فلسطين: تفاؤل حذر تجاه إمكانية نجاح “الانتخابات”

محمود أبو عواد- على الرغم من الصورة الوحدوية التي ظهرت في ختام جلسات الحوار الوطني الذي انعقد في العاصمة المصرية القاهرة ليومين متتاليين ( 8 – 9 فبراير/ شباط الجاري)، وإصدار بيان ختامي يتعلق بالانتخابات والحريات العامة وغيرها من البنود المتعلقة بها ويبعث فحواه على التفاؤل، إلا أن التفاؤل الحذر هو السائد لدى المراقبين والمتابعين وحتى في أوساط الشارع الفلسطيني الذي عاش تجارب سابقة لسنوات فشلت فيها جلسات مماثلة لمحاولات إنهاء الانقسام.

ويبدو أن الضغوط العربية والدولية ومطالبات تلك الجهات بضرورة تجديد الشرعيات من خلال انتخابات عامة، إلى جانب بعض اللقاءات الثنائية بين حركتي “فتح” و”حماس”، والتي كان آخرها في القاهرة اليوم الأربعاء، أثمرت للوصول إلى هذا الاتفاق المدعوم من 14 فصيلًا، لكن ترحيل بعض الملفات زاد من مخاوف حصول انتكاسة تؤثر على مسار إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية من خلال نظام سياسي واحد بمشاركة الكل الفلسطيني.

ويرى دكتور العلوم السياسية إبراهيم أبراش، أن حالة القلق ما زالت واردة، خاصةً وأن سبب مدة الحوارات في القاهرة كانت فقط يومين ثم صدر بيان ختامي، معتبرًا أن هذه الفترة لم تكن كافية لحل كل القضايا الخلافية، ما يشير إلى احتمالين، الأول يتعلق باتفاق مسبق بين “فتح” و”حماس” من خلال اتصالات جانبية أو عبر أطراف معينة منها مصر، ومن ثم الاتفاق على عملية إخراج الاتفاق بمظهر وطني وفصائلي، أو الثاني ترحيل القضايا الخلافية خاصةً وأن الجميع تحت ضغوط الوقت بسبب ضغوط أميركية أوروبية لسرعة إنجاز الانتخابات.

واعتبر أبراش في حديث لـ “القدس”، أن ترحيل القضايا الخلافية لما بعد الانتخابات فيه خطورة، قد تؤدي لانفجار هذه القضايا في وجه الحكومة التي ستشكل وتوصف بأنها تمثل الشعب الفلسطيني، وهنا تكمن الخطورة، كما قال، معربًا عن أمله في أن تنطلق حوارات الشهر المقبل، الخاصة لبحث ملف منظمة التحرير بحسن نية وتفاؤل للمضي قدمًا بشكل صحيح.

وأشار أبراش إلى أن موقف حركة الجهاد الإسلامي من عدم المشاركة بالانتخابات يؤخذ بعين الاعتبار للبقاء خارج الحكومة، وإن كانت “حماس” جزءًا منها، كما أنه يتيح للحركة الاستمرار في خيار المقاومة بدون أي ضغوطات قد تتعرض لها.

وأكد دكتور العلوم السياسية، أن بعض الدول التي تشكل عامل ضغط في ملف الانتخابات لتجديد الشرعيات، باتت متعبة من هذا الملف، وليس فقط الشارع الفلسطيني، وهي تعطي أملًا لتحريك الحالة الفلسطينية للأمام، خاصةً أن “فتح” و”حماس” وصلتا لطريق مسدود.

وبشأن إمكانية تشكيل قائمة مشتركة بين فتح وحماس لخوض الانتخابات، قال أبراش: “إن مثل هذه الخطوة ستقطع الطريق على أي منافسة من قوائم أخرى، وستكون بمثابة (لعبة ممزوجة) لإعادة إنتاج الوضع السياسي”، معتبرًا تشكيل “فتح” قائمة مع فصائل المنظمة بما يشمل الجبهة الشعبية بمثابة الخيار الأفضل بما يضم شخصيات وطنية ومستقلة وأسرى، وهي بمثابة خطوة أفضل بالنسبة لها، في حين أن “حماس” من الممكن لها أن تلجأ لتشكيل تحالفات مع مجموعة من الفصائل والشخصيات المستقلة، وربما تتجه حركة “الجهاد” لدعم هذه القائمة.

ولفت أبراش إلى أن “حماس” تسعى لتكون الانتخابات التشريعية مرحلة أولى باتجاه الدخول في المجلس الوطني ومنظمة التحرير لتكون مكونًا أساسيًا فيهما، مشيرًا إلى أنه في المقابل تسعى حركة “فتح” للاتجاه نحو الانتقال لخيار الدولة ونفض الغبار عن إلصاق تهمة الإرهاب بمنظمة التحرير التي كان يجب الاتفاق بشأنها وحل الخلافات حولها قبل أي خطوة، لتكون مرجعية واحدة للكل الفلسطيني، في حال فشلت الانتخابات التشريعية أو إنهاء السلطة.

وأشار أبراش إلى أن حماس من جانبها تسعى للانتقال لتكون ذات مشروع إسلامي وطني بعد أن كانت مثل هذه الفكرة “محرمة” في سنوات طويلة سابقة، مشيرًا إلى أنه منذ أن جددت ميثاقها السياسي عام 2017، بدأت الحركة بترديد مصطلح المشروع الوطني، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح لتوطين الإسلام السياسي، وكل الجماعات الإسلامية يجب أن تكون جزءًا من الحالة الوطنية بدون أن تتخلى عن عقيدتها، لكن لكي تكون جزءًا من الحالة الوطنية الفلسطينية، خاصةً وأن هناك بعض الحلفاء لـ”حماس” باتوا يغيرون من مواقفهم السياسية، لذلك تسعى الحركة لتكون جزءًا من من النظام السياسي، ما يقوي الحالة الوطنية لاستنهاض المشروع الوطني.

من جهته، يرى المحلل السياسي الدكتور مخيمر أبو سعدة، أن البيان الختامي لحوارات القاهرة يحمل في طياته الكثير من الأمور المطمئنة، مشيرًا إلى أن النجاح يكمن بالالتزام بهذه الشروط وتنفيذها، لإزالة أي مخاوف حقيقية بشأن القضايا التي تم ترحيلها لاختصاص الرئيس محمود عباس، أو المجلس التشريعي المقبل، أو الحكومة التي ستشكل.

وبين أبو سعدة في حديث لـ “القدس”، أن الطريق لا زال طويلًا، وما يتم الحديث عنه حاليًا فقط الانتخابات، ويمكن أن تجري لوجود ضغوط دولية، ولأنه لم يعد هناك أمام “فتح” و”حماس” أي خيارات للتهرب من إجرائها، لأن تأجيلها سيزيد من الضرر على القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

وأشار أبو سعدة إلى أن أهمية اللقاءات والحوارات التي ستجري في القاهرة الشهر القادم، والتي ربما تمثل مخرجات الحوارات الوطني بداية خارطة طريق لترتيب البيت الفلسطيني رغم كل الألغام والمحاذير التي لا زالت في طريقها.

وبشأن القائمة المشتركة بين “فتح” و”حماس”، قال رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة،: “إن مثل هذا الخيار مرفوض لدى قاعدة كبيرة لدى الحركتين، ولكنها ربما تكون خيارًا عمليًا للتوافق على ما بعد الانتخابات، ويمكن أن تخرج الحالة الفلسطينية من أزماتها”.

ورجح أبو سعدة أن يكون السيناريو الأكثر واقعية أن تذهب “فتح” و”حماس” لقوائم منفصلة، لافتًا إلى أهمية ترتيب “فتح” لبيتها الداخلي لاستعادة قوتها وتحقيق النجاح الذي تأمله.

كما رجح أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية ائتلافية من عدة فصائل، مشيرًا إلى أن “فتح” و”حماس” لا يمكن لأي منهما تشكيل حكومة منفردة، لعدم الوقوع مجددًا في خطأ عام 2006.

وتوقع أبو سعدة أن تمتنع حماس عن وجودها في الحكومة المقبلة، والبقاء ككتلة في المجلس التشريعي، لعدم العودة للمربع القديم والتعرض لعزلة دولية ووقف التمويل، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي لن يغير من شروطه السابقة، ولذلك لا بد الاستفادة من تجربة عام 2006.

من ناحيته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الدكتور حسام الدجني، أن ما جرى في القاهرة بمثابة استجابة لحاجة الشعب الفلسطيني بإجراء انتخابات، مشيرًا إلى أن الملفات التي رحلت قد تشكل انتكاسة خاصةً ملف منظمة التحرير والمجلس الوطني والمحكمة الدستورية، وذلك على الرغم من أن جاء في البيان محط ترحيب لأن الانتخابات بمثابة عامل أساسي لإنهاء الانقسام وتحسين صورة المشروع الوطني أمام المحافل الدولية التي تشترط وجود سلطة تشريعية.

ورأى الدجني في حديثه لـ “القدس”، أن الحد الأدنى تحقق، لكن التطلعات بأن يكون هناك نظام سياسي فلسطيني تعددي يواجه التحديات ويوقف عجلة التطبيع هو السمة الأهم، مشيرًا إلى أن ما تحقق في القاهرة جيد، ولكن بحاجة لخطوات عملية، وخاصةً بشأن ملف الحريات، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

كما رأى في القائمة المشتركة بأنها الحل السحري الذي سيحقق مزايا منها؛ الحد من حالة الاستقطاب الحزبي، خاصةً أننا أمام جيل جديد لم يمارس حقه الانتخابي من قبل، لافتًا إلى أن هناك مصلحة إستراتيجية في وجود قائمة مشتركة تسمح بالتعددية السياسية، وسيكون هناك منافسة لها من قوائم أخرى.

واعتبر الكاتب السياسي، أن القائمة المشتركة ربما تكون كلمة السر، ولكن التحدي بالنسبة لها يتمثل في عملية تمثيل الحركتين فيها، مشيرًا إلى أن هناك مفاوضات بشأنها بدأت منذ لقاءات إسطنبول، وقد تنجح، ومن خلالها قد يتم تجاوز إشكاليات كبيرة سواء على الصعيد الداخلي الحزبي أو الخارجي من إقناع للمجتمع الدولي بأن الشعب الفلسطيني موحد.

ولفت الدجني إلى أن إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية، بمثابة مطلب من قبل الجميع لمواجهة التحديات وحل الملفات الكبيرة مثل ملف الموظفين، مشيرًا إلى أن هذه الحكومة سيكون أمامها ألغام كبيرة يجب أن تتجاوزها وتعمل على حلها.

القدس المقدسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى