فيلم «أصحاب ولا أعزّ».. كاشف ـ جارح ـ وواقعي
المتوكل طه

أثار فيلم “أصحاب ولا أعزّ” صخباً ولغطاً استوقفني، لأجد أننا عراة  أمام التقنية والأزمة! وأن المجتمع العربي مجتمع ضعيف يخاف من أن يرى عوراته، ويخشى من التحديق في المرآة، التي هي الفن، حتى لا يتأكد من كونه يعيش في حطام، وفي الدرك الأسفل من المهاوي الاجتماعية والأخلاقية والسياسية.. الخ.

وأعتقد أن المجتمعات القوية هي القادرة على انتقاد ذاتها والتبصّر في ثغراتها، وهي التي تعترف بأخطائها وخطاياها على طريق إصلاح ما أمكن منها.

لهذا الفيلم الكثير وعليه القليل؛ إذ يحسب له قدرته على كشف حالة التكاذب الاجتماعي المنسربة بين أعز الأصدقاء وأقربهم إلى بعضهم البعض، وهذا تعبير أو تَجلٍ أو إشارة تنمّ عن كارثة غير مرئية أكبر، أصابت البناء الاجتماعي، فالمخاتلة والدفاع بالحِيلة واقتناص أعراض الآخرين أو الذهاب إلى هوامش مرفوضة كالمثليّة، أو عدم معرفة الزوج لزوجته أو العكس.. كل ذلك وغيره تعبير عن خلل أكثر وأعمق خطورة أصاب الأرض الاجتماعية التي نقف عليها، والتي نعتقد أنها صلبة وراسخة ،لكنها غير ذلك وبشكل جارح ومؤسف.

كما أن الفيلم يسلّط الضوء على ظاهرة لم يتمّ الحديث عنها بما يكفي وهي أداة العولمة أو وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية التي أصبحت “واقعية” وناتئة وذات مخالب وأنياب، ولديها القدرة الحاسمة على تعريتنا تماما وانتهاك خصوصيتنا وهتك أعراضنا وكشف المخبوء والمسكوت عنه إلى حد الفضيحة والصدمة .

إن الخراب الاجتماعي الجوّاني الذي يعشش بين أيدينا وما خلفنا، وصل إلى حد تجريف ما تبقى من مقدس اجتماعي أو ثابت أخلاقي، وهذا جرس يدقّ فوق رؤوسنا ويدعونا إلى اليقظة والتبؤر في الحمولة المعرفية القادمة من المؤسسة الأهلية (الأسرة، بيت العبادة، الحارة أو الحيّ، التقاليد والعادات) والمؤسسة الرسمية (الرموز الوطنية والقومية، المدرسة، الخطاب الرسمي.. الخ)، لنتبين خواءها وسقوطها أمام امتحان أداة العولمة وأعني وسائل التواصل الافتراضي، وعدم تمتّعها بأي حصانة أو مناعة ترد غوائل ما يهبّ علينا من نوافذ الأرض، دون أن نتمكن من التعاطي معه، على ضوء نظرية تربوية إعلامية ثقافية تعليمية إقتصادية واضحة.

ربما ذهب الفيلم إلى شيء من “المبالغة” أو ذهب إلى اللغة النهائية في تعرية الواقع والعلاقات والأفراد، لكن ذلك مباح في الفن وجائز في الإبداع ولا غضاضة عليه. وقد يدّعي بعضنا أن شيئاً مما قدمه الفيلم ليس جزءاً من مكوناتنا (الخيانة الزوجية، المثلية، الألفاظ السوقية النابية) وأقول له إن مجتمعنا يزخر بهذا المكنوز الكابي والممضّ، بكيفية سوداء ومنفّرة، وهو موجود ويسعى بيننا، ولا داعي للإنكار بقدر ما أدعو إلى الذهاب إلى نظرية عوامل متعددة تربوية وإعلامية وثقافية تواجه هذا الخراب الذي يعشش في أحشائنا.

وربما تكون نهاية الفيلم غير متوقّعة، إذ بدت شخصيات الفيلم لا مبالية كأن كل ما حدث ليس ذا قيمة أو لا يعني شيئاً. بمعنى أن الفيلم يكرّس اللامبالاة أو الدياثة أو أنه يتعايش مع هذا الواقع الذي يشبه الزجاج المشروخ، أي أنه يدمي كل مَن يلامسه، ويبدو أن الفيلم لا يدعو إلى ذلك.

لعلّ الممثلين أدّوا أدوارهم بتفاوت إبدعي، فمنهم من أضاء دوره مثل جورج خبّاز ونادين لبكي والرائعة منى زكي، وكذلك الآخرون، باستثناء ممثلٍ اسمه إياد نصار فقد هبط بدوره إلى حد أنه لم يقنع أحداً؛ لا بلغته الجسدية أو بتعبيراته أو بشكله أو بانفعالاته، وربما يكون قد هبط بالفيلم لسذاجة تمثيله.

ظل أن أقول كان لدى المخرج وسام سميرة  قدرة فائقة في إبراز وإيصال رسائل الفيلم، رغم أن الفيلم ينتمي إلى ما يُسمّى بالمكان الواحد.. وهذا يزيد من صعوبة الإخراج، ولا يمكّن المخرج من مساحات يعبر من خلالها عن المضمون.

كما أن مسألة اقتباس الفيلم عن نسخة إيطالية، فإن هذا لا ينتقص من قيمته، فقد تم تعريب الفيلم وكأنه نابع من واقعنا إلى حد كبير.

إضافة إلى أنّ الفيلم لم يسوّق للمثلية أو الدياثة تماماً، بقدر ما أظهر رفضاً واضحاً لها، علاوة على أنه دعا إلى أن يقيم الآباء حواراً مع أبنائهم لإنقاذهم من الانجرار والسقوط في هوامش لا تُحمد عقباها.

وبغض النظر عن أي رأي في هذا الفيلم أو غيره، فإن ذلك لا يعني أن نشهر في وجهه مفردات المنع والشطب والرقابة، فكل هذه المفردات السوداء قد عفا عليها الزمن، ولا تنقذ المجتمع مما هو فيه من خراب وفساد وتكاذب، لأن المطلوب هو المكاشفة والتحديق في الثغرات وإيجاد الآليات والاستطالات القادرة على انقاذنا مما نحن فيه.

إننا نقف عُراة أمام سطوة التكنولوجيا وحمولة العولمة، وإن دفاعات مؤسساتنا التربوية التقليدية قد سقطت أمام التك توك وفيسبوك والبريد الإلكتروني وانستغرام.. ويلزمنا نظرية تربوية عربية جديدة أمام هذا الطاريء المخيف. وإن الذي يكوّن الفرد، وبالتالي المجتمع مصدران؛ هما المؤسسة الأهلية والمؤسسة الرسمية، وينبغي أن يكون هناك إنسجام وتوافق بين مضمون هذه المؤسسة وتلك، من خلال المتابعة والدراسة.. لكننا نرى أنه انوجد منافسان كبيران يزاحمان هاتين المؤسستين، وأعني ما تقدّمه المؤسسات غير الحكومية من استدخال لأفكار جديدة، تكون هجينة وخطيرة أحياناً، وما تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي.. إلى حدّ فقدت المؤسستان الأهلية والرسمية المناعة الكافية أمام السيول المشبوهة. وعليه فإن إدراك كل ذلك هو العتبة التي يجب أن نعبرها نحو البحث عن الآليات والأذرع التي يجب أن تنهض عليها رؤيتنا لإعادة تمتين المعرفة والتربية والثقافة القادرة على صيانة أبنائنا، وحماية مجتمعنا. وهذا غير متوفّر للأسف. لهذا سنجد كل هذا الاختراق، وهذه الاستباحة لمنظومتنا الأخلاقية والأدبية.

وباعتقادي فإن حوار “الأب” مع “ابنته” بشكل صريح وواضح، وبمضامين لها وجاهتها وقدرتها على الإقناع.. أفضل من أن يسوق الأبُ ابنتَه إلى حافة الصخرة ليذبحها!

وإن ما يراه أبناؤنا من “كوارث” عبر أجهزتهم الخلوية والحواسيب هو الذي يدعونا إلى الخوف أكثر من فيلم له رأيه ومقترحه الجَمالي.

باختصار،  فإنّ المجتمع الذي يكون قد فَقَد الكثيرَ من مناعته وحصانته الأخلاقية، يصل إلى شكل من أشكال الهزيمة، وينتج أفراداً مأزومين . ونرى تجلّيات هذه الأزمة تتمثّل في:

_ يفقد أفراده الثقة ببعضهم وبأنفسهم وبحضارتهم وبمستقبلهم.

_ يهينون رموزَهم ويحقّرونها، أو لا يستطيعون إنتاج رموز جديدة.

_ يرتدُّ المجتمع إلى ذاته ليمزّقها.

_ يذهب الأفراد المختلفون والجماعات المتعاكسة إلى اللغة النهائية، بمعنى يُؤَلِّهون أنفسَهم ويشيطِنون خصومَهم، ويفقد الطرفان القدرة على الحوار والاستماع لبعضهم البعض.

_ يذهب أبناء المجتمع المهزوم للانتماء إلى الدوائر الضيّقة، أي يُعَرّف الأشخاص أنفسهم بالطائفة أو الجغرافيا أو العِرق أو الفصيل السياسي.

_ غالباً ما يقلّد المهزومون أعداءهم، ويتشبّهون بنقيضهم.

_  تتناسخ عن الانهيار السياسي العربي العام انهيارات أخلاقية وقيميّة، فيصبح الحلال مستباحاً والحرام مبذولاً، وتتعرّض المِلْكية العامة للنّهش والدَّهْم والاعتداء.

_ تتعالى أصوات الإحباط ونداءات الاستغاثة والتخبّط، ويبدو وكأنَّ الانتماء إلى الخلاص أو  الوطن أو الأخلاق ضربٌ من العبث والحمق، وتزداد مفردات اليأس والقنوط، ويظهر وكأنَّ الأمل قد مات في الناس.

_ يذهب أفراد المجتمع المهزوم إلى الخَلاص الشخصي بدلَ الخَلاص العام، بحيث يبحث كلُ فرد أو مجموعة عمّا ينقذها أو يحميها أو يوفّر لها ضمانات الحياة. وأظن بأنّ الفزع الذي تداعى بعد الفيلم يؤكد هشاشة مجتمعاتنا العربية التي ترى الثقب الأسود وتنكر وجوده.

ونستدرك لنقول، إن المجتمعات الحيّة، ومنها المجتمع العربي، لا يمكن أن تصل الهزيمة فيه إلى حدّ أن يَرْفَعَ الرايةَ البيضاء،لكنها تكون هزيمة نسبيّة أو مجازيّة ومرحليّة بالضرورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى