فلسطينيو سورية: الحلقة الأضعف في مواجهة الأزمات

السياسي – تُعرّف أدبيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) المخيمات الفلسطينية بأنها “قطع من الأراضي خصصت لبناء معسكرات من الخيام لتجميع اللاجئين الفلسطينيين، الذين ليس لهم مأوى وليس لهم قدرة على العمل وإعالة أطفالهم وتأمين لقمة العيش لهم، وتعود ملكيتها للحكومة المضيفة أو مستأجرة من أصحابها لمدد متفق عليها بين الطرفين”. أما اللاجئ الفلسطيني، في هذه الأدبيات، فهو “الشخص الذي كانت فلسطين مكان إقامته العادية لفترة لا تقل عن سنتين، قبل نشوب النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في عام 1948 مباشرة والذي فقد من جراء ذلك النزاع دياره ومورد رزقه وأرضه”.

بانتظار عودة ظنوا أنها لن تطول، رفض كثير من اللاجئين التخلي عن الخيام، وبعد يأس تحرروا تدريجيا من حالة الانتظار، محاولين التأقلم مع وضعيتهم كلاجئين. تمت الاستعاضة عن الخيام بغرف مبنية من اللبن، صُنعت سقوفها من القصب والخشب وحصائر القش والتراب. وقد بنت “أونروا” بعض هذه الغرف، وبنى اللاجئون أنفسهم بعضها الآخر، إما بمساعدة نقدية أو عينية من الوكالة أو من دونها. عموما، افتقرت مخيماتهم للتنظيم والبنى التحتية المخطط لها مسبقا، ولا سيما مع اكتظاظ المخيمات بأعدادهم المتزايدة في ظل مساحة كانت محدودة، لم تتح الحكومات العربية غالبا فرصا لتوسيعها.

الفلسطينيون في سورية

مقابل واجبات كاملة، نال الفلسطينيون السوريون حقوقا شبه كاملة (باستثناء الجنسية وحقَيّ الانتخاب والترشح، وقيود على الملكية والسفر تفاوتت تبعا للتقلبات السياسية في مراحل مختلفة)، وكان مجالهم السوسيولوجي نسبيا الأكثر استقرارا مقارنةً ببقية دول اللجوء، وشكّل القاعدة العسكرية والديمغرافية الأوسع للمشروع الوطني الفلسطيني في مراحل مختلفة. اندمج هؤلاء في سوق العمل، في القطاعين العام والخاص، وتشابك النسيجان الاجتماعيان، الفلسطيني والسوري، ولا سيما في مناطق تجمعات الفلسطينيين خارج المخيمات التي لم تكن تجمعات محدودة، أما تجمعهم الأكبر؛ مخيم اليرموك، فتحول إلى أحد أهم أسواق دمشق، مع ذروة الاستثمارات العقارية والتجارية التي هزّت ديمغرافيا المخيم منذ التسعينيات.

يتوزع 33% من اللاجئين الفلسطينيين على المحافظات السورية، بينما استأثرت محافظتا دمشق وريفها بـ 67% من مجموع هؤلاء، يقطن أغلبهم في مخيم اليرموك، الذي أدى تشكيل لجنة محلّية خاصة به (بلدية) في عام 1964 إلى توقف “أونروا” عن الاعتراف به، من دون قطع خدماتها التي تقلّصت باستمرار. تكفّل اللجنة بشؤون المخيّم، واستمرار خدمات “أونروا”، وإمكانية توسع أحيائه خارج الأرض المخصصة له، كانت سببا للتميّز النسبي في مرافقه، وبُناه التحتية، عن باقي المخيمات، في دمشق وريفها وفي غيرهما من المحافظات، التي اعتمدت على “أونروا” فقط.

اللاجئون والحرب السورية

مع ربيع عام 2011، وانطلاق الحراك الشعبي سلميا في سورية، بدأت تجمعات اللاجئين الفلسطينيين ترزح تحت ضغط استقطاب حاد بين الحكومة والمعارضة، وبالنظر إلى تشابك الوضعيتين الاجتماعيتين، السورية والفلسطينية، وكما انقسم السوريون بين مؤيد ومعارض، تقاسم الفلسطينيون كلا الموقفين، وتبين أن مساعي تحييد المخيمات الفلسطينية عن الصراع الدائر في سورية، لم يكن سوى ضرب من لا واقعية سياسية. ولم يقتصر الانقسام الفلسطيني على المستوى الشعبي، بل طاول الارتباك المستوى الفلسطيني الرسمي، ولم تجتمع الفصائل الفلسطينية العاملة في سورية على موقف موحد من المسألة السورية.

مع إجهاض الحراك الشعبي السلمي في سورية، واتجاه الأمور بوتيرةٍ متسارعةٍ نحو العسكرة، والانحدار في حرب أهلية، اجتاحت البنادق متعددة الألوان المخيمات، فخضعت لحصار من الداخل والخارج، في ظل نقص حاد في الماء والغذاء والخدمات الأساسية، قضى بسببه مئات الفلسطينيين، مع عراقيل مستمرة، منعت دخول المساعدات الإنسانية الغذائية والطبية، وإجهاضات متكرّرة لتفاهمات التسوية وفك الحصار. لاحقا، دمّرت مخيمات فلسطينية تحت وطأة المعارك وقصف الطائرات ونيران غيرها من أسلحة متنوعة لم تكن دائما عشوائية.

مئات اللاجئين الفلسطينيين من الجنسين، ومن أعمار مختلفة، قتلوا، أو عذّبوا، أو اختطفوا، أو غيّبوا قسريا، ويعيش معظم الباقين منهم في فقر مطلق، تحت معاناة من غلاء مطّرد في الأسعار، وفقدان سبل كسب العيش، وارتفاع معدلات التضخم وتناقص قيمة الليرة السورية، وتقلبات أسعار السلع الأساسية، وتدمير المنازل والبنى التحتية. وكان عليهم لتوفير المأوى الاختيار بين مراكز الإيواء، أو دفع أسعار إيجار باهظة لمنزلٍ متواضعٍ تشاركته، في أحيانٍ كثيرة، أكثر من عائلة. ذلك وغيره هو حالهم في ظل عجز المستوى الفلسطيني الرسمي، ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية، والفصائل الفلسطينية، عن القيام بدور فاعل، وتراجع حاد في خدمات “أونروا”، الجهة الدولية المسؤولة مباشرة عن اللاجئين الفلسطينيين (حوالى 600 ألف في سورية بحسب المصادر الرسمية الفلسطينية) بعد تعثرها ماليا وإداريا، وعجزها عن توفير حد مناسب من المساعدات في المجالات المختلفة.

غالبية اللاجئين المهجرين من مخيماتهم نزحوا إلى مناطق أكثر أمنا داخل سورية، ورغم إغلاق الحدود في وجوههم، وعقبات عدم منحهم تأشيرات مرور، استطاع الخروج من الأراضي السورية حوالى 190 ألفا، اجتاز المتوسط باتجاه الشمال الغربي 120 ألفا (ومنهم من قضى نحبه غرقاً قبالة شواطئ ليبيا ومالطا)، واكتفى 70 ألفا بالعبور إلى دول الجوار، ومصر وغزة، عانوا من التضييق عليهم في ظل أوضاع قلقة ولا إنسانية. وبالإضافة إلى انعكاسه سلبا على اللاجئين الفلسطينيين من الناحية الإنسانية، كرّس تفتيت مجالهم السوسيولوجي، وتعاظم المسافة الجغرافية بينهم وبين حدود وطنهم المحتل، مسافة سياسيةً بينهم وبين استكمال مشروعهم الوطني، واستعادة حقهم في العودة.

مخيمات اللاجئين و”إعادة إعمارها”

مثلت المخيمات الفلسطينية قاعدة اللاجئين الاجتماعية والاقتصادية التي أسسوها وطوروها خلال عقود، وكانت شواهد ماديّة على نكبتهم، ورمزا قانونيا وسياسيا لوضعيتهم كلاجئين، وصندوقا لصون قضيتهم، وقيمهم الوطنية، وحقّهم في العودة. لقد أضرّ التهجير والنزوح، بالخصوصية الفلسطينية، حين فكك مجتمعاتهم وعناوين لجوئهم، وشغلهم بالبحث عن الهجرة، وسبل العيش الآمن في الداخل والخارج.

تعرضت غالبية المخيمات للقصف، وأصبح عدد منها منكوبا، بنسب دمار تراوحت بين 70% و90%، ومنذ انتهاء العمليات العسكريّة في المخيّمات ومحيطها، لم تشهد تلك المناطق تحرّكات هامة باتجاه إعادة إعمارها. فبعد أربع سنوات على تدميره، لم يشهد مخيّم حندرات، أي عمليّة إعادة تأهيل لأي من مبانيه أو بناه التحتية، ولم ترمم “أونروا” فيه أياً من مدارسها ومنشآتها، بحجة أنه منطقة لا تزال غير آمنة، وفي حين عادت إليه رغم ظروفه المزرية حوالى 70عائلة من سكانه (8 آلاف نسمة)، واصل معظم سكانه حياة النزوح. ولا تزال وعود إعادة الإعمار التي تعلنها جهات سورية وفلسطينية تذهب أدراج الرياح. كذلك الحال بالنسبة لمخيمي اليرموك ودرعا.

مخيم اليرموك هو اليوم منطقة عسكريّة مغلقة، يُمنع دخولها دون تصريح أمني لمدة زمنية محددة تكفي لتفقد المنازل المدمرة، أما تلك التي لا تزال صالحة للسكن فمنع أصحابها من ترميمها والعودة إليها. ووفق مصادر غير رسمية بقي في المخيم حوالي 40 عائلة رفضت الخروج منه، على الرغم من عدم توفر مقومات الحياة، من ماء وكهرباء وغيرها من بنى تحتية. ويخشى أهالي المخيم من مخطط تنظيمي يُسقط عن مناطقهم صفة المخيم، ويعدّه حيا من أحياء العاصمة دمشق، خصوصا بعد حل اللجنة المحليّة لمخيّم اليرموك، وإحالة صلاحياته إلى محافظة دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2018.

هجّرت قسريا إلى الشمال السوري، 1400 عائلة تجمّعت في مخيّمات التهجير في مناطق: دير بلّوط، أعزاز، عفرين، ومناطق أخرى في إدلب، الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية المسلحة، فشاركوا غيرهم من مهجرين شروط إيواء غير مناسبة ولا إنسانية، معتمدين على معونات محدودة تقدّمها الهيئات الإغاثية العاملة في الشمال، في حين لا يتلقّون أي مساعدات من “أونروا”، مع حرمانهم من خدماتها التعليمية والصحيّة.

جائحة كورونا

وفق هنريتا فور، المديرة التنفيذية لـ “يونيسيف”، فإن 6.5 ملايين سوري يعانون الجوع يوميا بسبب انعدام الأمن الغذائي، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية 20 ضعفا منذ عام 2011، ورأت في ذلك أمرا مدمرا لبلد يعيش 80% من سكانه تحت خط الفقر. وبحسب “أونروا” فإنّ 91% من أسر اللاجئين الفلسطينيين في سورية، يكابدون الفقر المطلق (أقل من دولارين في اليوم)، في حين تم تحديد 126 ألف لاجئ كضعفاء للغاية، وذلك في تقرير النداء الطارئ الصادر عنها مطلع عام 2020 الجاري، ما يجعلهم وفق ما تشير إليه الأرقام، الشريحة السكانية الأكثر هشاشة في سورية، بالنسبة لحجمها وظروفها الخاصة، وبالتالي الشريحة الأكثر تأثرّاً بما تشهده البلاد من أزمات متصاعدة، بدءا بالحرب وتبعاتها.

أبناء المخيمات المدمرة هم ضمن دائرة الأكثر ضعفاً، بعد أن فقدوا جلّ ما أسسوه طوال عقود لجوئهم داخل مخيّماتهم من منازل ومصادر رزق، وكافة مقومات حياتهم الماديّة والمعنويّة. ويعاني اللاجئون الفلسطينيون في سورية، سواء من هم داخل المخيّمات أم خارجها، أوضاعاً معيشيّة شبه معدمة، جرّاء انتشار البطالة التي تجاوزت عتبة 60% في معظم المخيّمات، فيما يكابد المهجّرون عن مخيّماتهم (%40 من اللاجئين) مصاعب حياتيّة إضافيّة لدفعهم إيجارات المنازل.

وإثر الإجراءات التي أعلنتها الحكومة في دمشق، لمواجهة تفشّي فيروس “كورونا”، توقّفت معظم الأعمال، وتأثّر اللاجئون بشكل ملحوظ بالإجراءات الوقائيّة، التي تفرض على السكّان البقاء في المنازل، وخصوصاً من يزاولون أعمالهم في أماكن تشهد تجمّعات كبيرة، كالورش الصناعيّة والمطاعم والمرافق الخدميّة، مما أفقدهم مصادر دخلهم في ظل تعاظم التحديات الاقتصادية التي تواجههم من مأكل ومسكن وملبس وتدفئة ورعاية صحية، مما يعني مزيدا من العجز وانعدام الأمن الاقتصادي.

تجاوبت “أونروا” مع الإجراءات الحكومية، فعطّلت مدارسها، واختصرت أوقات الدوام في مؤسساتها، واتبعت نظام المناوبة في مؤسساتها المختلفة، كما قامت بتعقيم بعض المدارس التابعة لها، لكن منازل اللاجئين وأزقة مخيماتهم بقيت خارج نظام التعقيم، كما خلت المخيمات من أي قسم صحي مجهّز للتعامل مع فيروس كورونا، بما فيها الغرف المخصصة للحجر الصحي. أيضا، عجزت “أونروا” عن تقديم مساعدات ماليّة فوريّة أو إغاثيّة، وتوزيع مستلزمات الوقاية كالمنظفات والكمامات وسواها، التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، لمساعدة اللاجئين على الصمود والالتزام بالإجراءات الوقائية، في حين أنّ معونتها الماليّة (توزّع كل 3 أشهر) لا تكفي أساسا لسد الاحتياجات الشهرية لأسرة مكوّنة من 4 أفراد، خصوصا بعد أن توقفت الوكالة عن توزيع السلل الغذائية على جميع اللاجئين وقصرتها على الأسر والأشخاص الأشد عوزا.

إما توفير القوت اليومي أو توفير سبل الوقاية من “كورونا”، يضطر اللاجئون الفلسطينيون إلى التضحية بأحدهما في سبيل الآخر، هكذا تمضي بهم خياراتهم غير العادلة، في ظل أزمات سورية متلاحقة هُمْ فيها الحلقة الأضعف بين مطرقة واقع مرير وسندان مصير مجهول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى