في الأزمة الصهيونية الحاكمة
أمير مخّول

كما المشاريع الاستعمارية الاستيطانية، تعيش الصهيونية أزمة بنيوية، وحالة صراع مستدام مع شعب فلسطين ضحية مشروعها. إنها حركةٌ مبنيةٌ على الصراع المتلازم مع أزمة دائمة، إلا أنها أزمة المنتصرين الذين حققوا جلّ مشروعهم. بينما تقف في هذه المرحلة أمام تحدّيات مصيرية تواجه إسرائيل، حتى في ظل كونها قوة عسكرية واقتصادية عظمى في المنطقة.

تُقاس حدّة الأزمات في أحد جوانبها في السياق الذي تتفاقم فيه وطبيعة أطرافها، وقد يكون السياق مؤاتيا لمَخرَج منها أو لتعميقها إلى درجة يصبح ثمن مشروعها أكثر أثراً من مردوده. هناك علاقة عكسيّة ما بين تفاقم الأزمة الإسرائيلية وتفاقم الأزمة الفلسطينية، فكلما تفاقمت الأزمة الفلسطينية وجد الاحتلال مخرجا من أزماته، وباتت الحالة الفلسطينية مساحة لعب للمستعمِر والعكس صحيح. يسري هذا الأمر على الحالة العربية، ونوعاً ما على الحالة الدولية بدرجات متفاوتة. مهما كان، هناك حقيقة، وهي أنه مهما كانت رداءة الحالة الفلسطينية، فلن تفلح دولة الاحتلال في تجاوز قضية فلسطين. بل هذه القضية هي مصدر الأزمات الإسرائيلية الداخلية والكيانية، وهي البيئة التي يُعاد على أساسها إنتاج النخب الإسرائيلية وتبدُّلُها، وتنعكس بنظرةٍ مستقبليةٍ على المشروع الصهيوني برمته، تضاف إليها التصدّعات الداخلية التي تحدُث داخل التيارات الصهيونية.

يؤكّد المشهد الإسرائيلي حدوث تسارعٍ في حالة فقدان الكوابح الذاتية السيادية. وليس من الصحيح اعتبار أن الدولة تفقد سيادتها، بل أنها باتت تستخدم سيادتها وبشكل سافر، بوصفها حمايةً لمواطنيها اليهود وترهيبيةً تجاه مواطنيها الفلسطينيين العرب ومجمل الشعب الفلسطيني، فالأسس والمنظومات التي تميز الأنظمة الديمقراطية، حسب تعريفها هي لذاتها، تتميّز بمنظوماتٍ قويةٍ تشريعية وتنفيذية وقضائية. كما تتميز بمنظوماتٍ ذات شرعية مقبولة على الكتلة السكانية الأوسع، وعلى مسؤولية المنظومات عن إعمال القانون وضمان النظام العام والأمانين، الفردي والجماعي، والحريات الديمقراطية والكرامة الإنسانية حسب تعريفها في ميثاق حقوق الإنسان.

بالإمكان الإشارة في الوقت الراهن إلى تجليَين كبيرَين للأزمة الإسرائيلية، الأول مرتبط بالقضية الفلسطينية مباشرة، وبعدم قدرة المشروع الصهيوني على التوصل إلى مخرجٍ منها. في حين أن التجلّي الآخر والمرتبط به في جوانب معينة هو انهيار منظومات الكبح والتوازن بين أدوار السلطات المختلفة، والانزلاق نحو “شفا الهاوية” كما تطلق عليها تاليا ساسون، في تقريرها عن “البؤر الاستيطانية”، وتطرح فيه السؤال المتعمّق: هل انتصار المستوطنات هو نهاية الديمقراطية الإسرائيلية، وإشكالية دور المحكمة العليا في متاهة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. بينما يرى يحزقيل درور أن الأزمة هي في الثقافة القيادية الحاكمة، كما أطلق على أحد كتبه “نحتاج إلى القائد” وفي مقالاته في هذا الصدد.

يبدو أن التصريحات الأقرب إلى الصدق هي الصادرة عن قادة عسكريين وأمنيين، بعد انتهاء مهامهم الرسمية، وأحد تجليات هذه التصريحات ما يتحدّث عن جوهر الأزمة الكامنة في أن الخطر الحقيقي، وحتى الوجودي، “لا يتأتّى من إيران”، ولا من “العدو الخارجي”، وإنما مَكْمَنُه في الخطر الداخلي المتأتّي من مصدرين، أحدهما قضية فلسطين وإسقاطاتها الديمغرافية والأمنية على طبيعة الدولة، وعلى المشروع الصهيوني في فلسطين. أما مصدر القلق الآخر، وهو أيضاً مرتبط بالأول، فهو احتمالية انهيار المناعة الإسرائيلية الداخلية، والصراع بين التيارات الصهيونية على الأمور الجوهرية والثوابت المجمع عليها صهيونياً. وكان جديد هذه التصريحات ما صدر عن الرئيس السابق للموساد تامير باردو.

تكاد لا توجد استراتيجية تصفوية لقضية فلسطين إلا واعتمدتها الحركة الصهيونية، لتكون الأزمة الجوهرية الحقيقية التي تواجهها هي عدم قدرتها على الحل، وعدم قدرتها على الضبط، وإخفاق استراتيجية تجاوز قضية فلسطين، والاستعاضة عنها بالسلام الاقتصادي، أو ما يطلقون عليه راهناً “تقليص الصراع”. إلا أن ما يجعل إسقاطاتها أقلّ حدّة أنه لا يوجد طرف فلسطيني أو عربي يتلقّف هذه الأزمة الصهيونية ويحوّلها إلى فرصة فلسطينية وعربية استراتيجية. مثلا قانون القومية الشهير من العام 2018، لو تعمّقنا في الإصرار الصهيوني عليه، ومدى حاجة إسرائيل له، لَتَبيَّن أنّه لا يعكس تعزيزا للمشروع الصهيوني، ولا لقوة إسرائيل ولا لـ”لمناعة القومية”، بل يعكس حالة ضعف، لم يجر استغلالها فلسطينياً في مسألة حقيقةِ هذه الدولة وشرعيتها مثلا، أو في الطعن بسيادتها وطلب الحماية الدولية. في المقابل، وعلى المستوى السياسي الداخلي، أشار القانون إلى هامشية القوى الليبرالية، في حين تعزّزت العنصرية المنفلتة، وليس بسبب قانون القومية وإنما شكّلَ هذا القانون انعكاساً لها، ولكون التيارات المتنفذة باتت تفتقر للخيارات المتنوعة، لتجد نفسها أمام إعلانٍ فظّ لتفوق يهوديتها على ديمقراطيتها، ضمن المعادلات التي سعى الخطاب الصهيوني إلى التوفيق والتوازن بينهما. هذا القانون هو من روح “وثيقة استقلال إسرائيل” التي يتغنّى بها بالذات أقوى الليبرالية و”اليسار الصهيوني”.

في أعقاب الانفلات الدموي الخطير، وبالذات الذي شهده الفلسطينيون، وحصريا فلسطينيي الـ48 في العام 2021، معزَّزاً بالانفلات الإعلامي والسياسي والشعبوي والقضائي، بلغت الأزمة الحاكمة ذروتها، إذ لا تستطيع الاعتراف بشرعية الفلسطينيين العرب، ولا تستطيع تجاوز قوتهم، ولا تجاوز عدم التعاطي مع شرعيتهم، وهو الأمر الذي حدث في داخل المعسكر اليميني العقائدي الحاكم، والذي بدأه نتنياهو، ويواصله نفتالي بينت. كما تآكلت الصيغة “الأخلاقية” بالمفهوم الاستعلائي، والمبنية على ادّعاء “الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة” و”الواحة”، وبحيث إنّ التيار الصهيوني الديني (الصهيو- ديني) غير مكترثٍ لإثباتها دوليا، وإنما لفرض أرض إسرائيل الكبرى على أرض فلسطين كلها. حين تلجأ دولة إلى استخدام أدواتها الأكثر فظاظةً وعنفا وإقصاء، فهذا دليل أزمة، فالدولة التي تعيش في بحبوحة وخارج الأزمات لا تلجأ إلى الحلول القصوى، ولا إلى القوانين القصوى، وتكترث لسمعتها.

جانب آخر من الأزمة هو الصراع المحتدم وغير المحسوم ما بين “الدولة العميقة” ومشروع الاستيطان الصهيو- ديني المتجدّد، وما ولّده من ذهنيةٍ تتغلغل في كل مناحي الحياة الإسرائيلية، والصراع ما بين الصهيونية الليبرالية وتيارات ما بعد الصهيونية المستعدّة لإلغاء أية بنى ليبرالية وديمقراطية، من أجل ترسيخ عقيدتها وتحويلها إلى عقيدة دولة، فبالإمكان التعامل مع انقلاب النخب الحالي بوصفه الانقلاب الثاني بعد انقلاب العام 1977، وإسقاط حركة العمل التاريخية مؤسّسة الدولة. إذ يعتبر التيار الصهيوني الديني الاستيطاني العنيف نفسه أنه طلائع الحركة الصهيونية، ويرى في الدولة أداة لخدمة أغراضه وتوجهاته وعقيدته.

الصراع المحتدم الآخر هو بين التيارين، الديني (الحريديم) والصهيو- ديني، فعلى الرغم من التباين بين تيارات المتدينين الحريديم، إلا أنها تجمع على أولوية التوراة والصلوات، في حين أن التيار الصهيو- ديني يرى في نفسه قيادة للدولة والجيش، ويسعى إلى إضفاء عقيدته على الدولة. وبالذات عقيدة أرض إسرائيل الكبرى والكاملة. بينما الديني منشغلٌ في احتياجاته الفئوية، ويسلك أكثر كأقلية إثنية أو مذهبية، وهو التيار المُمَيَّز ضده صهيونياً، باعتباره لا يخدم في الجيش وغير منتج. تتعاظم هيمنة النخب الصهيو- دينية في الجيش والسياسة والثقافة والاقتصاد، كما ويمثل حصول بينت على مقاليد الحكم حقيقة نهاية المطاف في المرحلة الراهنة للقيم الليبرالية والتوازنات الصعبة القائمة. ويلتقي هذا التحوّل مع تضعضع دور الجهاز القضائي في كل ما لا يخصّ الملفات المعنية بالفلسطينيين وحقوقهم، يوازيه انهيار تام على الأقل في المدى المنظور للمعارضة السياسية داخل المجتمع الإسرائيلي، والمعنيّة بضمان الطابع اليهودي الديمقراطي للدولة، فلا منظومة كوابح ولا معارضة تكبح. كان لافتا، في الفترة الأخيرة، التوتر الحادّ ما بين المرجعيات الدينية للأحزاب الحريدية وحملتها ضد اقتحامات ممثلي التيار الصهيو- ديني للأقصى، وبانَ صراع ٌحادّ ديني من ناحية، ولكنه صراعٌ وجوديٌّ لدى التيار الحريدي المهدَّد من تزايد أثر التيار المنافس بين صفوفه. وعمليا، المسألة الفلسطينية تعمّق أيضا الصراع بين التيارين الدينيين، ذلك القائل بأرض إسرائيل الكاملة والآخر القائل بفكرة الخلاص الرباني. بينما المنحى العام هو مسعى من التيارين الصهيو- ديني والعلماني الصهيوني إلى صهينة الحريديم.

يمثّل الكاتب والصحافي، يوسي كلاين، تيار “اليسار” الصهيوني العلماني، والذي رأى في الجيش “بوتقة الصهر للشعب اليهودي”، وبات يرى فيه دائرة لإعادة إنتاج هيمنة التيار الصهيو- ديني على مجمل الحياة الإسرائيلية، فأكثر من ثلث خرّيجي دورة الضباط في الجيش في السنة الأخيرة كانوا من التيار الديني القومي. مقابل تراجع نسبة العلمانيين. يصل كلاين إلى الاستنتاج بضرورة التخلّي عن “البوتقة”، والحاجة إلى إلغاء منظومة التجنيد الإلزامي، فما شكّل أحد مقوّمات الروح الصهيونية بات في الوضع الراهن مشكلة تهدّد إسرائيل وطابعها العلماني الذي كان مهيمناً. وفي الفكر الصهيوني، فإنّ من شأن مثل هذا التحوّل أن ينعكس في حركة هجرة يهودية إلى الخارج. يلتقي هذا التفكير مع إيهود باراك، حين كان رئيساً لأركان الجيش، واعتمد مبدأ “الجيش الذكي والمقلّص”، بينما يعتمد رئيس الأركان الحالي، أفيف كوخابي، مبدأ “الجيش الفتّاك”. وتشهد فلسطين فتكَه بآلة القتل اليومي للسكان العزّل، والحامية لأكثر جرائم المستوطنين فظاظةً، وإلى درجةٍ عبّر فيها قائد الجيش في شمال الضفة الغربية، روعي تسفايغ، عن هذه العقيدة، بقوله للمستوطنين إن الجيش والمستوطنين “ليسوا طرفين يتعاونان معا، بل إنهم وحدة واحدة”. كما ترى التيارات الصهيونية العلمانية تحوّل الجيش من “جيش الشعب” إلى جيش الصهيو- دينية. يعتبر الإجماع الصهيوني حول الجيش إحدى ركائز المشروع، فيما الهالة التي كانت له في تراجع، وثقة الجمهور به أيضا، وفقط ثلث من الملزمين بالخدمة العسكرية يلتحقون بها، في حين أكثر من ثلث خرّيجي دورة الضباط في الجيش في السنة الأخيرة كانوا من التيار الديني القومي العقائدي، مقابل تراجع نسبة العلمانيين. تطعيم الجيش بالدين يعكس التطرّف الصهيو – ديني في المجتمع، والتحولات في الخريطة السياسية الإسرائيلية، إلا أنّ هذه التيارات لا تربط هذا التحوّل بالمشروع الاحتلالي الصهيوني الاستعماري الذي تترعرع الصهيو- دينية على أرضيّته، وهي أكثر التيارات المتصالحة مع واقع الاحتلال، مهما كانت إسقاطاته الديمغرافية والاستراتيجية والدولية.

في نظرة إلى السنة الأولى لتجربة حكومة بينت لبيد، يتبيّن أنّ بإمكان الأطراف داخل الائتلاف وخارجه العمل معاً رغم الاختلافات في التوجهات، فاستبعاد فلسطين من جدول الأعمال شرط أساسي لتعزيز التحالفات. واعتماداً عليه، يبدي أقصى اليمين استعدادا لقبول حزب عربي (القائمة الموحدة – الحركة الإسلامية الجنوبية) في ائتلافه، سواء أكان بزعامة الليكود أم حزب يمينا، وذلك بقبول هذا الحزب العربي فك الارتباط ما بين دوره في الائتلاف والقضية الفلسطينية، بما في ذلك دعمه قرارات حكومية تمسّ بالشعب الفلسطيني. إلا أن هذا “المخرج” للائتلاف الحاكم قد أدخل اليمين الصهيوني في أزمة عميقة وصراع حاد واصطفافاتٍ متناحرة. ولحسن حظه أنه لا توجد بدائل صهيونية حقيقية من خارج هذا التيار.

فبينما الليكود، التيار المركزي في اليمين الإسرائيلي، متحالفٌ مع الأحزاب الحريديم، فإن هناك توترات وتجاذبات مع التيار الصهيو- ديني، قد تتحوّل إلى صراع، وقد تنتفي لاحقا، ويصعب التكهن بها اليوم. مقابل عملية صهينة للتيارات الحريدية، إن إقصاءها من الائتلاف الحاكم، واستهداف مواطن قوتها ومؤسساتها المموّلة من الدولة، قد يدفع هذه التيارات إلى تعزيز هويتها الدينية الفئوية الانعزالية (وليس الانفصالية)، أو إلى تعزيز تحالفها مع الليكود، وهذا يتيح المجال لنفوذ إضافي لتيار الصهينة في ما بينه.

للخلاصة، الأزمة الصهيونية بنيوية، وأبعد من أن تكون مجرّد أزمة سياسية حزبية. ويبدو أنها ستتعمّق، إذ لا مؤشّرات على مخارج منها. إنها أزمة مرتبطة بقضية فلسطين وبجوهر إسرائيل وبالشروخ الصهيونية الداخلية، والشعب الفلسطيني هو عامل مؤثّر في مدى عمق هذه الأزمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى