فلسطين في أدبيات عُمانية
محمود الرحبي

تابعت، كما تابع غيري، أصداء ترجمة رواية كمال الرياحي “المشرط” إلى العبرية. لست ضد أن يُترجَم أدبنا العربي إلى أية لغة، بما فيه العبرية (وخصوصا لأقسام الأدب العبري الموجودة في بعض جامعاتنا)، من دون أن يأخذ ذلك أي بعد سياسي.
وقد كنت طرفا في موقف طريف مع هذه الرواية الصادرة طبعتها الأولى في 2006، ومع مؤلفها. فمرّة كنا نتجوّل، كمال الرياحي وأنا، في سوق مطرح (من الأسواق العريقة في مسقط)، وتحديدا في دكان يبيع البهارات في “حلة الرحبيين”. عرّفت البائع الذي قرأ “المشرط” بعد قراءتي لها، وكان صبيا لم يبلغ العشرين، بكمال الذي يتذكر هذه الحادثة جيدا. ليس لأن أصحاب الحوانيت في “مطرح” يقرأون جديد الروايات، وإنما لأن هذا الصبي ابنُ أخي، وقد ربّيته على القراءة بعد وفاة والده وهو رضيع.
وكما احتفى الأدب العربي، قديمُه وحديثه، بفلسطين وشعبها الباسل وقضيته العادلة، راكم العُمانيون أدبيات في هجاء إسرائيل. ويجب الإقرار بأن سياسات الدول قد تخضع لحسابات وإكراهات، لكن الشعوب لها دائما ذاكرتها في مواجهة الكيان الصهيوني العنصري، حتى قبل نشأته، كالتراث الضخم الذي تركه العُمانيون من أدبيات متعدّدة ومتشعبة ووافرة، يعود بعضها إلى عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، حين كانت بريطانيا تنكّل بالفلسطينيين وتضعفهم، تمهيدا مبيتا لقيام كيان عنصري جديد.
ومما يؤشّر على تصدّي الضمير الشعبي لمزاعم إسرائيل وجرائمها أن الفن التشكيلي تناول أيضا الأساطير والخرافات التي نشأ تأسيسا عليها هذا الكيان الإجرامي. وأمتلك لوحات في هذا الشأن، إضافة إلى طوابع بريدية عُمانية؛ ناهيك طبعا عن عدد هائل من القصائد والمحكيات والمقالات تشكّل وحدها تراثا قائم الذات، فزاهر المحروقي، مثلا، “أحرق” عشر سنوات من عمره في كتابة مقالات أسبوعية عن فلسطين. وهناك ما لا يعد من قصائد لعبدالله الطائي وأبو سررو الجامعي وعبدالله الخليلي، علاوة على ما خطّه شعراء كلاسيكيون عُمانيون في موضوع نشأة هذا الكيان العنصري، وما تبعه من ملاحم بطولية فلسطينية في التصدّي لجرائمه الوحشية. وحديثا وجدت قصيدة طويلة ألقاها الشاعر صالح العامري، وكان حينها طالبا في جامعة القاهرة، عن الانتفاضة الأولى، أُلقيت في ديسمبر/ كانون الأول 1987 في كلية التجارة في جامعة القاهرة. ونُشرت لاحقا في الملحق الثقافي في صحيفة عُمان (26 مايو/ أيار 1988). أقتطف منها:
إني ملأتك من دفء الهوى قبلا/ فسافري لعنة حمراء أو جبلا
ثوري على الخطب الرعناء وازدردي/ بداوة تمتطي الصحراء والجملا
أنا فلسطين قد تمضي السنون ولا/ أمضي أضاجع في بيت الهوى أملا
تكلمي أنت خلي عرسنا حجرا/ إذا قذفناه صلى النصر وابتهلا
نام المحبون في أرضي وأرّقني/ أن العروبة أضحت بعدهم طللا
وما يوجد في المجلات التي أنشأها العمانيون في القارّة الأفريقية كثير باللغة العربية، وخصوصا في مجلتي “الفلق” و”النجاح”. نموذج منه المقطع التالي من مقال طويل من “الفلق” العُمانية في شرق أفريقا، منشور في 14 مايو/ أيار 1938: “الشعب العربي في فلسطين شعب وديع مسالم، ما كان ليقف في وجه أعظم القوى وأفتك السلاح، لو لم تسلط عليه بريطانيا اليهود يقتحمون داره، ويحاولون إخراجه منها ليحلّوا محله فيها. وما كان ليثور لولا حرصه على كرامته المهدورة والحيلولة دون إنشاء المملكة اليهودية على أرضه .. إن حلّ قضية فلسطين لا يكون بأن تسلط على العرب النار والحديد و”الديناميت” وأفانين الفظائع والعذاب، بل بالاعتراف بحقوقهم في بلادهم والتسليم بمطالبهم الأساسية”.
ولعلّ الأمر لا يحتاج، ونحن نطّلع على الأدبيات العُمانية، وهي نموذج مصغر لما هو موجود في غيرها من الأدبيات العربية، إلى فراسةٍ أو تعمّق، لنستشفّ أن الشعور العامّ لا يحب إسرائيل. إنه شعور عربي شعبي تلقائي من ظفار إلى طنجة. ولا أظن أن كمال الرياحي يشذ عن هذه القاعدة.
دلالات

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى