فورمالين … رواية ماريا زكارنة ” ساعة من أحلام الإنسان “

كتب: سليم النجار
لم اجد مقدمة لهذه الرواية أبلغ مما كتبه بورخيس نفسه كمقدمة لأحدى كتبه عام ١٩٧١ : ” أنا أفكر بنفسي ؛ أولاً وقبل حل شيء كقارئ ؛ ثم كشاعر ؛ ثم ككاتب . والجزء الأول من هذه الجملة لا يستدعي أي تفسير . اما الحزء المعني به الكاتب وهنا لست بصدد عمل أي مقاربات نصية ؛ أو الحكم على تجربة شعرية بعينها ؛ بل ما سأذهب والقول أن الرواية موجهة للعقل وتخاطب الخيال ؛ ورواية ” فورمالين ” للكاتبة ماريا زكارنة تذهب هذا المحنى ؛ 🙁 وكطبيعة عملي معتاد أنا على أن اتواجد بين النفسات الأخيرة .. بين الطفح وبين عدوى السالونيلا !!! ص٣٠ )١ . فكل ما يمكن قوله هو عادة البحث في الرواية عن الخيال ؛ وليس عن الفكر ؛ والروائية تنشد الخيال المغلف بفكر ؛ : ( ان تحس بالموت عن قرب … ان تشم رائحة لا تشبه الرائحة … رائحة لا تخفيها رائحة أي عطر كان ص٩٥ ) ٢ . كما سعت الكاتبة رصد ما بين تعاقب ليل ونهار يعبر قطار أيامها محطات العمر ليخرج من السكة بهدوء بلا ضجيج .. مازالت الذاكرة تجاهد للإمساك ببعض التفاصيل الصغيرة مخافة ان تتفلّت منها وتضيع في غياهيب النسيان ؛ : ( ولكن رغم ما مضى يا صديقة .. ما زلت أنادي بين الأزقة والمنعطفات .. ابحث عنك .. ابحث عنه .. انادي
دعيني أتنفس ولو برئة واحدة … ص٢٨)٣. كما تتأمل الكاتبة الحياة مسجاة أمامها كمومياء .. وتجاهد الحصول على شهقة هواء ؛ : ( حظر التجوال .. عيادات فارغة … أطباء مملين … وجوه متعصبة … وانا وتيرة الغضب عندي مرتفعة الى الحد الذي ما استفزني احد المارة حتى بدأت الصراخ بكلمات أنا نفسي لا افهمها .. ص١٣٠)٤ . وسعت ماريا زكارنة بخلع القلوب كهدير … غاضب من الماضي والحاضر ؛ وكسمفونية ينهمر المطر يضرب نافذتها بأصابع من ماء ؛ ترنو إلى السماء الزرقاء بعيني طفلة تشهد لأول مرة ميلاد قوس قزح .. ؛ : ( بدأت ابحث عن يدي !!! هل سقطت مني وأنا احاول ان أرتكزني !!! من ثقل الهم ربما بترت أو انها رغبت هي الأخرى التخلي عني !!! ص١٥٠ )٥. ٠
وفي نص ” فورمالين .. ” تشكل ماريا نصها بالاعتماد على تصّور شعبي يرى في تزامن هطول الذكريات مع سطوع كل شمس لحظة تقيم فيها الذئاب اعراسها ؛ فتصوّر من خلالها النزعة الذئبية التي تمكّنت من الأرواح وغيّبت أعراس الحياة ؛ وترى ماريا أن هذه الأعراس هي في الحقيقة وجه من وجوه الألم ؛ وكان هذا الألم ضريبة استمرارية الحياة إن لم تكن ديمومتها ؛ : ( تدور حوله التمتمات عن بئس المصير …
ارجوك اصمت … اهدأ ايها الباطن … ربما تظهر النتائج توعز بالشفاء والعود الجميل .. ص١٣)٦. أليس من باب العجب أن تشخصك الكاتبة وتجعل منك أمطارًا ضائعة في كل مكان في سردها . وتتوالى صور العجيب في الرواية دون ان تجد حدّا يحنطها ولكن لتخرق ضبابية الأفق المرئي وتنير أمامنا أفاقاً اخرى غير مرئية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى