافر على المسلم يوم القيامة، أو نفي مطلق السبيل له يوم القيامة على المؤمن، وإدخال يوم القيامة في الحسبان إنّما هو بسبب الجملة التي سبقت جملة الشاهد في الآية، فإنّ الآية تشير إلى أنّ الله تعالى يحكم يوم القيامة ويقضي بين المؤمنين والكافرين، وأنّه لن يجعل للفريق الثاني سبيلاً على الفريق الأوّل، مما يعني أنّه لن يكون للكافرين حجّة تُلزم المؤمنين، وستكون المحكمة الإلهية لصالح المؤمنين هناك.
ويظهر من غير واحد من التفاسير ترجيح فهم علاقة الآية بالآخرة، فراجع.
وقد عزّزت الأخذَ بهذا التفسير بعضُ الروايات التي نقلها أهلُ السنّة عن ابن عباس وعلي تؤيّد ذلك، وهي:
1 ـ ما نُقل عن عليّ×، فيما أورده الطبري انتصاراً لتفسير الآية بيوم القيامة، مرويّاً عن أمير المؤمنين بطرق عدّة، وفي إحدى صيغ الخبر جاء: عن يسيع الحضرمي، قال: كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ قال له عليّ: «ادنه»، ثم قال: «(فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) يوم القيامة»، ونحو غيره، مثل خبر سليمان يحدّث عن ذرّ، عن رجل، عن علي رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)، قال: «في الآخرة».
2 ـ ما نقله ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) قال: «ذاك يوم القيامة»
وقد اعتبر الشيخ الأنصاري هذا الاحتمال وارداً يلزمنا اللجوء إليه لمبرّرات، سوف نشير إليها، وهو بهذا يناقض ما أفاده هو نفسه من الاستناد إلى هذه الآية الكريمة لسلب ولاية الأبوّة عند الارتداد وولاية الزوج عند إسلام الزوجة، وغير ذلك، في مباحثه في فقه النكاح. والأمر عينه تورّط فيه السيد الخوئي، ففيما مدح ما أفاده الشيخ الأنصاري، استند في «مباني تكملة المنهاج» بنفسه للآية في إثبات عدم ولاية الأب والجدّ بالارتداد.
أمّا السيد محسن الحكيم فرجّح هذا الاحتمال بقوله: «بقرينة سياق ما قبلها، وهو قوله تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة)، ووجود حرف الاستقبال فيها، يكون الظاهر منها الجعل التكويني فيما يتعلّق بأمور الآخرة، لا الجعل التشريعي، لتكون مما نحن فيه». وقد تبعهم العديد من العلماء.
هذا الاحتمال تعرّض ـ وقد يتعرّض ـ لملاحظات، أبرزها:
الملاحظة الأولى: إنّ هذا الاحتمال يجعل الآية تحتوي تكراراً واضحاً؛ ذلك أنّ معنى الحكم الإلهي بينهم يوم القيامة هو عدم جعل سبيل للكافرين على المسلمين، فإعادة هذه الجملة تكرار.
ولكنّ هذا الكلام غريب فيما نفهم، فأن يحكم الله تعالى بين الطرفين لا يدلّ على أنّ النتيجة لصالح المؤمنين، وإن كنّا نعرف ذلك من الخارج، ومعه فالآية تشير إلى أنّ الله سيحكم يوم القيامة بين الطرفين، وتُلفتنا إلى طبيعة حكمه، وأنه ستكون الحجّة لصالح المؤمنين، وأيّ تكرار في ذلك؟! بل أيّ غرابة في تقرير المولى لهذه القضيّة التي نعلم بوضوحها، وأنّ الله سوف يكون مع المؤمنين، فمثل هذا التقرير للواضحات كثيرٌ في النصّ القرآني، بل بهذا التقرير غدت هذه الأمور واضحة. وعدمُ جعلها للكافر على المؤمن سبيلاً ليس سوى تقريره التكويني لوضوح الحقيقة في ذلك اليوم، وهذا كافٍ.
الملاحظة الثانية: ما ذكره الشيخ اللنكراني، من أنّ مجرّد سبق الحديث في الآية عن يوم القيامة، لا يفرض تخصيص الآية بهذا اليوم، فالمورد لا يخصّص الوارد، بل غاية ما يفيده هذا الحديث السابق عن القيامة هو استدعاؤه جعل الجملة الأخيرة منها عامّةً تشمل الآخرة، وبذلك يصبح المعنى: إنّ اللَّه لن يجعل الغلبة للكافر على المؤمن، لا في مقام التشريع وجعل الأحكام، ولا في يوم القيامة، وهذا المعنى ممّا يساعده ويؤيّده تناسب الحكم والموضوع؛ فإنّ عدم جعل السبيل بهذا النحو الكلّي يناسب عدم ثبوت الغلبة في يوم القيامة.
إلا أنّ هذه الملاحظة غير مفهومة لي؛ إذ المدّعي يعتبر أنّ السياق هو سياقٌ اُخروي، الأمر الذي يوجب احتمال قرينيّة السياق لتخصيص الآية بحال الآخرة وجعل نظرها إلى تلك الحال، فما معنى أنّ المورد لا يخصّص الوارد، فهناك فرق بين هذه القاعدة وقاعدة حجيّة السياق؛ لأنّنا لا نتكلّم هنا في أسباب النزول، بل نتكلّم في أنّ السياق السابق يهيؤنا للحديث عن الآخرة، وهذه اللغة التعميميّة التي تعطيها الجملة الأخيرة من الآية كما تصلح للتعميم بملاحظة الآخرة، تصلح كذلك بملاحظة الدنيا، والسياق يفرض تخصيصها بملاحظة الآخرة بوصفه القدر المتيقّن في هذه الحال، وغيره لا يُعلم بإرادته؛ لأنّ خاصية الكليّة في الجملة الأخيرة لا تفرض بنفسها تعيّن السعة لحال الآخرة والدنيا معاً، بل تتطلّب نفي السلطنة مطلقاً، فإذا فرض السياق في الحديث عن الآخرة دلّت على نفي السلطنة مطلقاً في الآخرة، فلم ينخرم مدلولها في هذه الحال.
بل لا أدري ما علاقة تناسب الحكم والموضوع بهذه الجهة في تفسير الآية الكريمة؛ فهل أنّ سلب الحجّة للكافر على المسلم يوم القيامة يتطلّب سلب السلطنة التشريعيّة له عليه في الدنيا؟! وسيأتي مزيد تعميق لهذه القضيّة.
والمشكلة الرئيسة في مداخلة الشيخ اللنكراني وغيره هنا أنّهم تصوّروا الجملة الأخيرة بمثابة قانون كلّي منفصل اُتي به ضمن سياق أخصّ منه، وكأنّهم قرؤوا هذه الجملة لوحدها، ثمّ وضعوها لاحقاً في سياق الآية، مع أنّ ملاحظة السيد الحكيم في خصوص «لن» تبدو منطقيّة، فلو كانت الجملة بصدد الحديث عن إنشاء تشريعي، لكان من المناسب التعبير بقوله: ولا يجعل الله للكافرين أو ولم يجعل الله للكافرين، لا الحديث عن الاستقبال الذي يرجّح الربط بالآخرة، كما أنّ الكليّة هذه منسجمة جداً مع السياق الاُخروي، فالآية تقول بأنّ الله سيحكم بينكم، وهناك لن يكون للكافر حجّة على المسلم، فأيّ غرابة هنا في هذا التفسير ولو بوصفه احتمالاً معقولاً؟!
الملاحظة الثالثة: إنّ الاستشهاد بالرواية المنقولة عن عليّ وابن عباس هنا غير صحيح؛ وذلك إمّا لضعفهما سندهما، أو لأنّ الغرض المهمّ فيهما نفي جعل السبيل التكويني والغلبة الخارجيّة، الأمر الذي يكذّبه الوجدان؛ لثبوتها في الخارج وجداناً، ولا دلالة لها على نفي الجعل التشريعي إطلاقاً.
وقد فصّل المحقّق المراغي (1250هـ) في هذه الملاحظة أكثر، حين ذهب إلى أنّ السبيل المنفي عامّ شامل للحجّة وغيرها، والرواية لا تفيد الحصر، بل تكشف عن الشمول للآخرة، فضلاً عن أنّ تخصيص خبر الواحد للكتاب العزيز فيه ألف كلام، بل هذا التخصيص هنا مستهجن؛ لأنّه يوجب خروج الأكثر. واعتبار هذا الخبر قرينة على المجاز في الآية بجعل «السبيل» خاصّاً بالحجّة لا غير، مخالفٌ للظاهر، وبهذا يترجّح حمل الخبر على أنّه يريد بيان بعض الأفراد، كما هو الغالب في أخبار التفاسير.
يضاف إلى ذلك ـ والكلام ما يزال في مضمونه للمراغي ـ أنّ الكافر لو كان مالكاً للمسلم لكان هذا من أعظم الحجج للكافر على المسلم، فحجّة الملك والولاية من أعظمها، فيكون الخبر الدالّ على نفي الحجّة دالاً على سلب السلطنة، وهو ما نريده بالاستدلال هنا لصالح القاعدة.
أمّا الميرزا النائيني ومن تبعه، فاعتبروا انّ الآية ظاهرة فيما فهموه منها، وأنّ الرواية ليست سوى بصدد الحديث عن بطون القرآن الكريم والتي لا تتنافى مع الأخذ بظاهره.
لكنّ هذه الملاحظة يمكن التعليق عليها:
أوّلاً: إنّه بصرف النظر عن موضوع الحجيّة الصدوريّة للرواية الواردة عن عليّ وابن عباس، فهما غير ثابتتين.. يبدو لي أنّ المناقشين هنا تصوّروا أنّ الإمام يريد فقط صرف نظر السائل عن الارتباط التكويني الدنيوي لصالح الغلبة والحجّة الأخرويّة، فهدفه كان رفع الإشكاليّة الموجّهة على الآية من حيث تحقّق السبيل للكافر على المؤمن في الدنيا، فكأنّ الرواية ناظرة لسلب السبيل التكويني الدنيوي، لا أنّها ناظرة لحصر مراد الآية بالسبيل الحججي الاُخروي.. وهذا الكلام مخالف لظاهر الرواية عن علي وابن عباس هنا؛ لأنّ الإمام لمّا ألفت نظر السائل إلى السياق أراد أن يُفهمه أنّ الآية ليست ناظرة للمشهد الدنيوي، بل هي متحدّثة عن الآخرة، وبهذا يكون قد صرفها تماماً عن الدنيا، لا أنّه صرفها عن خصوص الجانب التكويني من الدنيا، وهذا هو الفهم العرفي للحديث، فراجع وتأمّل.
وبهذا نفهم أنّ الرواية لا تريد سلب الجعل التشريعي، بل هي أصلاً غير ناظرة إليه بعينه، وإنّما تريد التركيز على أنّ سياق الآية سياقٌ اُخرويّ، وهذا هو الذي يوجب انهدام سعتها في الدلالة على أمرٍ دنيوي مطلقاً، وبهذا يبدو لي غريباً ما ذكره المراغي من أنّ الآية لا تفيد الحصر، بل تكشف عن الشمول للآخرة! فإنّ تركيز الرواية على الآخرة بملاحظة السياق ظاهر في إرادة صرف نظر السائل عن الدنيا، حتى يصحّ جواب الإمام، فكيف لا تريد الحصر؟!
ثانياً: إنّه بصرف النظر عن تخصيص الخبر الآحادي للكتاب، ثمّة خصوصيّة في هذا الخبر، وهو تركيزه على قرينة السياق نفسها؛ فيكون كاشفاً عن أنّ ذكر الآخرة لم يكن لمجرّد المورد، بل كان لإنتاج دلالة مقيَّدة من الأوّل، فالخبر هنا لا يريد أن يخصّص العامّ، بل يريد التشكيك في انعقاد هذا العام من خلال قرينة واضحة يُبديها في النصّ القرآني نفسه، وأين هذا من تخصيص الكتاب بالخبر الآحادي؟! بل المستشهِد بالخبر هنا لا يريد التخصيص حتى نجيبه بذلك، بل يريد الكشف عن عدم وجود عموم أصلاً في الآية ببركة الخبر الدالّ على ذلك، فتأمّل جيّداً.
وبهذا يظهر أنّ الحديث عن تخصيص الأكثر لا معنى له هنا، ولا معنى للمجازيّة أيضاً؛ بل إنّ نفي السبيل خاصّ بالآخرة، وبإمكان المحقّق المراغي هنا أن يفهم السبيل بأيّ معنى واسع يريد بلا مجازيّة، وبلا تخصيص أصلاً، فالرواية لا تريد سوى التركيز على الخصوصيّة الأخرويّة للقانون الذي تعطيه الآية، والباقي غير مهمّ إطلاقاً، نعم تخصيص السبيل الأخروي بالحجّة ـ كما يراه هذا الاحتمال ـ لا داعي له، بل لنا أن نقول بنفي مطلق السبيل للكافر على المؤمن في الآخرة. ولعلّهم ذكروا الحجّة باعتبار أنّها هي السبيل المتصوّر اُخرويّاً.
ثالثاً: إنّ ما أثاره المراغي في آخر كلامه بعيد جداً؛ فأيّ ربطٍ بين السلطنة القانونيّة الدنيويّة وبين السلطنة الاُخرويّة؟! وكيف كان نفي الحجّة اُخرويّاً موجباً لنفي السلطنة القانونية دنيويّاً؟! هذا ما لم أفهمه بذهني القاصر. ولعلّه يريد أنّ السلطنة الدنيوية تجعل له حقّاً في الآخرة فيكون له حجّة، لكنّ هذا لا خصوصيّة فيه للسلطنة، بل حتى لو كان الأجير أو العبد كافراً تثبت حقوقٌ أيضاً، بل مطلق المعاملات والعلاقات تثبت ذلك، وإذا قيل بأنّ الكافر لا حقّ له أصلاً، فهذا متساوي النسبة لكلّ الحالات فما معنى التمييز هنا؟!
وبهذا يظهر ما في كلام المحقّق النجفي ـ معلّقاً على هذا الاحتمال التفسيري ـ حيث قال: «قد يقال بإمكان الاستدلال بها على التقدير الثاني أيضاً، اللهم إلا أن يراد نفي الحجّة من حيث الإسلام والكفر، وعلى كلّ حال فهذه الاحتمالات لا تمنع الاستدلال بالظاهر». فكيف لا تكون هذه الاحتمالات مانعة عن الاستدلال بظاهر الآية في الفقه؟!
رابعاً: إنّ فهم الرواية على أنّها بصدد الحديث عن بطونٍ قرآنيّة لا يبدو لي واضحاً؛ فإنّ الرواية تستشهد بالسياق، وهذا معناه أنّها تريد لفت نظرنا إلى أمرٍ يمثل جزءاً من تركيبة الدلالة الظاهريّة للآية، فكيف يُعقل أن نفهمها على أنّها بصدد الحديث عن أمرٍ بطوني؟!
أمّا لو قصد من البطون فكرة تعدّد المصاديق، كما أثار ذلك بعض العلماء في محلّه( )، كان معنى ذلك عين ما ذكر في الفرضيّة الأولى، فتواجهه إشكاليّة السياق الأخروي المتقدّمة الإشارة إليها.
الملاحظة الرابعة: ما يظهر من ابن العربي (543هـ)، حيث قال: «وأمّا نفي وجود الحجّة يوم القيامة، فضعيفٌ؛ لعدم فائدة الخبر فيه، وإن أوهم صدرُ الكلام معناه؛ لقوله: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة)، فأخّر الحكم إلى يوم القيامة وجعل الأمر في الدنيا دولة تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى، بما رأى من الحكمة، وسبق من الكلمة، ثم قال: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)، فتوهّم من توهّم أنّ آخر الكلام يرجع إلى أوّله، وذلك يُسقط فائدته..».
وهذه الملاحظة إن قصد منها الملاحظة الأولى التي سبق ذكرها فقد تقدّم التعليق عليها، وأمّا إن قصد أنّ حكم الله يوم القيامة سيكون بتقديم المؤمنين على الكافرين، وهو أمر واضح لا حاجة لبيانه، فقد قلنا بأنّ هذا الأمر الواضح كثيراً ما ذُكر مثلُه في القرآن، بل صار واضحاً بذلك، وأيّ مانع من التأكيد على المؤمنين بأنّهم سوف يكون لهم الغلبة يوم القيامة، كما وقع كثير منه في النصّ القرآني والحديثي؟!
ج ـ نفي الحجّة في الدنيا
هذه الفرضيّة تطابق الفرضيّة الثانية السابقة، لكن مع تبديل الآخرة بالدنيا، كما ألمح إليه السيّد الخميني في كتاب البيع دون أن يتبنّاه، ويظهر من الفيض الكاشاني اختيار هذا الرأي، ومال إليه ـ بوصفه احتمالاً معقولاً ـ السيدُ فضل الله، فيكون المعنى أنّ المؤمنين يملكون الحجّة البالغة على الكافرين في الدنيا، فلا يغلبهم الكافرون في منطقهم وحجّتهم على دينهم، ويكون الحقّ والنصر لهم في هذا المجال.
وهذا الاحتمال يجعل مفاد الآية خبرياً لا إنشائياً، كما هو واضح تماماً في الاحتمال الثاني على خلاف الحال في الاحتمال الخامس؛ فإنه يفيد الإنشائيّة.
ويتعزّز هذا الاحتمال التفسيري ـ كما يظهر من الكاشاني نفسه ـ بالرواية التي نقلها الصدوق بالسند إلى أبي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا×: يا ابن رسول الله، إنّ في سواد الكوفة قوماً يزعمون أنّ النبيّ‘ لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: «كذبوا، لعنهم الله، إنّ الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو». قال: قلت: يا ابن رسول الله، وفيهم قوماً يزعمون أنّ الحسين بن علي× لم يُقتل، وأنّه اُلقي شبهه على حنظلة بن أسعد الشامي، وأنّه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم×، ويحتجّون بهذه الآية: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)، فقال: «كذبوا عليهم غضب الله ولعنته، وكفروا بتكذيبهم لنبيّ الله‘ في إخباره بأنّ الحسين بن علي× سيقتل، والله لقد قتل الحسين× وقتل من كان خيراً من الحسين: أمير المؤمنين والحسن بن علي عليهم السلام، وما منّا إلا مقتول، وإنّي والله لمقتول بالسمّ باغتيال من يغتالني، أعرف ذلك بعهدٍ معهود إليّ من رسول الله‘ أخبره به جبرئيل عن ربّ العالمين عزّ وجل، وأما قول الله عزّ وجل: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)، فإنّه يقول: لن يجعل الله لكافرٍ على مؤمنٍ حجّة، ولقد أخبر الله عزّ وجل عن كفّار قتلوا النبيّين بغير الحقّ، ومع قتلهم إيّاهم أن (لن) يجعل لهم على أنبيائه عليهم السلام سبيلاً من طريق الحجّة».
ولكنّ الإنصاف أنّ هذا الاحتمال لا شاهد له ولا قرينة، وإن كان بحدّ نفسه ممكناً على أساس أنّ الله كأنّه في هذه الآيات يردّ على المنافقين، فكأنّه بنفسه يقطع الحجّة عليهم، فيجعلها لصالح المؤمنين، إلا أنّ هذا مجرّد افتراض، لا يستظهره القارئ للآية الكريمة، خاصّة مع دخول يوم القيامة على الخطّ فيها.
وأمّا الرواية، فهي ضعيفة السند جداً، فبعد أن لم يروها عدا الصدوق في كتابٍ واحد، فإنّه وقع فيها تميم بن عبد الله بن تميم القرشي، وهو غير موثق على الصحيح، بل ضعّفه ابن الغضائري والعلامة الحلي، وأمّا ترضّي الصدوق عليه أو روايته بعض الروايات الحسنة أو رواية الصدوق عنه.. فكلّه لا يكفي للتوثيق كما حقّقناه في مباحث قواعد علم الرجال والجرح والتعديل، فالرجل مجهول الحال لا يُعتمد على أخباره.
بل لو صرفنا النظر عنه، فإنّ والده الواقع في السند، وهو عبد الله بن تميم، في غاية الإهمال، وكذلك الحال في أحمد بن علي الأنصاري الذي يروي عنه والد تميم القرشي، فهو أيضاً مهمل، وقد أقرّ بعدم ذكرهما حتى الشيخ النمازي الشاهرودي.
د ـ نفي الغلبة الدنيويّة
إنّ المراد بالسبيل في هذه الفرضيّة هي الغلبة الخارجيّة الدنيوية للكافر على المسلم، بمعنى أنّ الله تعالى لن يجعل الغلبة والهيمنة للكافرين على المسلمين في الدنيا، فكأنّه وعدٌ أو إخبارٌ منه بذلك إلى يوم القيامة، وقد عُزّز هذا الاحتمال ببعض المرويّات أيضاً.
وهذا الاحتمال الذي أثاره بعضهم واجه مشكلة الواقع الخارجي، فقد سقطت الدولة العباسيّة بيد التتار عام 656هـ وخضع المسلمون لسلطة الكافرين، وكذلك الحال في الأندلس، وفي العصر الأخير شواهد أيضاً، حيث تقاسم الكافرون بلاد المسلمين، فإذا كانت الآية إخباراً إلهياً عن مستقبل هذه الأمّة، فكيف يمكن التوفيق بينها وبين الواقع الخارجي؟! هذا فضلاً عن معارضة هذا التفسير لرواية أبي الصلت الهروي المتقدّمة. من هنا اعتبر الشاطبي (790هـ) أنّ هذا النصّ ما دام لا يستقيم مطّرداً لو فهمنا منه الإخبار، فيلزم في هذه الحال العدول عن الإخبار فيه إلى بيان الحكم والإنشاء.
من هنا، طرح ابن العربي ثلاثة احتمالات في تفسير الآية، أحدها الإنشاء التشريعي (قاعدة نفي السبيل)، والبقيّة قال: «الأوّل لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين ويذهب آثارهم ويستبيح بيضتهم كما جاء في الحديث ودعوت ربّي ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها. الثاني أنّ الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً منه إلا أن تتواصوا بالباطل ولا تتناهوا عن المنكر وتتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلكم، وهذا نفيسٌ جدّاً»
كما وقد دفع هذا الإشكال مثل الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي إلى تخصيص الآية بالآخرة دون الدنيا، انطلاقاً من أنّ لسان الآية آبٍ عن التخصيص، ولا يكاد يحصل ذلك إلا بجعلها تدور مدار الآخرة لا الدنيا. بمعنى أنّ الآية حيث كانت لا تقبل التخصيص، فالأخذ بإطلاقها ليشمل الدنيا تشريعاً، ثمّ تخصيصها بغير الغلبة التكوينيّة في الدنيا، يوجب معارضة هذا التمنّع في الآية عن التخصيص، ممّا يضطرّنا لصرفها من الأوّل عن الدنيا، والذهاب بها نحو الآخرة، كما هو مضمون الفرضيّة التفسيريّة الثانية المتقدّمة.
وللخروج من هذه الإشكاليّة هنا، سواء للقائل بالفرضيّة الرابعة أو الأولى، طرحت أكثر من محاولة:
المحاولة الأولى: ما ذهب إليه بعضُ من مال إلى مثل هذا الاحتمال إلى تقييد الإخبار الإلهي هذا بأن لا يُهلك المسلمون بعضهم بعضاً، والأمثلة هذه ترجع إلى تشرذم المسلمين، واستند هذا القائل إلى بعض الروايات في المصادر السنّية التي ذكرت هذا القيد، ليحلّ مشكلة التعارض هذه، أو نقول بأنّ هذه الآية مشروطة بعمل المؤمنين بلوازم إيمانهم لو دلّت على حال الدنيا.
إلاّ أنّ هذا القيد لا مستند معتبراً له، كما لا إشارة في الآية إليه إطلاقاً، وإذا كان المراد تخصيص الآية بهذه الروايات فقد تقدّم أنّ لسانها آبٍ عرفاً عن التخصيص، فهذا التفسير للآية يصطدم بالواقع الخارجي، فلا يمكن الأخذ به، أمّا لو تجاهلنا الإباء عن التخصيص فهذا موضوع آخر.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقّق البجنوردي، من نفي إباء العموم عن التخصيص هنا، حيث ذهب إلى خروج الغلبة التكوينيّة الدنيويّة عن سعة الآية الكريمة؛ إذ هو أمر واضح محسوس، ومن ثمّ فالعموم في الآية ليس عقليّاً، كي لا يكون قابلاً للتخصيص.
وهذه المحاولة لا تدافع عن الفرضيّة الرابعة هنا، بل تنفيها، وإنّما تدافع عن الفرضيّة الأولى المدّعية لإطلاق دلالة الآىة الكريمة.
المحاولة الثالثة: ما ذكره السيّد الخميني في معرض تحليله ذيل الآية فقط، حيث ذكر أنّ المراد أن يمنح الله الكافرين سبيلاً على المؤمنين زائداً على العوامل التكوينية العادية، فكأنّ الله يَعِدُ بأنّه لن يدعم الكافرين في مواجهة المؤمنين، بل سيدعم المؤمنين بالملائكة والنصر و.. مستفيداً ـ أعني الخميني ـ من ذلك لإثبات التعميم في الآية، وبقطع النظر عن صدرها، دون لزوم خدشة.
ولو تأمّلنا هذه المحاولة، وقارنّاها بما نقلناه من نصّ ابن العربي آنفاً، لوجدنا النصَّ يشير إليها، بل ما نقله الطبرسي عن الجبائي يفيد ذلك أيضاً، فراجع.
إلا أنّ هذا التفسير وإن كان ظريفاً ومحتملاً في نفسه، لكنّه غير ظاهر من الآية عرفاً حتى لو قطعنا النظر عن الصدر فيها؛ فإنّها تنفي الجعل، وكأنّك تقول: لن أجعل لهم سبيلاً وطريقاً للوصول إليك، فهذا غير ظاهر في رفع الحيثيّة الإيجابيّة فحسب، بل هو ظاهر في إيجاد المانع، تقول: لن أجعل لزيد القدرة عليك، ولن أجعل لعمرو سبيل الوصول إلى النجاح، فهذا اللسان لسان إيجاد المانع، لا لسان نفي مقتضي الأمر الزائد، وهو مثل الإمداد بالملائكة، فهو خلاف الظاهر عرفاً.
وقد حاول الإمام الخميني التأكيد على أنّ صدر الآية قد يُساعد على فهم الاختصاص بهذا المعنى، على أساس أنها عبّرت بالفتح من الله عندما نسبت النصر إلى المسلمين، فيما لم تعبّر بذلك بل عبّرت بالنصيب في مورد الكافرين، فيكون المراد من الذيل تأكيد المعنى المتقدّم، وهو أنّ الله لن يمدّ ـ استثنائياً ـ الكافرين على المسلمين، بل سيمدّ المسلمين فقط، إلا أنّ السيد الخميني عاد وأكّد أن الذيل يصلح للتعميم، وأنّ ذكر يوم القيامة ليس بشيء.
إلاّ أنّه مع ذلك لا نجد ظهوراً في أنّ الجعل هنا بهذا المعنى، فهذا خلاف المتعارف عربياً جدّاً، فجعل السبيل لشخص على آخر من جانب من بيده الأمر والخلق، يكفي فيه رفع المانع، مضافاً إلى المقتضيات العامّة في الخلقة، بلا حاجة إلى افتراض أمرٍ زائد.
المحاولة الرابعة: وهي قريبة مما ذكره الخميني، وهي ما طرحه المراغي في «العناوين»، من أنّ الظاهر من نفي السبيل هو نفي سبيل الحقّ، أمّا ما يحصل في الخارج فهو سبيل الشيطان الذي أدّى إلى غلبة الكافرين على المسلمين، وليس سبيل الله، فلا يُنسب إلى الله تعالى.
فهذا التفسير كأنه يميّز بين سبيل الله وسبيل الشيطان، وهذا جيّد في القضايا الإنشائية الاعتباريّة لا في مثل القضايا التكوينيّة، فإنّ ظاهر الآية النفي التأبيدي القاضي بعدم وجود سبيل للكافرين، ولا معنى لنسبة السبيل إلى الشيطان، فإنّ هذا إما رجوع إلى كلام الإمام الخميني وقد تقدّمت مناقشته، أو إلى تخصيص الآية بالأمور الإنشائيّة كما هي الفرضيّة الخامسة الآتية مناقشتها.
المحاولة الخامسة: إنّ المراد بالمؤمنين في الآية ليس مطلق المسلم، بل خصوص الإسلام المقرون باعتقاد الإمامة، ومعه تنتفي بعض الإيرادات السابقة على بعض التفاسير، ومنها التفسير الأخير مثلاً، حيث لم تكن الغلبة في يومٍ من الأيام للكافرين على دولة الشيعة.
وهذا الكلام:
أ ـ غير ثابت تاريخيّاً، فهناك العديد من الشواهد التي تؤكّد أنّ الدول الشيعيّة، بما فيها الإماميّة، قد واجهت هزائم أمام خصومها عبر التاريخ، مثل الدولة القاجاريّة في صراعها مع الروس.
ب ـ غير صحيح في بنيته التحتيّة، فعنوان المؤمن في القرآن الكريم يعني المسلم المصدّق بالشهادتين، في مقابل الكافر والمنافق، فالمعنى اللغوي والعرفي عصر النزول لهذه الكلمة (المؤمنين)، لاسيما عند مقابلتها بالكافرين، هو المصدّق بالله والرسول، وأمّا ما هو غير ذلك أو أزيد منه، فهو الذي يحتاج إلى دليل، وهو مفقود، وتفصيله في محلّه.
وقد أقرّ غير واحدٍ من العلماء بأنّ إطلاق المؤمن على الشيعي إطلاقٌ حادث بدأ في عصر الصادقَين، حتى أنّ المحقّق النجفي وصفه بالاصطلاح الجديد، حين قال: «..ضرورة كون الإيمان في السابق مرادفاً للإسلام، فإنّه بالمعنى الأخصّ اصطلاحٌ جديد»( ). بل عندي شخصيّاً تحفّظ على أصل وجود اصطلاح جديد ولو لاحقاً، بحيث صار اللفظ يُفهم منه الشيعي ولو من دون حاجة لقرينة مورديّة، وتفصيله في محلّه.
ج ـ أنّ النصوص القرآنية تؤكّد أنّ المؤمنين في الأمم السابقة كانوا يتعرّضون لسلطنة الكافرين عليهم، مثل قصّة أصحاب الاُخدود، فهل الآية لا تشمل مؤمني الأمم السابقة؟! بل لو قيل بأنّ بني إسرائيل كانوا كفّاراً فإنّ القرآن يصرّح بأنّهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حقّ، بل هذه الآية نفسها موضع الاستدلال يؤكّد مطلعُها أنّ المؤمنين تارةً ينتصرون، وأخرى يكون للكافرين نصيب، وهذا يدلّ على أنّه يمكن أن ينتصر غيرهم عليهم فيُغلبون، إلا إذا قيل بأنّ المراد الغلبة النهائيّة!
وعليه، فهذه المحاولات غير مقنعة، ومن ثمّ فهذا التفسير في غير محلّه، ولو قبلنا بمحاولة السيّد الخميني لسلمت الفرضيّة التفسيرية الأولى من هذا الإشكال، لكنّها لا تثبت في نفسها بذلك، كما أنّ ثبوت الفرضيّة الرابعة يوجب بطلان الاستدلال بهذه الآية هنا.
وبصرف النظر عن مجمل ما تقدّم، فإنّ هذه الفرضيّة التفسيريّة الرابعة لا دليل لصالحها، إذ حصر دلالة الآية بالغلبة التكوينية الدنيوية يكاد يكون فاقداً للقرينة، إلا إذا جعل مطلعها قرينة سياقيّة، لكن قد تقدّم أنّها قرينة معارضة لا موافقة.
هـ ـ اختصاص الآية بنفي السبيل التشريعي والقانوني
بمعنى أن لا تكون لها أيّ علاقة بالأمور التكوينية والإخباريّة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإنّما تدلّ فقط على نفي السبيل الاعتباري التشريعي، بمعنى أنّها تقرّر مبدأ حاكماً في الشريعة يفيد أنّ الله تعالى لم ولن يشرّع أيّ حكمٍ يكون فيه سبيل وتكون فيه طريق للكافر على المسلم، فتكون الآية مشابهةً لأدلّة نفي الحرج ونفي الضرر، في حكومتها على سائر الأدلّة الأوليّة.
وهذه الفرضيّة يبدو اختيارها من بعض العلماء مثل السيد البجنوردي والشيخ محمد جواد مغنية( ).
والفرق بين هذه الفرضيّة والفرضيّة الأولى، وإن كانتا تثبتان قاعدة نفي السبيل، أنّ الأولى مطلقة تستوعب النفي الإنشائي القانوني بإطلاقها كما تستوعب غيره، بينما هذه خاصّة بهذا النفي لا غير.
وهذا الاحتمال يواجه مشكلةً رئيسة هي مشكلة السياق، فالآية من أوّلها، بل وما سبقها وما لحقها حديثٌ عن الحرب والجهاد، وعن المنافقين المتربّصين المتخاذلين، وليس فيها أيّ سياق تشريعي بهذا المعنى، فكيف يمكن ـ وسط هذا السياق الخبري ـ افتراض انحصار تفسيرها بالمعنى الإنشائي الاعتباري مع عدم دليلٍ على ذلك ولا شاهدٍ ولا قرينة؟! وكأنّها قفزت من سياق إلى سياق آخر ومن موضوع إلى آخر!
بل حتى لو فرضنا عدم الجزم بوقوع الآية ضمن هذا السياق، فإنّ احتماليّة الوقوع تظلّ قائمةً ومعقولة جدّاً، ومعه يصبح هناك احتماليّة معقولة لقرينة سياقيّة متصلة، تفرض علينا عدم مخالفتها، والفرضيّة الخامسة تخالف هذه القرينة المتصلة المحتملة جدّاً.
ولنلاحظ السياق بتأنٍّ، وكيف أنّ القضية تتصل بوقائع خارجيّة ترتبط بالمنافقين بالدرجة الأولى، وبهذا نجد صدق ما نقول، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النمساء: 137 ـ 145).
فهل هذا السياق بصدد إنشاء قاعدة نفي السبيل خاصّةً وبلسان روحه الإنشاء القانوني أو هو بصدد الحديث عن أنّ الله رغم كلّ محاولات الكافرين والمنافقين في الحرب والخداع، لن يكتب لهم الغلبة والسلطنة على المؤمنين وستكون العاقبة لهؤلاء المؤمنين.
وقد أجاب المحقّق المراغي هنا عن إشكاليّة السياق، بأنّ العموم لا يُصرف عن ظاهره بهذه الأمور، وحيث اُريد نفي السبيل من الشارع، لزم نفيه مطلقاً بما يشمل الأحكام الشرعيّة، فلماذا التخصيص هنا والتضييق؟!
إشكاليّتان تواجهان الفرضيّة الأولى والخامسة
ثمّة إشكاليّتان عامّتان تواجهان إثبات قاعدة نفي السبيل بالآية، سواء عبر الدلالة المباشرة، كما في الفرضيّة الخامسة أم عبر الدلالة الإطلاقيّة كما في الفرضيّة الأولى، وهما:
الإشكاليّة الأولى: ما طرحه المحقّق المراغي ـ وإن لم يقبله ـ وحاصله أنّ الكافرين والمؤمنين في الآية جمعان محلّيان باللام، مفيدان للعموم، فتدلّ الآية على أنّه تعالى لم يجعل سبيلاً لكلّ فرد من أفراد الكافر على كلّ فرد من أفراد المسلم، فيفيد سلب العموم لا عموم السلب، ولا ينافي جعل السبيل لكلّ فرد من الكافر على بعض أفراد المسلم، أو لبعض أفراد الكافر على كلّ فرد من المسلم، أو لبعض منه على بعض منه، وهذا لا يثبت المدعى.
وقد أجاب المراغي عن هذه الإشكاليّة بأنّ الظاهر من الآية بقرينة المقابلة والتعليق على الوصف إرادة الجنس المفرد، فإنّه من معاني الجمع المحلّى باللام، فيكون المعنى: لن يجعل الله سبيلاً للكافر على مؤمن، وهذا هو الظاهر من الآية. مع أنّه متى ما ثبت عدم السبيل لبعضٍ على كلّ، أو لكلّ على بعض، أو لبعض على بعض، فيثبت العموم، لعموم ما دلّ على الاشتراك في التكليف والأحكام، إذ الآية ليست نافية للعموم وإن لم تكن مثبتة أيضاً، والكافر والمؤمن جعل عنواناً في هذا الحكم، والحكم الثابت على بعض أفراد العنوان، كالمسافر والحاضر والمريض ونحو ذلك من عناوين الأحكام، يعمّ سائر أفراده ما لم يدلّ على التخصيص دليل شرعي، بمقتضى قاعدة الاشتراك، أو يعمّ الباقين بعدم القول بالفصل.
ولكنّني أعتقد بأنّ أصل هذه الإشكاليّة ناشئ من ذهنية غير عرفيّة، بل هي تمارس التدقيق الذي قد يحرف الذهن العرفي عن طريقة تناوله للأمور، وما طرحه المراغي صحيح في الجواب الأوّل له، لكن ببياننا، وذلك أنّ العرف لا يفهم من نفي جعل سبيل للكافرين على المؤمنين هو نفي سبيل أيّ كافر على كلّ مؤمن؛ فهذا أصلاً غير معقول، ولا معنى لتحقّقه في الخارج إطلاقاً ولو حتى في زمنٍ واحد، حتى تتصدّى له الآية، بل لن يكون هناك تحقّقٌ أيضاً من سبيلٍ للمؤمنين على الكافرين من هذا النوع في حدود المعقوليّة التاريخيّة البشريّة، فأيّ خصوصيّة تريد أن تمنحها الآية الكريمة للمؤمنين هنا؟! فهذه الإشكاليّة أساساً غير عرفيّة.
الإشكاليّة الثانية: ما ذكره السيّد السبزواري، من «أنّ السبيل المنفيّ ما إذا كان فيه نحو حزازة للمسلم عند متعارف المتشرّعة، ومع عدمها فلا وجه للبطلان، وحينئذ فمع كون الكافر المالك للمسلم تحت استيلاء الحاكم الشرعي وضغط في إجباره على البيع، فأيّ استيلاء يتصوّر للكافر من حيث الكفر على المسلم، بل الظاهر أنّ الأمر بالعكس. ومنه يعلم حكم الخيار للكافر إذا بيع العبد المسلم عليه فإنّه إذا كان تحت ضغط الحاكم الشرعي أو وكيله فأيّ سبيل يتصوّر حينئذ». ويبدو أنّه يتابع في ذلك ما ذهب إليه السيد محسن الحكيم في قوله: «التحقيق أنّ السبيل المنفيّ ما كان موجباً لمذلّة المسلم ومهانةً عليه، لا مطلقاً».
إلا أنّ هذا الاستنتاج لو اُريد منه ملاحظة دلالة الآية الكريمة فقط، فهو غير واضح؛ لعدم وجود مثل هذا القيد في الآية، ما لم نقم بتعديل كلمة «سبيل»، وفهمها بطريقة عرفيّة تعني نوعاً من الهيمنة السلبيّة عرفاً بحيث يكون المؤمن في موقع الضعف قانونيّاً أمام الكافر، لا مطلق الدخول تحت سلطانه القانوني، فلو فهم الإنسان ذلك عرفاً، فلا بأس بهذه الإشكاليّة في تقييد إطلاقيّة القاعدة، وليس في إبطال أساسها، وإلا فمقتضى الإطلاق والشمول في الآية الكريمة نفي السبيل بمختلف ألوانه التشريعيّة.
والظاهر أنّه بذهنيّة مقاربة لذهنية السبزواري، انطلق المحقّق الإصفهاني في مقاربة الموضوع، حيث اعتبر أنّنا لو جعلنا مدرك قاعدة نفي السبيل هو هذه الآية الكريمة فإنّها تسلب سلطنة الكافر على المسلم، انطلاقاً من التعدّي بحرف الاستعلاء، فيما لا يتعدّى بها بطبعه كون التعدّي متضمّناً للغلبة والظفر والضرّر مما يتعدّى بها، أمّا الكافر للمسلم فهي ليست غلبة ولا ظفراً ولا ضرراً عليه، إنّما السلطنة على التصرّفات هي الضرر والظفر، فنلتزم بالملكيّة ونثبت الحَجر، بخلاف جعل مرجعيّة القاعدة هو الحديث النبوي الآتي في علوّ الإسلام.
ولا نريد هنا أن نتحدّث عن معقوليّة تمييز الإصفهاني بين الملكية والتصرّف في موضوع بحثنا، فهذا ليس موضوعنا، بل نريد أن نأخذ روح فكرته، وهي أنّه فهم من الآية، بقرينة حرف الاستعلاء، نوعاً من الظفر والضرر والسلطنة، وليس مطلق السبيل، فكأنّه يرى أنّ الآية خاصّة بحال السبيل الموجب لنوع من الغلبة لا مطلقاً، ولعلّ المقاربة العرفية ترى ـ خلافاً حتى لتصوّرات الإصفهاني، ولو في بعض الأزمنة والأمكنة ـ أنّ منح حتى السلطنة في بعض أنواع التصرّفات لا يمثل نوعاً من الغلبة والتفوّق أصلاً.
آية نفي السبيل، مقاربة تحليليّة استنتاجيّة
بعد هذه الجولة في الفرضيّات التفسيريّة في الآية الكريمة، يمكننا استخلاص فهمنا وتحليلنا، انطلاقاً من البحوث السابقة، وذلك عبر المقاربة الآتية:
إنّ الآية تحتمل أن تكون إخباراً عن أمرٍ تكويني، كما تحتمل أن تكون إنشاءً لأمر تشريعي، وتحتمل الأمرين معاً، وعلى التقدير الأوّل وبعض الثالث، تحتمل الاختصاص بالدنيا، وتحتمل الاختصاص بالآخرة، وتحتمل العموميّة لهما معاً، لكن ثمّة أمر آخر لابدّ أن يضاف هنا وهو أنّ الجمع في الكافرين والمؤمنين كما يحتمل إرادة الجماعة بوصفها جماعة بمعنى أنّ جماعة الكافرين لن يجعل الله لها سبيلاً على جماعة المؤمنين، كذلك يحتمل إرادة الجميعيّة التي لا تنسجم مع جعل سلطنةٍ لأحدٍ من الكافرين على أحدٍ من المؤمنين، كما في مثال إجارة المسلم نفسه للكافر.
وعليه، فالذي يستفاد من الآية الكريمة:
أوّلاً: إنّ سياقها سياقٌ خبري، وهذا السياق، وإن احتمل العموميّة بحيث يكون المقطع الشاهد إشارة إلى كبرى كليّة تشمل مورد السياق وهو الأمور التكوينية الإخبارية مثلاً، إلا أنّ هذه العموميّة تعاني من عائق في استظهارها نتيجة هذا السياق، لاسيما مع دخول الحديث عن يوم القيامة على هذا الخطّ.
وليس هذا الكلام خرقاً لقاعدة المورد لا يخصّص الوارد كما تصوّره بعضٌ( )، فإنّ هذا ليس من صغريات المورد والوارد، وإلا لسقطت حجيّة السياقات مطلقاً، وذلك أنّ هناك فرقاً بين الاعتماد على سياق لفظي لإعاقة استفادة التعميم، وبين الاعتماد على مورد خارجي تحدّثت عنه الآية أو الرواية، فالسياق يؤخذ به؛ لاندراج السياقات ضمن صغريات حجيّة الظهور، فتكون حجّة وتمثل قرينةً متصلة أو محتمل القرينيّة المتصلة الذي يعيق انعقاد الظهور، أما في مثل المورد والوارد فلا بدّ ـ لجريان القاعدة ـ من إحراز أنّ المورديّة لا تمثل قرينةً من أيّ نوع، وإلا لما أمكن تطبيق القاعدة لعدم تحقّق موضوعها، فموضوعها عدم القرينيّة في المورد نوعاً، ومؤدّى ذلك أنّ تطبيق قاعدة «المورد» متفرّع على كوننا قد استفدنا العموميّة من «الوارد»، كما ألمح إليه السيّد محسن الحكيم في بعض أبحاثه( )، والسياق قرينة متصلة، فلابدّ من الفراغ عنه حتى تنطبق القاعدة، لا اقتطاع الذيل وافتراضه عاماً، ثم اعتبار السياق بمثابة المورد.
وبتعبير آخر: إنّ قاعدة المورد وقاعدة السياق لهما تطبيقات جليّة، وتوجد بعض الحالات تمثل تطبيقات محتملة لقاعدة السياق والمورد معاً، وفي هذه الحال تقع الإشكاليّة في الفهم، ومع الشكّ في أنّ الحالة المحيطة بالجملة موضع الشاهد هل هي حالة سياقيّة أو حالة مورديّة، يلزمنا الأخذ بالقدر المتيقّن، وهو عبارة عن تأثير وجود هذه الحالة المحيطة بالنصّ موضع الشاهد؛ لأنّها سوف تصبح من حالات احتمال قرينيّة الموجود المتصل، وهو يوجب الإجمال والأخذ بالقدر المتيقّن، كما ثبت في علم أصول الفقه.
بل يمكن القول: إنّ المورد قد يعيق أحياناً عموميّة الوارد، فليست هذه القاعدة عقليّة أو منصوصاً عليها حتى نأخذ بها مطلقاً، بل المفروض النظر في الدليل، فإن كانت المورديّة تعيق استظهار العموم لم نأخذ بالقاعدة، وإلا أخذنا بها، ونحن نرى أن المورديّة تعيق أحياناً( )، وذلك انطلاقاً من القدر المتيقّن في مقام التخاطب الذي ذهب الشيخ الخراساني (1329هـ) إلى اعتبار عدمه إحدَى مقدّمات الحكمة، وهو وإن لم يكن قاعدةً أيضاً، إلا أنّه في كثير من الموارد تصدق مقولة الخراساني هذه بالوجدان، حيث نجدها تعيق استظهار الإطلاق والشموليّة بالمعنى العام للكلمة.
ومن الضروري الالتفات إلى أنّ قواعد باب الألفاظ لا ينبغي أن يُتعامل معها بوصفها قواعد باب المنطق كما يحصل غالباً أو كثيراً، بل المفترض أوّلاً مراجعة الاستظهار من الآية أو الرواية، ويكون هذا الاستظهار حاكماً على أيّ قاعدة، لا تحكيم القاعدة فوراً، لاسيما وأنّ قواعد الألفاظ تجري ـ حسب تصريحهم ـ في غير موارد الظهور الخاصّ بالقرينة ونحوها، كما ذكروا ذلك في باب المفاهيم.
وعليه، فإذا كان السياق خبريّاً، لم نعد متأكّدين من نظر الآية إلى جوانب تشريعيّة، فلا يمكن الاستناد إليها لإثبات القاعدة خاصّة بملاحظة التعبير عن يوم القيامة.
وفي تقديري، فإنّ الذي أوقع بعض الباحثين هنا في مشاكل هو تلك المشكلة التي تنتشر في أوساط الدراسات الفقهيّة في ظنّي، وهي أنّ الباحث في الفقه يقرأ الجملة موضع الشاهد من كتب الفقهاء، ويغرق في فهمها بنفسها، ولا يذهب إلى سياقها ومحيطها المذكور في النصّ القرآني، فيتولّد عنده فهم العموم، ثم عندما يضعها في سياقها في مرحلة لاحقة، يتصوّر أنّ العموم قد انعقد، وأنّه إذا أمكنه تكييف العموم المنعقد من قَبل مع السياق فهذا كافٍ، فيقوم بفرض أنّ هذا السياق أو ذاك لا يستدعي عدم العموم قهراً في الجملة موضع الشاهد، وهذه الطريقة شائعة بسبب أنّنا لا نقرأ النصّ موضع الشاهد مباشرةً داخل سياقه، مع أنّ الطريقة الصحيحة هي أن نقرأه من الأوّل داخل سياقه، لنفهم هل ينعقد معه من البداية عموم أو إطلاق أو لا؟ وفي هذه الحال كثيراً ما تتغيّر النتائج. ولعلّ هذه الظاهرة تمثل أحد أسباب اختلاف طرائق فهم بعض الفقهاء للنصوص القرآنيّة عن المفسّرين؛ لأنّ المفسّر يقرأ النص منذ البداية من داخل سياقه ومحيطه بخلاف بعض الفقهاء الذين يقرؤون النص منفصلاً، فتتكوّن تفسيراته عندهم، ثم يضعونه لاحقاً داخل السياق ـ لو وضعوه ـ فيكتفون بتكييفه بافتراض انعقاد عمومٍ فيه من قَبل.
ثانياً: إن أيّ تقييد أو حصر لا يحمل في داخل الآية مبرّرَ افتراضه فهو مستبعد، ومن هنا التقييد بالحجّة والدليل، أو بالأمور الاعتباريّة، أو الغلبة الخارجيّة الكليّة، ليس له أيّ شاهد، كما بيّنا ذلك من المناقشات المتقدّمة للفرضيّات التفسيريّة، فلا ينبغي الوقوف عنده كثيراً، وعليه، فالاحتمال الأقوى:
أ ـ إمّا التعميم لتمام الجوانب، وقد قلنا بأنّه غير متوفّر؛ لعدم إحراز الإطلاق أو الشمول بملاحظة طبيعة السياق.
ب ـ أو التعميم بملاحظة الآخرة، وهو مما لا ضير فيه ولا محذور، ويعزّزه بالإضافة إلى انسجامه مع السياق والإشارة للآخرة صريحاً في الجملة السابقة، أنّ لسان الآية لسانٌ آبٍ عن التخصيص، وإخراج مثل الغلبة الدنيويّة ليس إخراجاً بالتخصّص ولا بالقرينة المتصلة اللبية؛ لأنّ شمول الآية له بناءً على التعميم محرَز، كما أنّ عدم هذه الغلبة عدماً خارجياً لا يُحرز كونه من البداهة في وعي المسلمين آنذاك بحيث يصلح للقرينة المتصلة الحافّة بالكلام، لاسيما وأنّ النفي للتأبيد الاستقبالي، فالمسلم يتوقّع مثل هذا الوعد الإلهي، ومعنى ذلك أنّ افتراض التعميم يخالف اللسان الآبي عن التخصيص في الآية الشريفة.
ج ـ أو التعميم الخبري للدنيا والآخرة أو لخصوص الدنيا، لكن بملاحظة العواقب، لا بملاحظة تمام الفترات الزمنيّة، بمعنى أنّ الآية لا تنظر لكلّ الفترات الزمنيّة، وتقول بأنّ المؤمنين دائماً لهم الغلبة ولا تمكّن للكافر عليهم، بل تقول بأنّ مآلات الأمور على طول الخطّ الزمني تكون للمؤمنين، وأنّ العاقبة للمتقين، فمعنى نفي السبيل أنّ العاقبة للمؤمنين، فيكون حال الآية الكريمة كحال قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر: 51)، بناء على أنّ النصر قرين الغلبة أو لا أقلّ عدم غلبة الآخر.
د ـ أو فهم الألف واللام في كلمتي: «الكافرين» و «المؤمنين»، بنحو الإشارة العهديّة لهم في عصر النبيّ؛ لأنّ السياق حديثٌ عن وقائع جزئيّة حدثت آنذاك، والآيات استخدمت تعبير «يحكم بينكم»، بلغة التخاطب، فتكون إخباراً عن غلبة المؤمنين الذين كانوا مع النبيّ وعدم تمكّن الكافرين من غلبتهم في ذلك العصر، وهذا ما تحقّق فعلاً.
هـ ـ أو أن نلتزم بأنّ نظر الآية إلى السبيل الثابت للجماعة على الجماعة، ونقبل ـ جدلاً ـ بتعيّن دلالة الآية أو شمولها للجوانب التشريعيّة، وهنا يمكن القول بأنّ مقصود الآية نفي السلطنة التشريعية المفضية لتسلّط عنوان الكافرين بوصفهم جماعة على عنوان المؤمنين بوصفهم كذلك، والسياق يساعد على ذلك؛ لأنّه يتحدث عن علاقات الجماعات وليس الأفراد، فتكون مثبتةً لقاعدة نفي السبيل لكن في العلاقات الدوليّة وفي فقه الجهاد، لا في الروابط الفرديّة أو الجماعية بغير هذا المعنى، فبيع العبد المسلم للكافر لا يصدق عليه صيرورة الكافرين متسلّطين على المؤمنين، وكذلك نصب شخصٍ غير مسلم (وغير محارب للمسلمين) لمنصبٍ عام من نوع الوزارة أو النيابة أو البلديّة أو الجيش، فإنّه لا يصدق معه عادةً أنّ جماعة الكافرين تسلّطوا علينا، فنُثبت بذلك القاعدة، وفي الوقت عينه ننفي السعة التي فهمها بعض الفقهاء منها، وبهذا تكون القاعدة من قواعد فقه السياسة الخارجيّة لا فقه الأفراد ونحو ذلك، وهذا أمر نقبل بوجوده من أدلّة أخرى أيضاً بحثناها في فقه الجهاد.
ونتيجة البحث في آية نفي السبيل أنّها إن لم نقل بكونها خاصّة بالمستقبل الاُخروي، أو الدنيوي والأخروي بملاحظة العواقب لا المفردات المتغيّرة زمناً، أو النظر للمؤمنين والكافرين الذين هم مع الرسول في ذلك العصر ـ والظاهر أنّ الآية لا تخرج عن هذه الاحتمالات، بما يُفقدها قدرة إنتاج قاعدة فقهيّة ـ فلا أقلّ من أنّها غير ناظرة للروابط الفرديّة، بل لسلطنة غير المسلمين عليهم بما هم جماعة دينيّة، فتكون أضيقَ بكثير من المدّعى، ومختصّةً بفقه الجهاد والسياسة الخارجيّة.
4 ـ آية العزّة ومبدأ التفوّق والشرف
نقصد بهذه الآية قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: 8)، فإنّ هذه الآية ـ تنضمّ إليها مختلف الأدلّة القرآنيّة والحديثيّة الدالّة على مكانة المؤمن وعزّته وشرفه، ومكانة الإسلام وعزته وشرفه، وما دلّ أيضاً على حرمة إهانة المؤمن وإذلاله، ووجوب تعظيمه وإكرامه، بل وجوب تعظيمه لنفسه وحرمة إذلاله لها.. ـ تدلّ على أنّ كل ما ينافي عزّة المؤمن وشرفه ومكانته وتفوّقه على غيره، فإنّه مرفوض؛ لأنّ العزّة ليست إلا للمؤمن، كما تفيده هذه الآية وغيرها بنحو التأكيد والتشديد، وهذا يعني أنّ ما يخالف قاعدة نفي السبيل منفيّ بمثل هذه الآيات والروايات، وبهذا الدليل نُلحق دليلاً آخر ذكروه، وهو لزوم تعظيم الشعائر؛ فإنّ المؤمن من أعظمها.
وبهذه الطريقة إمّا نفهم الآية وأمثالها في سياق إنشاء تشريعي مباشر، أو أنّها في سياق إخبارات، وهذه الإخبارات لا تتناسب مع تشريعاتٍ منافية لها.
وقد اعتبر السيد البجنوردي هذا من أحسن الأدلّة، معتبراً إيّاه قائماً على مناسبة الحكم والموضوع، حيث قال: «إنّ شرف الإسلام وعزّته مقتضٍ، بل علّة تامة لأن لا يجعل في أحكامه وشرائعه ما يوجب ذلّ المسلم وهوانه، وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)، فكيف يمكن أن يجعل الله حكماً ويشرّعه يكون سبباً لعلوّ الكفار على المسلمين، ويلزم المسلم على الامتثال بذلك الحكم؟ فيكون الكفّار هم الأعزّة، ويكون المسلمون هم الأذلّة الصاغرون، مع أنّه تبارك وتعالى حصر العزة لنفسه ولرسوله وللمؤمنين في الآية الشريفة التي تقدّم ذكرها. والإنصاف أنّ الفقيه يقطع بعد التأمّل فيما ذكرناه بعدم إمكان جعل مثل ذلك الحكم الذي يكون سبباً لهوان المسلم وذلّه بالنسبة إلى الكافر الذي لا احترام له، وهو كالأنعام بل أضلّ سبيلاً. وليس هذا الكلام من باب استخراج الحكم الشرعي بالظنّ والتخمين، كي يكون مشمولاً للأدلّة الناهية عن العمل بالظنّ والقول بغير علم والافتراء على الله، بل هو من قبيل تنقيح المناط القطعي، بل يكون استظهاراً من الأدلّة اللفظية القطعيّة..»
وما اعتبره البجنوردي أفضل الأدلّة، ذكره المراغي، لكنّه صنّفه على أنّه مؤيّد قويّ، مطلِقاً عليه عنوان الاعتبار العقلي.
ومبدأ شرف الإسلام والإيمان من المبادئ المسلّمة في الفقه الإسلامي، حتى أنّ بعض الفقهاء يرفضون الترخيص في أمور، ولو مع الضرر والمفسدة، حفاظاً فقط على شرف الإسلام، كما فعل الميرزا التبريزي الذي يرى ـ احتياطاً ـ حرمة المصافحة مطلقاً حتى لو ترتّب على تركها ضررٌ ومفسدة، بصرف النظر عن صحّة كلامه في المورد الذي ذكره فإنّه قابل للمناقشة.
لكنّ الكلام هنا في عدّة أمور:
1 ـ المساحة التي تغطّيها هذه المعطيات الواردة في هذا الدليل ولو اجتمعت وتركّبت، وفي صدق عنوان المذلّة والإهانة وخلاف العزّة للإسلام والمسلم في كلّ موارد قاعدة نفي السبيل، إذ نجزم بعدم صدقها في أكثر موارد القاعدة، بل هذا المفهوم يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والأعراف والأحوال، فلنقل بأنّ كلّ ما يوجب عدم عزة المؤمن أو يوجب المذلّة له يكون حراماً وباطلاً، ولنترك التحديد المصداقي للعرف أو للسلطة الشرعيّة تبعاً لاختلاف نوع الموضوع، ولا نفرض «مسطرةً» معيّنة لهذا التحديد ونسقط تشخيصنا المنطلق من أعرافنا وفضائنا المحيط على جميع الأزمنة والأمكنة، فكون الأجير المسلم يعمل عند غير المسلم ليس فيه أيّ إهانة أو مخالفة للعزّة، وكذلك بيع المصحف للكافر في الكثير من حالاته، والذهاب إلى الطبيب غير المسلم ليس إهانةً للمسلم، وغير ذلك الكثير، ففرض تشخيصنا للأمور على الزمان والمكان كلّه لا وجه له إطلاقاً، وبهذا يصحّ ما علّق به الشيخ اللنكراني هنا بقوله: «الظاهر أنّ هذا الوجه أيضاً لا ينطبق على جميع موارد القاعدة».
هذا، وستأتي إشارة لهذا الموضوع عند نهاية الحديث عن الاستدلال بالسنّة على القاعدة.
2 ـ إنّ الاستناد لخصوص هذه الآية هنا بطريقة الاستدلال المباشر، غيرُ دقيق؛ لأنّها ليست ناظرة لجانبٍ شرعي إنشائي، بل هي تُخبر أنّ العزّة هي لله وللرسول وللمؤمنين، وأنّ ما يتوهّمه المنافقون الذين قالوا بأنّهم سوف يُخرجون المؤمنين من المدينة بعد عودتهم إليها؛ لأنّهم هم الأعزّة والمؤمنون هم الأذلّة، هو خيال محض؛ لأنّ العزّة للمؤمنين بعزّة الله ولرسوله، ويشهد لهذا الأمر ذيل الآية الكريمة، بل هذا ما فهمه المفسّرون منها أيضاً، حيث قالت الآية بأنّ المنافقين لا يعلمون، فإنّ هذا لا يتناسب مع كون الآية في مقام بيان إنشاء تشريعي، بل يتناسب مع كونهم لا يعرفون بأنّ الواقع والمستقبل سيكون لعزّة المؤمنين، وأنّ ما توهّموه من مذلّتهم وضعفهم لا وجه له، وإلا فأيّ معنى للتعليق على وهم المنافقين المشار إليه بالقول بأنّ الحكم الشرعي هو عزّة المؤمنين؟! ولا أقلّ من أنّ هذا السياق يربك الاستدلال هنا جدّاً. ودعوى أنّ الإخبار مستبطن لإنشاء مفترَض غير واضحة.
وبهذا يصحّ ما قاله السيد محمّد الحسيني الشيرازي (2001م) من أنّ الآية إخبارٌ وليست إنشاءً.
نتيجة البحث في المنطلق القرآني
تبين لدينا أنّ النصوص القرآنية تكرّس مبدأ عزّة المؤمن وعدم مذلّته من حيث هو مؤمن، ولكنّنا لم نستطع الاقتناع بوجود نصّ قرآني واضح وجليّ يفيد قاعدة نفي السبيل بالمعنى الذي طرحه الفقهاء، كي يتمّ استخدامه في التعامل مع غير المسلم وخاصّة مع الأقليّات الدينيّة، وغاية ما يمكن إثباته لو تنزّلنا عن ذلك كلّه، هو قاعدة نفي السبيل بصفتها مبدأ في العلاقات الخارجيّة بين المسلمين وفي فقه الجهاد بالمعنى الذي شرحناه فيما سبق، ولا تشمل غير ذلك إطلاقاً.
ثانياً: المنطلق الحديثي للقاعدة (السنّة الشريفة)
ثمّة روايات عديدة تدلّ على علوّ المسلمين على الكافرين، لكنّ أشهرها الحديث النبوّي المعروف المرويّ في «الفقيه»: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، والكفار بمنزلة الموتى لا يحجبون ولا يرثون» وقد ورد هذا الحديث في المصادر السنّية بدون إضافة «عليه» وما بعدها، وفي بعضها جاءت إضافة.
وقد فُهم من هذا الحديث الذي يمثل أهم ـ وربما الوحيد بين ـ أدلّة السنّة الشريفة على قاعدة العلوّ، أنّه يمنع ارتفاع غير الإسلام عليه بل يراه هو العالي، وهذا ما يفرض تمام نتائج قاعدة نفي السبيل هنا؛ إذ من دونها يكون المستفاد على العكس تماماً من مدلول الحديث.
والبحث في هذا الحديث تارةً يكون من ناحية الإثبات الصدوري، وأخرى من ناحية الدلالة:
أ ـ الإثبات الصدوري لحديث «الإسلام يعلو..»، وقفة تقويميّة
أمّا البحث الصدوري والسندي، فالظاهر أنّ الحديث نبويٌّ مرسل فلا يعتدّ به، إلا أنّ بعض الفقهاء ذكروا سُبُلاً للاعتماد عليه أبرزها:
السبيل الأوّل: ما استند إليه أمثال السيد الخميني، من الاعتماد على المبنى القائل بأنّ مرويّات الشيخ الصدوق المرسلة إما حجّة كلّها على بعض الآراء، أو لا أقلّ من حجيّة ما جزم الصدوق بنسبته، كما في مثل: قال، دون مثل: روي، والمورد من موارد الجزم، حيث عبّر الصدوق فيه بـ «قال»، وقد اختار هذه الفكرة عدد من العلماء في مباحث علوم الحديث والرجال.
وهذا السبيل ضعيف، وقد بحثناه بالتفصيل في محلّه، فلا نطيل هنا، وليس له وجهٌ سوى الثقة بالشيخ الصدوق، على أساس أنّ جزمه لابدّ أن يكون إما عن حسّ أو حدس، فنجري أصالة الحسّ العقلائية، ويثبت من ذلك أنّ قول المعصوم قد ثبت للصدوق حسيّاً، بمعنى أنّه وبسبب كثرة تكرّره وتداوله بدا له واضحاً بالبداهة، فيؤخذ به، الأمر الذي لا يجعل هذه القاعدة خاصّة بالصدوق، بل تشمل حينئذ غيره، كما ألمح إليه أستاذنا الإيرواني، وهذا ما يلوح من بعض عبارات من تبنّى الأخذ بمراسيل الصدوق، حيث عبّر بعضهم بجملة: مراسيل العدل أقوى من مسانيده.
ومبرّرنا في تضعيف هذا السبيل هو:
أوّلاً: إنّ أصالة الحسّ العقلائيّة إنّما تجري في غير الموارد التي من هذا القبيل، فإنّ كثرة ورود رواية وتداولها حتى لو جعل الصدوق وغيره يجزمون بصدورها جزماً قاطعاً لا يصيّرها حسيّةً، بل الحدسية معلومة هنا، غايته لا يُراد بالحدس الأمر النظري البحت والمحتاج إلى مقدّمات، بل يشمل ما كان واضحاً لكثرة شواهده، إنّما الكلام أن نحتمل سماع الصدوق لشخص النبيّ أو الإمام، وأين هذا من الصدوق عادةً؟! وقد سبق لنا أن بحثنا بالتفصيل في أصالة الحسيّة والحدسيّة، فراجع.
ثانياً: لو كان هذا الحديث بهذه الكثرة من التداول حدّاً صار كالحسّي، فلماذا لم نجد له عيناً ولا أثراً فيما وصلنا من كتب حديثيّة حتى القرن السابع الهجري تقريباً، عدا ما ذكره الصدوق، وكيف لم يشتهر في هذه المصادر، وهي المعَدّة لذكر الشاردة والواردة؟! إنّ هذا يعني أنّ الحسية هنا مجرّد افتراض بحت.
ثالثاً: إنّ جزم الصدوق بالرواية يمكن تفسيره بسهولة وفقاً لنظام التعامل مع الروايات في القرون الخمسة الهجريّة الأولى، وهو نظام القرائن والوثوق، فيمكن أن لا يكون ذكره للسند لعدم حصوله على سند محدّد له، إلا أنّه حصل له وثوق به لجملة قرائن لا نعرفها كما هو ديدنهم آنذاك، ولا نحرز أنه لو وصلتنا هذه القرائن كان يحصل لنا الوثوق منها، فيكون الوثوق حجّة على الصدوق لا على غيره، بل لعلّه وجده منسجماً مع النصوص القرآنية والحديثية الأخرى في عزّة الإسلام والإيمان وصحيحَ المضمون في نفسه؛ فهذا السبيل باطل من أساسه مطلقاً في الصدوق وغيره.
السبيل الثاني: التمسّك بكبرى جبر عمل المشهور لضعف السند، على أساس أنّ مشهور الفقهاء قد عملوا بهذا الخبر واعتمدوا عليه في مباحثهم الفقهيّة، فهذه الشهرة العمليّة جابرة لضعفه السندي، كما ذكره غيرُ واحد، ويضاف إلى ذلك تداول الخبر بين أهل السنّة أيضاً مما يزيد في الوثوق بصدوره.
ويُناقَش بأننا لم نجد اعتماداً من الأصحاب المتقدّمين على هذا الخبر، فقد وجدناه عند الطوسي، ثم تبعه ابن البراج وابن زهرة وابن إدريس، ثم اشتهر بين اللاحقين عليهم، ولم نجد له أثراً بين غيرهم إلى أواسط القرن السابع، مضافاً إلى أنّ الطوسي وابن البراج في غير موضعٍ من مواضع تمسّكهما بالخبر جعلاه أحد الوجوه والأدلّة( )، وفي مثل ذلك لا يُعلم تحقّق الشهرة العمليّة الاستناديّة؛ لأنّ المقصود بها اشتهار الاعتماد على الخبر، ومعه لعلّهم ذكروه للحشد والتأييد، كما أنّ ابن زهرة ذكر الخبر كذلك معبراً بـ«يحتجّ على المخالف بما رووه» في تمام الموارد التي تحدّث فيها عنه، كما عبّر بذلك ابن إدريس في بعض المواضع. وفي جوٍّ كهذا، كيف يمكن تحصيل الوثوق بخبر كهذا مع أنّ المواضع بأجمعها إلى ابن إدريس لا تزيد على الخمسة عشر موضعاً، أفهل يعدّ هذا شهرةً عمليّة جابرة ضمن هذا التوصيف الذي بيّنّاه؟!
أمّا الشهرة بين المتأخّرين، فلا نرى لها وجهاً هنا؛ لأنها لا تفيد الوثوق وجبر السند، فهذا الخبر بهذه الحال لا حجيّة له.
بل لنا ذكر مؤيّد هنا، وهو أنّهم لو كانوا يعملون بهذا الحديث بما يفهم منه قاعدة عريضة للزم أن يكون المطلوب هو علوّ المسلم بوصفه غاية منشودة، فكيف لم يذكروا تقييد نصوص مثل النهي عن الزواج من المشركات لمثل هذه القاعدة، مع أنّ الزواج منهنّ يحقّق العلوّ بفهم الفقهاء للقضيّة؟!
وأمّا عمل أهل السنّة به، فلعلّه منطلق من وروده في صحيح البخاري عن ابن عباس، الذي يأخذون به مطلقاً لاعتبارات اجتهاديّة نختلف معهم فيها، فلا تكون شهرته بينهم جابرةً لضعف سنده، كما قد يكون ذلك لتصحيحهم سند الحديث عندهم لاعتبارات اجتهاديّة.
وأمّا سند الحديث عند أهل السنّة، فما جاء له في البخاري ونحوه ليس بحجّة، لأنّه جاء فيه حديثاً موقوفاً على ابن عباس، ولعلّه لم يصدر من النبي. وما جاء مرويّاً عن النبي ورد فيه حشرج بن عبد الله بن حشرج عن أبيه، وهما مجهولان، كما نقل ذلك الزيلعي في نصب الراية، فلا يوجد سند صحيح لهذا الحديث في مصادر السنّة والشيعة.
وعليه، فالصحيح ما ذكره بعض العلماء من عدم صحّة هذا الحديث من حيث الصدور والسند.
ب ـ الفضاء الدلالي لحديث: «الإسلام يعلو..»، تفاسير وملاحظات
وأمّا البحث الدلالي، فقد ذُكِر في استظهار الدلالة أنّ الرواية تدلّ على علوّ الإسلام على غيره، لا علوّ غيره عليه ولا مساواته له، وهذا هو مقتضى الجمع بين صدر الرواية وذيلها الذي يُفهم منه عدم علوّ الكفر وغيره على الإسلام، لاندراجه ضمن «الغير» الذي لا يعلو على الإسلام، وعليه فالمراد بالعلوّ أحد احتمالات:
الاحتمال الأوّل: علو الشرف والرتبة، أي أنّ الإسلام يعلو غيره من الأديان شرفاً ومكانة، وهذا مستبعد لأمور:
أحدها: تبادر العلوّ الحسّي من كلمة «يعلو» وما كان قريباً من هذا العلو كالسلطة والسيطرة.
وثانيها: إنّه على هذا التقدير ينبغي أن يقال: عال، لا أن يقال: يعلو.
وثالثها: إنّه على هذا التقدير تصير الرواية بياناً لأمر بديهي ومن أوضح الأمور عند المسلمين.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد الإخبار عن زيادة شوكة الإسلام بحيث يتغلّب على سائر الأديان ويزداد أنصاره عنها، وهذا الاحتمال مردود:
أوّلاً: بأنّ هذا الإخبار ليس من وظيفة الشارع من حيث هو شارع.
وثانياً: عدم صحّته خارجاً، لاسيما وأنّه نفي ذلك مطلقاً وفي تمام الأزمنة.
الاحتمال الثالث: وبعد بطلان الاحتمالين الأوّلين، ينحصر تفسير الرواية بقصد الإنشاء والجعل التشريعي، وتكون تعبيراً عن الحكم الإلهي بعلوّ الإسلام في تمام الموارد، وبهذا يثبت عدم ولاية أو تسلّط الكافر على المسلم.
بل يمكننا تقوية دلالة الحديث بذيله الذي تحدّث عن أمور تشريعيّة مرتبطة بباب الإرث ومسألة الحجب، مما يعزّز السياق الإنشائي في الحديث.
وقد ذكر السيد الخوئي أنّ هذا الحديث فيه إجمال، إذ يُحتمل فيه ثلاثة احتمالات: أحدها علوّ الإسلام من حيث الحجّة والبرهان على غيره، وثانيها كونه أشرف المذاهب، وثالثها غلبته على سائر الأديان، وقد تابعه في طرح هذه الاحتمالات تلميذُه السيد محمّد صادق الروحاني، مضيفاً احتمالاً آخر وهو أنّ الإسلام لا يُنسخ، معتبراً أن تفسير المستدلّين لو لم يكن خلاف الظاهر فهو متساوٍ مع غيره( )، دون أن يلاحظ الخوئي والروحاني مثل أجوبة المراغي على بعض هذه الاحتمالات أو يردّا عليها، وفي موضعٍ آخر استظهر الروحاني احتمال الغلبة على سائر الأديان. فيما رجّح الخميني الصيغة الإخباريّة للحديث ضمن ثنائيّة الغلبة، كما في عصر المهديّ، أو الغلبة بالحجّة والبرهان، واعتبر السيد فضل الله أنّ المراد بالحديث هو رفعة الإسلام في نُظُمه وقوانينه وحججه.
وقد حاول السيّد البجنوردي تبنّي فكرة الغلبة مع إدخال تعديلات للفرار من مشكلة عدم مطابقة الرواية للواقع، مثل احتمال يوم القيامة، أو في عصر ظهور الإمام المهدي وما شابه ذلك.
أمّا السيّد محمد تقي القمي، فأورد على الدلالة بأنها تدلّ على علوّ الإسلام، ولا ملازمة بين علوّ الإسلام وعلوّ المسلم.
والذي نراه في الحديث أنّ المقطعين الواردين فيه، إمّا من باب ضمّ الرواية إلى الرواية، بمعنى أنّهما حديثان مستقلان، غايته أنّ الصدوق جمعهما، وإما مرتبطان ببعضهما من باب ضمّ المرويّ إلى المرويّ:
أ ـ فعلى الاحتمال الأوّل، وهو فرض انفصال المقطع الشاهد عن الجملة اللاحقة، وهو واقعٌ في نقل الروايات، تكون الرواية إمّا مجملة، حيث لا يُفهم منها معنى العلوّ، أو تكون ظاهرة في تقدّم هذه الديانة على غيرها في الحقّانية والأشرفيّة والحجّة والمضمون وما شابه ذلك؛ إذ هذا هو أقرب المعاني التي لا محذور فيها، بلا إدخال حساب الدنيا والآخرة مما لا شاهد له في لسان الرواية.
وانطلاقاً من ذلك، نعلّق على ما أفاده المحقق المراغي وغيره، وذلك:
أوّلاً: إنّ القول بأنّه على هذا التفسير تكون الرواية مبيّنةً لأمرٍ واضح عند المسلمين، فقد علّقنا مراراً على هذا الكلام في مواضع أخرى، وحاصله أنّ ما نعتبره اليوم بديهياً واضحاً من غير المعلوم أن يكون كذلك عصر النبيّ، فإن وضوحه لنا إنّما جاء من بيانه في ذلك العصر، وأبسط الواضحات اليوم لم تكن كذلك في الصدر الأوّل، بل صارت كذلك بعد بيانها في الكتاب والسنّة، خاصّة ونحن نتكلّم عن السنّة النبويّة. وقد لاحظتُ أنّ بعض الفقهاء قد تورّط في هذا الالتباس في غير موضعٍ في الفقه.
نعم، عبارة الصدوق لا تؤكّد أنّه يروي الحديث عن النبيّ، لكن قبله وبعده نصوصٌ نبويّة، مع احتمال أنّ الحديث يرويه عن غير النبيّ؛ لأنّه لا يصرّح بالمروي عنه، بل يقول: (قال عليه السلام)، ولعلّ الأرجح أنّه نبويّ.
ثانياً: إنّ القول بتبادر العلوّ الحسّي أو القريب منه، يبدو أغرب من سابقه؛ إذ بمجرّد أن يكون موضوع القضيّة أمراً معنوياً كالإسلام، ولم يقل المسلم، يصلح ذلك لوحده قرينة على استظهار غير المعنى الحسّي وما يقاربه للكلمة اللاحقة وهي «يَعلو»، لا أن تُفترض الكلمة قرينة على أنّ المراد بالإسلام هو المسلم مثلاً، فهذا أبعد عن الذوق العرفي، بل أيّ مانع أن يكون معنى الحديث: إنّ الإسلام يرتفع فوق غيره في الشرف والمكانة.
ثالثاً: إنّ القول بأنّ المفترض على هذا التفسير التعبير بـ «عالٍ»، وليس بـ «يعلو»، يمكن مناقشته بأنّ الفعل المضارع يفيد الاستمراريّة، فالرواية لا تريد بالفعل المعنى الحدثي المستبطن لحصول شيءٍ بعد عدمه، بل ثبوت الوصف للموضوع على نحو الاستمرار، وهذا مستعمَل كثيراً في اللغة العربية، تقول: الموضوع يتقدّم على المحمول، أي هو متقدّم دائماً، وتقول: حركة اليد تتقدّم على حركة المفتاح عند فتح الباب به باليد، في تعبير عن الحالة الدائمة لهذه الوضعيّة، وما شابه ذلك.
رابعاً: إنّ ما كثر تداوله بين بعض الفقهاء ـ كما فعله المراغي ـ من أنّ الشارع ليس من وظيفته الإخبار، هو من الأخطاء المنهجيّة التي وقع فيها جمع من الفقهاء؛ وذلك أنّه:
1 ـ إنّنا غير متأكّدين من أنّ المتكلّم هنا (النبيّ) كان يتكلّم بوصفه شارعاً؛ إذ هذا فرع استظهار الإنشائيّة، ولعلّه كان يريد الإخبار، كما أخبرنا عن أشياء كثيرة تحدث من بعده، وأخبرنا عن البرزخ والآخرة وآخر الزمان و.. فاستظهار الإنشائية ليس متفرّعاً على إحراز كونه شارعاً في هذه الجملة، لكن كونه شارعاً متفرّع على استظهار الإنشائيّة، فلا يوجد شيء اسمه أصالة الإنشائيّة في كلام المعصومين، نجريه حين الشكّ بدعوى أنّ المعصوم مشرّع، وكأننا لم نرَ في المعصوم إلا فقيهاً، مع أنّ نصف الأحاديث أو أقلّ بقليل لم يرد في مجال الأمور الشرعيّة.
واللافت أنّ الفقهاء في العادة ينظرون للقرآن الكريم على أنّ التشريع فيه هو الحالة الأقلّ جداً، لا تزيد عن نصف سدس القرآن أو ما نسبته الواحد إلى الإثني عشر، بينما في السنّة يعتبرون أنّ الأصل في النبيّ أو الإمام هو الجانب الشرعي الفقهيّ!
2 ـ لو سلّمنا أنّ الرواية ـ أيّ رواية ـ يتكلّم فيها المعصوم بوصفه مشرّعاً، فلا يعني ذلك أنه لا بدّ دائماً أن تكون إنشاءً لا إخباراً، إذ ما هو الدليل على ذلك؟
وفي هذا الصدد نرى أنّ المعصوم له شخصيّات عدّة، منها الشخصية التبليغيّة، ومنها الشخصيّة الحكوميّة، ونرى إضافة شخصيّة ثالثة له تتصل بالأحكام، لكنّها ليست بياناً إنشائياً للحكم، ونزعم أنّ جملةً من الروايات جاءت على هذا السياق، وهو ما نسمّيه «الشخصيّة الموضوعيّة»، نسبةً إلى موضوع الحكم أي ما يتصل به، فما المانع أن يخبر المعصوم أنّ ورق الشاي من غير المأكول ولا الملبوس، فيساعد بذلك على بيان الأحكام؛ لكي يعرف المسلم بعض مصاديق ما يجوز له السجود عليه وما لا يجوز، ولماذا افترض المعصوم مبلّغاً للكليّات فقط كأنّما أسقطنا عليه شخصيّة الفقيه المعاصر الذي اعتاد أن يعطي الفتوى بلا علاقة له بتحقّق موضوعها؟ ما المانع في أن يساعد المعصوم المكلّفين في تنظيم تطبيق الحكم عندما لا يتيسّر ـ في زمنٍ ما ـ لهم ذلك نوعاً؟ لنفرض أنّ معيار القصر والإفطار للمسافر هو التعب والمشقّة النوعية، وأنّ ذلك ثبت بدليلٍ ما، هل يكون تحديد المسافة بالأمتار أو بالزمن دليلاً على بطلان نظريّة التعب النوعي كما فعل بعض الفقهاء المعاصرين؟ ألا يمكن افتراض أنّ هذه النصوص قد جاءت لضبط التحقيق الميداني لإجراء الحكم في ذاك العصر ما دام مشكلاً مثلاً؟ أو يكون مساعدةً على هذا الضبط؟ إنّ تجاهل وجود هذه الشخصيّة في المعصوم أدّى إلى نشوء قاعدة أصالة الإنشائيّة الكلية فيه، وهي من الأخطاء التي لا يوجد برهان لصالحها.
خامساً: إنّ المعنى الإنشائي المفيد لقاعدة نفي السبيل، غير ظاهر من الرواية إطلاقاً، فإنّ هذا اللسان ليس لسان تشريع أحكام، بل لسان إخبار، والجملة الخبريّة وإن وقعت بمعنى الإنشاء أحياناً، أو كان ناتجها مفيداً لنا في معرفة الأحكام، إلا أنّ هذا الأمر لابدّ أن تكون عليه قرينة تفيد استظهاره، وإلا كان الكلام إخباراً. ولو كان ظاهر هذا الحديث هو الإنشاء بمجرّد هذا التركيب، فلماذا لا يستدلّون مباشرةً لصالح قاعدة نفي السبيل بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 33، والصف: 9؛ وانظر: الفتح: 28)؟!
وأمّا القول بأنّ الإخبار عن علوّ الإسلام لا يتناسب مع كون المخبِر يؤسّس في شريعته أحكاماً تفيد خفض الإسلام ودنوّه، فهذا صحيح، لكنّ مشكلته أنّه يحتاج للعبور من مفهوم علوّ الإسلام إلى مفهوم علوّ المسلم، فإذا كان المراد بعلوّ الإسلام مطلق علوّه بالمسلمين، فهذا مناقض للواقع؛ لأنّنا عندما نفرض الجملة خبريّةً، ثم نريد من إخبارها العبور الاستنتاجي نحو المعرفة الأحكاميّة بالطريقة الآنفة الذكر، فلا يمكننا التحرّر من الزاوية الخبريّة في الجملة، والمفروض أنّ هذه الزاوية دنيوياً ليست على إطلاقها، بل هي منقوضة، ولهذا يلزم تفسير الحديث بما يتناسب مع الإخبار غير المفضي إلى الكذب ومناقضة الواقع، وأيّ معنى نفرضه في هذه الحال لن يفضي إلى إثبات الانتقال لقاعدة نفي السبيل؛ لأنّ الإخبار عن علوّ الإسلام بالحجّة أو البرهان أو الشرف أو آخر الزمان أو القيامة أو عصر النبي أو غير ذلك، لا يمكن من خلاله الانتقال لكلّية قاعدة نفي السبيل كما هو واضح، فلابدّ من فرض الحديث يخبر عن مطلق العلوّ الخارجي للإسلام بالمسلمين، لننتقل إلى مطلق العلوّ الإنشائي، والمفروض أنّ مطلق العلوّ الخارجي غير واقعي، كما صار واضحاً.
بل لو سلّمنا بالإنشائية فقد يقال بأنّها غير منحصرة بإفادة قاعدة نفي السبيل؛ إذ لعلّ المراد إنشاء وجوب إعلاء الإسلام على المسلمين، فيجب عليهم أن يجعلوا الإسلام عالياً على سائر الأديان والأمم، كما احتمله الخميني، وإن قيل بأنّه يلزم أن يكون الحديث «ولا يعلَ»، وليس «ولا يعلى».
سادساً: إنّ فرضيّة أنّ المراد بهذا الحديث هو نفي النسخ، تبدو لي بعيدة، لأنّه لا يفهم العرف من هذا التعبير إرادة نفي النسخ، نعم قد يفهم منه معنى عاماً يكون عدم النسخ من مصاديقه، وهذا غير أن يكون المعنى والمدلول هو نفي النسخ.
وبهذا يظهر أنّه على احتمال انفصال المقطع ـ الشاهد من الرواية عن غيره، لا يُستفاد من الرواية قاعدة نفي السبيل.
ب ـ وأما على الاحتمال الثاني، وهو فرض اتصال المقطع الشاهد بالجملة اللاحقة، فإنّ فُرَص الإنشائيّة تغدو أكبر حينئذٍ، على أساس أنّ ذيل الحديث واردٌ في قضايا إنشائيّة تشريعيّة، وإن احتمل أيضاً من سياق ترتيب المقاطع أنّ النبيّ كأنّه كان يتكلّم بكلام طويل يقرّر فيه جملة قضايا منفصلة عن بعضها، بعضُها تشريعي وبعضُها غير تشريعي.
ومع تقرّر الإنشائيّة بقرينة السياق ـ مع استبعاد الاحتمال المذكور آنفاً ـ لا وجه لما أفاده بعضُهم من التفكيك بين الإسلام والمسلم، فإنّه لو لم نربط الذيل بالصدر، أمكن القول بأنّ الرواية تصدر قاعدةً تقضي بموجبها بعدم شرعية أيّ شيء يوجب علوّ غير الإسلام بوصفه ديانةً، وهذا ما يربط القاعدة بباب الجهاد والعلاقات الدولية، وأنّ استئجار الكافر للمسلم لا يُحرز أنّ فيه علوّاً للكفر على الإسلام بما هو إسلام، ومع الشكّ يكون التمسّك بالرواية أشبه بالتمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة له.
أمّا لو ربطنا الصدر بالذيل، فإنّ الرواية نفسها تطبّق القاعدة في مورد المسلم لا الإسلام، فيكون ذلك شاهداً على بطلان التفكيك المذكور، ويؤخذ حينئذٍ بإطلاق لسان الرواية لإثبات قاعدة نفي السبيل.
لكن ثمّة خصوصيّة هنا، وهي أنّه لو فرضنا في آية نفي السبيل أو غيرها، إمكان التخصيص وعدم تمنّعها عنه، كما قاله بعضٌ، لكن في المقام يبدو أنّ لسان الحديث آبٍ عن التخصيص؛ إذ لا يعقل أن يريد أنّ الإسلام يصبح دانياً ولو في بعض الحالات، خاصّة بمساهمة من المشرّع نفسه، ومعه ثمّة موارد يكون غير المسلم مسلّطاً فيها على المسلم وله نحو سلطنة، مثل حالات المعاهدات المسموح بها شرعاً والتي تعطي الكافر نحو سلطنة، ولو مؤقّتة، بل إنّ الكثير من أحكام أهل الذمّة (بل وأحياناً مطلق أهل الكتاب) فيها اعتراف بهذه السلطنة، مثل ضمان ما أتلفه المسلم لهم، وحقّ الزوجة من أهل الكتاب بالمهر والنفقة، بل حقوق الوالدين غير المسلمين في غير ما يُعصى الله به، وحالات اقتراض المسلم للكافر، وبعض النصوص تدلّ على ذهاب الإمام عليّ× للقاضي مع حكمه لصالح غير المسلم على أمير المؤمنين، وغير ذلك، فكيف يمكن فهم الأمر ضمن هذا السياق؟! وما الفرق بين الحجب وغيره؟!
وربما يقال بضرورة التمييز هنا بين ما يُقدم المسلم عليه فيلزم نفسه به، وما تجعله الشريعة للكافر عليه من سلطنة دون سبق ذلك بإقدامه هو على ذلك.
وقد حاول الفاضل اللنكراني الجواب عن هذه الإشكاليّة بالقول: «والجواب عن الأوّل وضوح كون الدليلين، سيّما الآية المشتملة على كلمة «لن» آبيين عن التخصيص؛ ضرورة منافاة لحنهما لعروض أيّ تخصيص عليهما. وعن الثاني مضافاً إلى النقض بما إذا أرادت المرأة المؤمنة تزويج نفسها من الكافر، فإنه لا فرق بينه وبين صورة الاقتراض بوجه، مع أنّهم لا يقولون بالجواز في النكاح.. أنّ منشأ التسلط في هذه الفروض أيضاً جعل الشارع وحكمه بلزوم أداء القرض إلى المقرض، وكون الإتلاف سبباً للضمان؛ ضرورة أنّه مع عدم هذا الجعل لم يكن المقترض ملزماً بالأداء، ولا المتلف ضامناً لماله أصلاً، فالإشكال لا يندفع بمثل ذلك. ويمكن الجواب عن النقض بأنّ عدم جواز تزويج المرأة المؤمنة نفسها من الكافر مستند إلى الروايات الخاصة الواردة في مورد، ولم يعلم أنّ الوجه فيه هي قاعدة نفي السبيل، بل يمكن أن يكون بملاك آخر لا يوجد في مثل الاقتراض والضمان»
وبعد أن تضح الموقف من الاحتمالين والنتائج المترتّبة عليهما يجب أن نتوقّف قليلاً عند احتمالية الاحتمال الأوّل، فإذا كان وارداً فسوف يربك الاستدلال بالحديث، ونقصد باحتماليّته معقوليّته العمليّة، وليس الفرضية المنطقية الخالصة فيه.
والذي يبدو أنّه احتمال معقول، ويشهد لذلك مجموعة شواهد متكاتفة:
الشاهد الأوّل: إنّ الحديث ورد في مصادر أهل السنّة، بل لعلّ أصله عندهم، وفي جميعها لم ترد فيه الجملة التالية، وهذا ما يعزّز أنّ الشيخ الصدوق ضمّ هذه الرواية إلى رواية أخرى، مستفيداً من التقريب والربط بينهما.
الشاهد الثاني: إنّ الحديث عن أنّ الصدوق يمارس الإدراج في الحديث الشريف شائع، وهذا من أخف ّ أنواعه إذا صحّ التعبير، فوجود مثل هذه الشبهة في الصدوق ولو لم تثبت توجب رفع الاحتمال.
الشاهد الثالث: إنّ الصدوق في هذا الحديث كان يسوق شواهد على فكرة معينة ولم يكن ينقل مجرّد الأحاديث مما يعزز احتمال أنّه حشد رواياتٍ عدّة مع بعضها، فلنلاحظ نصّه بدقّة حيث قال: «باب ميراث أهل الملل: لا يتوارث أهل ملّتين، والمسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم؛ وذلك أنّ أصل الحكم في أموال المشركين أنها فيئ للمسلمين، وأنّ المسلمين أحقّ بها من المشركين، وأنّ الله عز وجل إنّما حرم على الكفار الميراث عقوبة لهم بكفرهم، كما حرّم على القاتل عقوبة لقتله، فأمّا المسلم فلأيّ جرم وعقوبة يحرم الميراث؟! وكيف صار الإسلام يزيده شراً؟ مع قول النبي‘: الإسلام يزيد ولا ينقص. ومع قوله‘: لا ضرر ولا إضرار في الإسلام. فالإسلام يزيد المسلم خيراً، ولا يزيده شراً، ومع قوله×: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. والكفّار بمنزلة الموتى، لا يحجبون ولا يرثون. وروي عن أبي الأسود الدئلي أنّ معاذ بن جبل كان باليمن فاجتمعوا إليه، وقالوا: يهوديٌّ مات وترك أخاً مسلماً، فقال معاذ: سمعت رسول الله‘، يقول: الإسلام يزيد ولا ينقص، فورث المسلم من أخيه اليهودي..».
الشاهد الرابع: إنّ قسماً من الجملة الأخيرة من الحديث ورد لوحده منفصلاً في مصادر أهل السنّة أيضاً، مرويّاً عن الإمام عليّ×، فقد روى الدارمي (255هـ) بسنده إلى «الحكم عن إبراهيم، أنّ عليّاً وزيداً قالا: المملوكين وأهل الكتاب لا يحجبون ولا يرثون»( ). ومثله ورد في مصادر عديدة أخرى. فلعلّ الصدوق أخذ الروايتين عن عليّ منفصلتين.
الشاهد الخامس: إنّ جميع فقهاء الإماميّة المتقدّمين نقلوا ـ فيما يبدو ـ هذا الحديث من دون ذيله في كتبهم الفقهيّة فراجع وتأكّد من ذلك، وهذا يشي بأنّهم لم يأخذوا هذا الحديث على أنّه مركّب من جملتين، بل من الجملة الأولى فقط، ولعلّهم اعتبروه سنيّاً فاعتبروا أنّ الصدوق أخذه من مصادر أهل السنّة، وليس فيها الذيل، فيكون الحديث مستقلاً عن ذيله.
الشاهد السادس: العطف بالواو بين الجملتين، بينما المناسب أكثر لو كانتا متصلتين، أن يكون العطف بفاء التفريع.
بهذه العناصر نجد معقوليّة احتمال ضمّ الرواية إلى الرواية هنا، فيصعب استظهار المدلول الإنشائي من الحديث، فلا يكون دليلاً على قاعدة نفي السبيل، وهذه العناصر تعطي المعقوليّة وإن لم تكن قويّةً بحيث ترفع مستوى الاحتمال جدّاً.
وعليه، فبناء على الاحتمال الثاني، لا يكون الكلام سوى في حجيّة الرواية نفسها، وقد تقدّم عدم ثبوتها، بل حتى مع ثبوت سندها لا نعتمد عليها لوحدها، لما تقرّر في مباحث أخبار الآحاد عندنا من عدم حجية إلاّ الخبر المطمأنّ بصدوره، خاصّة في القضايا الخطيرة، وهذه منها؛ لأنّ الرواية هنا تشكّل قاعدة كبرى في الفقه الإسلامي.
هذا كلّه في النبويّ المشهور، وقد ذكرت روايات أخرى يرجع معظمها إلى أنّ الله لا يرضى الذلّ لعبده المؤمن، وهو أمرٌ مستفاد من النص القرآني أيضاً، وهي روايات موجودة في المصادر الشيعية والسنيّة، إلاّ أنّها ـ كما قلنا سابقاً ـ حتى لو تمت سنداً أجنبيّة عن المقام؛ لعدم صدق الذلّ وأمثال ذلك على أكثر موارد قاعدة نفي السبيل كالإجارة وبيع المصحف وأمثال ذلك، هذا والعديد من هذه الروايات بصدد الحثّ على طلب العزّة.
نعم، يمكن أن تكون بعض مصاديق التشريعات المنسجمة مع قاعدة نفي السبيل من العزّة، لكن يقتصر فيه على دليله، وذلك من نوع الخبر الذي رواه عبد الرحمن بن أعين، عن أبي جعفر×، في النصراني يموت وله ابنٌ مسلم، قال: «إنّ الله عزّ وجل لم يزدنا بالإسلام إلا عزّاً، فنحن نرثهم ولا يرثونا»( ). فقد رتّبت على العزّة حرمانهم من الإرث وثبوته لنا، فنأخذ بهذا الذي أشارت إليه الرواية، وأمّا غيره فننظر لما يُثبته العرف والعقلاء، بل لو دلّت هذه الرواية على شيءٍ كلّي، فليست سوى خبر آحادي، وبعض طرقه ضعيف بموسى بن بكر، وبعضها الآخر بمحمد بن سنان، وإن كان هناك طريق ثالث معتبر.
والنتيجة أنّ إثبات قاعدة نفي السبيل بعرضها العريض، بعددٍ محدود من أخبار الآحاد التي تخضع لمناقشات سنديّة ودلاليّة غير تامّ.
ثالثاً: المنطلق التوافقي (دليل الإجماع والشهرة)
تمسّك غيرُ واحد من العلماء هنا بالإجماع، على أساس أنّهم أجمعوا على أنّه لم يجعل في الإسلام حكمٌ يوجب علوّ الكافر على المسلم، وهذا يعني أنّهم استنتجوا الإجماع من عمليّة استقرائيّة موسّعة في النتائج الفقهيّة للفقهاء، فرأوا أنّنا لا يمكن أن نعثر على حكمٍ فقهي يوجب علوّ الكافر على المسلم، بل العكس هو الصحيح مثل عدم تزويج المسلمة من الكافر، وعدم جواز ملك الكافر للعبد المسلم، وحرمة بيع المصحف للكافر وغير ذلك، فنستنتج من ذلك اتّفاق الفقهاء على روح القاعدة، وإلا لوجدنا لهم مواقف فقهيّة ناقضة لها.
يقول المحقق المراغي: «الإجماع المحصّل القطعي الحاصل من تتبّع كلمة الأصحاب في المقامات التي ذكرناها في الباب، فإنّهم متسالمون على عدم وجود السبيل للكافر على المسلم، ويرسلونه إرسال المسلّمات من دون نكير، وهذا كاشف عن رضا الشرع بذلك وحكمه به. وثانيها الإجماعات المنقولة حدّ الاستفاضة، بل التواتر من الأصحاب ـ كما لا يخفى على المتتبّع ـ المؤيّدة بالشهرة العظيمة البالغة حدّ الضرورة»
ولكنّ الاستناد لهذا الإجماع المحصّل أو المنقول، بل للشهرة، يواجه مشاكل، أهمّها:
أوّلاً: إنّه غير محرز تاريخيّاً (صغروياً)؛ إذ لم تطرح قاعدة من هذا النوع في كتب الفقهاء المتقدّمين، بل وقسم من المتأخّرين، فكيف يُحرز هذا الإجماع؟! مضافاً إلى أنه لو أريد استكشافه فلابدّ أن يكون ذلك عبر متابعة الموارد التطبيقيّة لقاعدة نفي السبيل، وهي موارد لا يحرز إجماعٌ فيها، فقد اختلفوا في مسألة بيع المصحف وبيع العبد المسلم للكافر واستئجار الكافر للمسلم، ولم ينعقد إجماع فيها، وفي المواضع التي انعقد عليها إجماع لا نُحرز أنّ هذا الإجماع كان على أساس مفهوم نفي السبيل، بل يلوح من كلامهم أحياناً أنّه على أساس دليل موردي خاصّ، مثل عدم جواز نكاح الكافر للمرأة المسلمة، أو ما يتعلّق بباب القصاص، وأنه لا يُقاد مسلم بكافر، أو ما يخصّ باب الإرث، فإنّ هذه الموارد وردت فيها أدلّة خاصّة، فلعلّها هي التي كانت مورد إجماع الفقهاء وسببه.
ومعه، لا يُحرز إجماعٌ في هذا المضمار، إلاّ عن طريق الحدس به والتحليل النظري، وهو غير حجّة ما لم يبلغ درجة الوضوح في النسبة إليهم. نعم، يمكن القول بانعقاد إجماع المسلمين على الأخذ بالقاعدة في باب الجهاد والعلاقات الدولية والمجتمعيّة، فهذا ما يُطمأنّ به على مستوى التتبّع التاريخي.
ثانياً: حتى لو انعقد هذا الإجماع ـ ولو في دائرة باب الجهاد والعلاقات العامّة ـ لا حجيّة له؛ لاحتماله المدركيّة جداً، مع وجود الأدلّة الأخرى هنا، وهي بمرأى منهم ومسمع، ومعه يسقط عن الحجيّة، فما أفاده الشيخ اللنكراني من مناقشة هذا الإجماع بالمدركيّة، صحيح.
رابعاً: المنطلق العقلي والاعتباري
استند بعض العلماء إلى العقل أو الاعتبار أو الضرورة هنا، كما استندوا إلى ما أسموه مناسبات الحكم والموضوع، وكذا تنقيح المناط، ليعمّموا المفهوم من بابه المتيقّن، وهو مثل هيمنة الكفار على بلاد المسلمين، إلى موارد أخرى.
يقول المحقق المراغي: «ورابعها ما دلّ من الأدلّة الخاصّة في بعض الموارد، كباب النكاح، فإنّ النصوص قضت بعدم جواز تزويج المؤمنة للكافر، وغير ذلك مما دلّ على اشتراط الإسلام في الوليّ على المسلم، فإنّ المستفاد منها أنّ العلّة في ذلك كلّه عدم رضا الشارع بتسلّط الكافر على المسلم، فيتسرّى إلى سائر المقامات بتنقيح المناط، أو بالعلّة المنصوصة المستفادة من كلام الشرع، وإن كان من حيثيّة تعليق الحكم على الوصف. وأظنّ ورود التعليل صريحاً في روايات النكاح، فينبغي الرجوع إليها».
وقد سبق أن عرضنا لهذه المقاربات، فلا نعيد، بل نشير فقط إلى أنّ حكم العقل بكمال شريعة الإسلام وجامعيّتها، وأنّها لا تُنسخ، وأنّ الإسلام أشرف الديانات، وأنّ المسلمين أشرف الخلق، وكذا تنقيح المناط وغيره، لا يفيد قاعدة نفي السبيل، نعم قد يفيد المقدار الأضيق كما في باب الجهاد، وكذا القول بأن الله تحدّث عن العزّة في القرآن وأنه بمناسبات الحكم والموضوع لا بدّ من الأخذ بقاعدة نفي السبيل، فإنّ هذه الوجوه لا ترجع إلى محصّل كما قلنا سابقاً.
بل الاستقراء الذي مارسه المراغي هنا لا ينفع؛ وذلك لأنّ هذه الموارد لو كانت ذا صلة بقاعدة نفي السبيل، لكنّا أمام احتمالين: أحدهما ثبوت القاعدة بعرضها العريض، وثانيهما ثبوت القاعدة بمعنى نفي ما يلزم منه ذلّة المؤمنين والإيمان، وكون هذه الموارد في ذلك الزمان مصداقاً عرفيّاً وعقلائيّاً لذلك، فجرى تحريمها لا بعنوانها، بل بعنوان كون هذه المصاديق ـ كزواج المسلمة من الكافر، وولاية الكافر على الصغير أو الصغيرة المسلمَين ـ عيّنات ميدانية بحسب أعراف ذلك الزمان للهوان والمذلّة للمؤمنين، فلماذا رجّح المراغي الاحتمال الأوّل على الثاني، رغم أنّه ربط بين القاعدة وبين هذه المصاديق، والمفروض أنّ القدر المتيقّن من القاعدة والمتفق عليه بين الجميع هو حالة تحقّق الذل والهوان وزوال العزّة والكرامة؟!
ليس أمام المراغي هنا سوى إطلاق النصوص الواردة في المصاديق، وهو إطلاق غير تامّ بعد فرض ارتباط القاعدة بهذه المصاديق، بما يفتح احتماليّة وجود مقيّد لبّي سياقي تاريخي، وقد حقّقنا في محلّه أنّ فرضيّة هذا النوع من المقيّدات يوجب الأخذ بالقدر المتيقّن من الأدلّة.
نعم، مثل هذه الوجوه تفيد عندما تطبّق على الجماعة الإسلاميّة، وهذا واضح لدى الفقهاء من خلال تراكم نصوص كثيرة لا تسمح بذلّة الأمّة الإسلاميّة دون حاجة لقاعدة نفي السبيل بعرضها العريض، كما تفيد في كل ّمورد نحرز فيه عرفاً وعقلائيّاً أنّه مصداق لعزّة الكفر على الإسلام أو لهوان المسلمين أو نحو ذلك، وهو أمر يختلف باختلاف الزمان والمكان والظرف والحال.
نتيجة البحث في مبدأ العلوّ أو قاعدة نفي السبيل
الذي توصّلنا إليه من مجموعة الأبحاث السابقة في هذه القاعدة أنّه لا وجود لقاعدة فقهيّة أو دينيّة عامّة باسم قاعدة نفي السبيل بعرضها العريض، وأنّ ما تعطيه النصوص الدينيّة هو ثبوت هذه القاعدة بوصفها قاعدة في علاقات الجماعات ببعضها، فلا يُسمح بذُلّ المؤمنين والإيمان، أو بضعفهم وهوان مجتمع المؤمنين، وبهذا نبني على صحّة هذه القاعدة بأدلّة مشروعيّة الجهاد الدفاعي نفسها أيضاً، وبنصوص اُخَر، فتكون جارية في باب العلاقات الدوليّة والمجتمعيّة، وتؤسّس لمبدأ الاستقلال والتحرّر، ولها دور كبير في صياغة شكل العلاقات الدبلوماسيّة بين الدول المسلمة وغيرها.
بل لو عمّمناها، فهي تنفع في كلّ حالةٍ يصدق فيها عرفاً وعقلائيّاً أنّ الإيمان والمؤمن بما هو مؤمن، وقع في الذلّ والهوان والضعف والانكسار، فقيد الإيمان في المؤمن هنا ضروري؛ لأنّ النصوص الدالّة على عزّة الإسلام والإيمان والمؤمن والمؤمنين ونحو ذلك ناظرة لعدم ذلّتهم من حيث هم مؤمنين، فلو أنّ الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة لم تعد تلاحظ هذا الانتماء الديني، فإنّ العنوان هنا يتغيّر، ولا يصدق أنّ هذا المؤمن صار ذليلاً وغير عزيز من حيث هو مؤمن، ولا أنّ إيمانه صار ذليلاً، ولهذا لا تخرق قوانين الجنايات والجزاء، وكذا قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا قواعد التربية الاُسريّة، وكذا كلّ أنواع السلطنات بين المؤمنين أنفسهم.. لا تخرق مفهوم عزّة المؤمن وقيمة الإيمان؛ لأنّها لا تنظر ولا تلاحظ في الزاوية الاجتماعيّة عنصر الإيمان، بحيث يصبح هذا العنصر هو الذليل غير العزيز، وإلا لزم تجميد كلّ هذه الأدلّة؛ لأنّها تستبطن نوعاً من ذلّة المؤمن أو المسلم، والتخصيص يكاد يكون مستهجناً عرفاً هنا.
توابع القاعدة (المرجع في التشخيص/حدود القاعدة والعلاقة بين المذاهب)
ثمّة توابع لا بدّ من رصدها لهذه القاعدة وفقاً لما فهمناه منها، وأبرز هذه التوابع هو الآتي:
أوّلاً: من هو الذي يعيّن أنّ الحالة الفلانيّة مما يصدق عليه أنّها نحو تسلّط للكافرين على المسلمين أو لا؟
إذا قلنا بأنّ مجرى هذه القاعدة في الشأن العام المجتمعي فقط، فهذا معناه أنّ من له ولاية الشأن العام هو الذي يكون المخوّل البتّ في التشخيص، تبعاً لحدود وسعة ولايته؛ لأنّ هذا هو مفاد دليل جعل الولاية له، بينما لو قلنا بأنّ هذه القاعدة تجري مطلقاً فإنّ المخوّل في ذلك في غير الشأن العام، هو المكلّف نفسه، تبعاً لتشخيصه الواقعي، مستنداً فيه إلى وعي كامل بالموضوع أو راجعاً فيه إلى أهل الخبرة بما يحصل له منهم الوثوق.
وبهذا لا يكون تشخيص الفقيه أو المرجع حجّةً في حقّ المكلّف، بل ولا حتى وليّ الأمر مادامت ولايته غير شاملة لهذه الدائرة أو تلك، وفرضنا أنّه لم يصدر حكماً ولائيّاً أو أصدره ولم نرَ حجيّة حكمه الولائي في هذه الدائرة، وهذا ما يفرض تغيير الفتاوى وصيغها إذا كانت منبثقةً عن مثل هذه القاعدة فقط، لتصبح معلّقةً بدل أن تكون منجّزة، فبدل أن يقول: يحرم على المؤمن إجارة نفسه للكافر، يلزمه أن يقول: يحرم على المؤمن إجارة نفسه للكافر إذا لزم من ذلك هوان الإيمان أو المؤمن أو جماعة المؤمنين، وهكذا.
ثانياً: هل يمكن تسرية القاعدة لغير علاقة المسلمين بالكافرين، مثل علاقة المؤمنين ببعض الفرق غير الصحيحة أو ما يسمّى بالضالّة أو المنحرفة، أو علاقة المذهب الحقّ عند المكلّف بسائر مذاهب المؤمنين؟
ميّز الشيخ عليدوست هنا في الجواب بين المباني الاستدلاليّة، فإذا بنينا على مرجعيّة غير العقل في إثبات القاعدة، لزم القول بالاختصاص بالعلاقة بين المسلم وغيره، أمّا لو بنينا على مرجعيّة العقل في القاعدة على أساس حماية هويّة المسلمين وهدايتهم، فلا معنى للتخصيص بالكافر؛ لأنّ حكم العقل لا يقبل التخصيص.
إلا أنّ الكلام هنا في أصل تقريب دليل العقل؛ فقد جيّره الشيخ عليدوست لمفهوم الهداية والضلالة والهويّة الإيمانيّة، مع أنّ هذا ليس هو المطابق العيني المنتج لقاعدة نفي السبيل، بل هو دليل آخر ينتج قاعدةً أخرى، فقاعدة نفي السبيل تدلّ على حماية المسلمين ومكانتهم وتفوّقهم وعزّتهم وعدم سلطة الكافر عليهم جماعةً أو فرداً، ومن نتائجها حفظ الهويّة وحماية الدين، بينما قاعدة حفظ الهويّة الدينية والإيمانية هي في الحقيقة قاعدة أخرى، يجب فصلها عن هذه القاعدة؛ إذ من الممكن تسلّط الكافر على المسلم دون أن يكون هناك تهديد للهويّة، والعكس صحيح، فالدليل العقلي يتصل بالقاعدة في بعض مصاديقها لا أنّه يُنتجها.
من هنا نرى أنّ الصحيح هو عدم انطباق قاعدة نفي السبيل، وفقاً لمفهومها وأدلّتها، على العلاقات بين المذاهب الإسلاميّة، ولو كان هناك من محدّدات لهذه العلاقات، فهي قاعدة أخرى يجب فصلها تماماً عن هذه القاعدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى