في الأزمة التاريخية للسياسي الجزائري
بشير عمري

غريب شأن ما يُنعت “بالسياسي” بالجزائر، تتقلب من حوله الأحداث وتصطخب الأمور، كونيا ووطنيا، فلا يقدم ذلك ولا يؤخر من وضعه ولا وعييه حيال ذلك كله شيئا، وكأنه ليس فقط مفصولا عن واقعه، بل عن التاريخ ككل، تثار أمهات قضايا الوجود الوطني، كأزمة شيخوخة النظام التي صارت تتهدد بقاء الأمة في الوجود بأصراره على البقاء في قيادتها، تتطاحن أمام أعينه العُصب، العصابات والمجموعات في الخفاء، تتفجر قضايا حقوق الانسان، من اعتقال وتنكيل وتعذيب فلا يحرك ساكنا، وإذ نطق في العام مرة، فسيكون ذلك لاثارة مسألة الانتخابات القادمة، معلنا استعداده لدخول غمارها!

ما الذي يبقي السياسي الجزائري، فردا أو حزبا في هذا المستوى من التحنط والتخبط والانفصام الذاتي والانفصال عن المجتمع؟ وأي معنى للبقاء في مسرح سياسي غسلته أو يفترض ذلك، ثورة شعبية عارمة جاءت لتعلن نهاية كذبة المشهد التعددي ولعبة الواجهة الديمقراطية من السلطة والمعارضة معا؟

قيل مرة أن الراحل بوضياف أقدم سنة 1979 بمحض إرادة منه على حل حزبه المعارض الذي كان قد أسسه بداية ستينيات القرن الماضي (جزب الثورة الاشتراكية) يوم رأى جحافل لناس تمشي خلف جنازة الرئيس هواري بومدين، ما جعله يكتشف وقتها أن هذا الأخير كان يمتلك رضا وولاء الشعب وبالتالي لم يعد ثمة من مبرر لبقاء معارضة! بما أن هاته الأخيرة لم تستطع أن تنال شيئا من تلك الشعبية أو تخدش فيها، وهو ما اعتبره فشلا سياسي إن لم يكن في المشروع فهو ثابت في العمل أي في الميدان !

مهما يمكن قوله بشأن هكذا موقف، تزكية أو معارضة، ومهما يمكن قوله بشأن شخصيتي بومدين وبوضياف وأثرهما فيما عرفته الجزائر من أحداث سياسية لا تزال جراحها ظاهرة للعيان وسارية في وعي الناس، فالذي لا يمكن فلربما الاختلاف حوله هو موضوعية موقف بوضياف من حيث المبدأ أي أن الرجل لم يشأ البقاء متواجدا في صف ما تُنعت بالمعارضة (السرية وقتها) وهي ميتة كلينيكيا وعاجزة كلية عن التعبير عن نفسها وسط القواعد الشعبية على الأرض، حتى في ظل ظروف صعبة كانت فيه الأحادية أعتى حضورا في العالم من ذي بعد.

فالسياسي الذي لا يراجع ولا يتقدم أو يتراجع في موضعه حين تقتضي الظروف ذلك، مهما تقلبت من حوله الأحداث، فهو إما مكلف بمهمة محددة وهي ملء الفراغ وتزيين الواجهة بمكياج العصر، من ديمقراطية الشكل واستبداد المضمون أو أنه وصل كما النظام حالة من العجز والشيخوخة السياسية تقتضي منه التقاعد أو “الموت الرحيم” الذي لا أظن أن شرائع سماوية أو قوانين وضعيه تحرمه!

والحقيقة هنا هي أنه ثمة أكثر من سبب يجعل السياسي الجزائر خارج كل التصنيفات، ويمرق عن التوصيفات، بالنظر إلى المسار الذي عاشت فيه التجربة السياسية التعددية بالجزائر، منها أن صفة المعارضة انتفت وظيفيا، لكون النظام عاد سنة 1992 ليختفي من خلال سلطته الفعلية عن المشهد، ما جعل السياسة تتخبط في خضمات جمة من المشاكل العضوية، إذ مع ذلك التخفي للسلطة الفلعية، عادت الأسئلة الصعبة الأولى مجددا إلاى لانطراح، من يحكم فعليا في الجزائر؟ ولحظتها منطقيا وآليا يستتبع هكذا تساؤل السؤال البديهي من يعارض فعليا وليس افتعاليا هاته السلطة؟  خصوصا بعدما تم توقيف المسارات الثلاثة (الانتخابية، الديمقراطية، والتعددية الفعلية) فتم حصر السياسة ونشاطها في عمليات انتخابية، انتقائية جاهزة النتائج وفق المحاصصة المسبقة.

فالواضح هنا هو أن السياسي الجزائري، عاد بعد 1992 ليستهلك السياسة ولا ينتجها، بل سلم مجددا عملية الانتاج تلك للسلطة ما يعني أنه تخلى عن وعييه القديم والجديد لكل معاني السياسة وأدواتها من وطنية ونضال ومشروع التغير، مقابل أن يضمن بقاءه على الهامش، إما أن يقبل بالفتات وإما أن ينخرط في عملية التدجين والافساد والفساد التي ستنتهي بتكريه المجتمع، ليس فيه  هو (السياسي) فحسب، بل في السياسة كنشاط إنساني نبيل رسم منحى الحضارة المتصاعد في التاريخ.

واليوم بعدما وصل النظام إلى حافة الافلاس الكلي، فالأمر بمنطق الأشياء يقتضي أنه قد أخذ معه هذا السياسي المفلس الذي تنازل عن حقه في انتاج السياسة وانقلب إلى استهلالكها بشكل مفرط ومقرف من يد هذا النظام، فهما الاثنان على حافة النهاية، كان يجدر به من باب الموضوعية وشرف النشاط ذاته أن يعلن رحيله وتنحيه عن مهمته السياسية التي لم يصن أمانتها ولم يجد أو يجتهد في إدارتها.

بيد أننا ما نلاحظه على الواقع هو عكس ذلك تماما، وكأن شيئا لم يحدث، وكأن ثورة شعبية تفجرت بشعارها الكبير (يتنحاو قاع) لم تندلع، وكأن وعيا شعبيا، شبانيا مستنيرا لم ينقشع، لا نزال نرى من يسمون جزافا بالأحزاب الكبيرة مستمرة في “الانتاج السياسي” المحصور في إصدار البيانات والتصريحات التي تمضي بلا منطقيتها ولا موضوعيتها أحيانا متناقضة متضاربة في حوارها مع السلطة، تنديدا حينا وتوددا في الأحايين الأخرى، ما يؤكد على أن مصيبة هذا البلد هو في سياسيه الذي لا يريد أن يتصل بلاحظة انبلاجه ومولده الأولى يوم شكل معنى للظهور والحضور الوطني الخاص (الجزائر) في ضمير الشعب ووجدانه، وبالتالي يتصالح مع التاريخ في أبعاده الزمنية والوظيفية الثالث ماض، حاضر ومستقبل .

والأدهى من كل هذا هو أن العديد من حُزيبات الدكاكين السياسبة القديمة تلك، لا تزال طاعنة في صمت في إرادة الشعب وحراكه وثورته وهي تتحالف مع هذا الجزاء أو ذلك من السلطة، غير مكترثة بحكم وعظمة اللحظة الثورية الشعبية التي يخطئ الكثير اليوم في تقديرها والقول بأنها فشلت أو انتهت، فقط لكونها انتحت مؤقتا من الشارع، فالثورة هي فكرة انجزها الوعي وطلما هي متقدة بالوعي فهي حية ومتطورة ومتغذية في تطورها ذلك، على رداءة الانتاج السياسي الذي تحتكره السلطة وتوزعه وتروج له عبر تلك الحزيبات والزعمات المختلقة، فعدم الاكتراث ذلك ليس يعني بالضرورة سوى حتمية الزوال القريب لتلك الحُزيبات وهؤلاء الساسة المصنوعين من ورق الارشيف السياسي.

 

بشير عمري

كاتب جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى