في التلازم التاريخي لأزمة الحكم وتخريب السياسة بالجزائر
بشير عمري

يكاد يجمع الكل بما في ذلك النظام أن أزمة هذا الأخير، وبالاضافة إلى كونها عضوية ينطبق عليها قانون الفناء الطبيعي، بالحتم البيولوجي، في ظل عدم تمكنه من انتاج انتلجانيسا أو نخبة تفرز معنى فكري لانبثاقه بسبب أنه تلهى عن مجال العقل واستراح لآلية القوة كمولد لمبرر بقائه وبها حسم دوما صراعاته مع معارضيه منذ الأجيال الأولى للاستقلال، فهي – الأزمة – موضوعية تأتي كنتاج لمكايدة طويلة من هذا النظام تجاه ثورة التغيير لأكتوبر 1988 التي كانت قضت بحتمية التحول إلى نمط جديد من الجمهورية في الجزائر غامر دهاقنة السلطة الفعلية بالاكتفاء فيها باالانصياع لشكلاني من عناصر الثورة تلك وعدم الأخذ بجوهرها وهي التعددية الفعلية المفضية إلى تفعيل مبدأ التدول على السلطة  كعنصر ضروري في الفعل الديمقراطي، ليس لذاته بل لثقافة الدولة ككل، واليوم في ظل فشل أو إفشال التعددية وفي مقابل استحالة العودة إلى نظام الحزب الواحد المتجاوزة في فكر وتطبيقات السياسة في العالم واستحالة العودة إلى سحر وجنون الزعيم الأوحد الملهم بعد الذي فعله بوتفليقة على مدار عشرين سنة من الحكم من التدمير الممنهج للبلد منهيا بذلك أسطورة البومدينة كنمط مقدس فكري وبشري في عيون الشعب، – في ظل هذا كله – تتعقد أزمة النظام الذاتية مهما حاول أن يظهر خلاف ذلك عبر الاستناد على بعض التكنوقراط ممن عارضوا ادارة النظام وليس ارادته.

وهنا يطرح السؤال ما هي معالم النظام المستقبلية في مواجهة اشكالية الهوية التاريخية التي وجد نفسه فيها أمام وعي جديد بمسائل الوطنية، وتطور مفهوم الدولة على نطاق المعرفة كما التطبيق سياسيا؟ وكيف يمكن للفاعل السياسي المعارض التعامل مع تركة هذا النظام السياسية الثقيلة بعد أزيد من عقود ستة من انسجان في سردايب خطابه وقراره؟

 

أولا في معضلة الحكم كانت الأزمة في البدء على مستوى النخب وليس الشعب، وصار الأمر وفق ذلك التحييد الدائم لإرادة الشعب دونما حسبان لمعطى الوعي المتنامي والمتعاظم في أواساطه وهو ما أدخله إلى حلبة الصراع بقوة المنطق باعتباره أساس الدولة في أركان بنائها ومحدد شاكلة المسير والمصير للأمة والوطن، هذا الدخول بكل محمول الوعي الجديد، حتى في ظل حرص الدوائر على أن يتأسس كمنظومة للمجتمع المدني ويؤطر داخل مجتمع سياسي حقيقي، وتركه يشتغل بمنطق واسلوب الاحتجاجية المؤقتة غير المتظمة هرميا وقياديا، كان له انعكاسه على السياسة ومحور أزمتها الأزلية وهو الحكم الذي انبنى على شاكلة تصارعية قديمة مقطوعة الأفق لأن النبتة الأولى للسلطة كانت سطحية وليس غائرة ومغروزة في تربة التاريخ سلطة صادرت ميراث عقود وشهود من العمل الوطني الذي كان يلزمه أن يتسمر في تطوره متجذرا في تربة ذلك التاريخ الممتد من لحظة انبثاق الوعي الوطني الأولى إلى لحظة الاستقلال ويكون هذا الأخير الحلقة الوصلة بين المشروعين الوطنيين، التحريري (الناجز) والبنائي الذي كان يفترض أن يكون (في طور الانجاز)

فمعضلة الحكم كانت سياسية ناجمة عن تخريب للعملية السياسية من طرف غير سياسي (عسكري) واتخاذ ذلك مطية للتدخل والحيلولة دون السقوط في أزمة أو حرب أهلية، ما يعطي الشرعية لعملية الاجهاز على الحكم وآليات انبثاقه وتطوره المؤسساتية السلمية التي بناها الوعي والعمل الوطني والثوري تحضيرا لبناء بلد كبير متقدم بثقل تاريخه الثوري لا مُثقل بمشاكله السياسية.

هذا النمط من الكيد السياسي صار ثقاف النظام في الحيلولة دون تطور الوعي السياسي والحلحلة معضلة السلطة والحكم في الجزائر وكسر ثنائيتة بنيتها المتحولة داخل الثبات (السلطة الخفية/سلطة الواجهة)

ويخطئ من يعتقد أن الحتمية البيولوجية كفيلة بتخليص البلد من هكذا أسلوب في الحكم أي مع انقراض آخر من أسسوا له واستداموا عليه، ذلك لأن هذا الأسلوب الذي يلبس دوما قلق التناقض الوطني وقلة ثقافة الاستيعاب لمعطى التعدد والتنوع في المسرحي الاجتماع الوطني السياسي والثقافي، قد صار “شبه فكر” يغذي ما يسمى بالتيار الوطني ويعطيه مبرر البقاء والديمومة في الخطاب والممارسة، هذا التيار الذي كان في زمن الثورة يستأخر (يعين الآخر) بالكلونيالي اليوم صار الآخر كل من يتبنى فكرا خاصا (خارج مكنون رزمة الفكرة الوطنية) من أفكار السياسة والتاريخ والثقافة كخلفية لهويته النضالية، وما يزيد من قوته هو انه يفتح حياضه لكل الروافد لمن يطمحون لبلوغ مستويات من المسئولية من كل التيارات والافكار وبذلك يغدو مقبر للتعددية الحقيقية لأن التعددية هنا تغدو فردية لا مؤسساتية ولا حزبية وبالتالي تفقد جدواها ومن خلالها تفقد السياسة والديمقراطية ككل معناها ومفعلوها.

هكذا إذ تظهر بجلاء متلازمة أزمة السياسة بوعيها القديم المؤسسة للحكم الدائم في جوهره بالجزائر، والذي ليس يمكن حلحلته سوى بفك ذلك التلازم القديم، ما يعني أن أطراف العمل الوطني مجبرة على العودة إلى الماضي لفهم أساس ظهور هذا النظام وكيف تطور وفق ما سقناه من معطيات، حتى يدرك الجميع أن كل المحاولات السابقة السياسية والانتخابية الثورية منها والسلمية لاقتلاعه باءت بالفشل كان سببها عدم فهم بنية النظام من جهة وعدم فهم لحظة ظهوره والقاعدة أوالخلفية  التي استقام عليها والمبررة دوما لديمومته.

التجرد من الماضي والقطيعة معه بحجة التطلع إلى المستقبل، كان بمثابة مقتل أصابت به أطراف المعارضة الجادة نفسها وهي تعمل من أجل التغيير، طالما أن ذلك الماضي قد تراكم في تجربته واستحال كما أشرنا لما يشبه فكر وخارطة طريق تعمل على دعم النظام بوقود الاستمرار في عمره الطارئ الموقوت يقود به بلد يريد الاستقرار والخلاص من أسلوب الطارئية تجسدها الدساتير الطارئة.

ونخلص هنا إلى أن ذريعة و”طنية العنف” التي سلكتها السلطة دوما للحفاظ على ما تقول أنه وحدة وطنية حين تواجه موجا تغييريا شعبيا متأتيا من قوى التنوع الثقافي، أو الحفاظ على النمط الجمهوري حين تواجه قوة تعددية من تيارات المعارضة الرادكالية، إنما ترتجع بخثب إلى لحظة القلق الوطني الأولى عشية الاستقلال ليس فقط لتذكر بها كسبب وضرورة لوجودها وبقائها المنقذ للوحدة الوطنية، بل لتثيرها وتعتملها من جديد عبر بث الفرقة الرمزية والفكرية التي لم يرقى مجتمع النخب نفسه إلى مستوى الوعي بها تطبيقيا خارج القبول النظري الفارغ.

فالخلاصة اليوم بعد عقود من التدمير والتخريب للعمل السياسي والسعي الدائم والدؤوب من قبل النظام للحيلولة دون أن يخرج عن اطار حكمه وتحكمه، يتضح أنه أزمة الحكم في أصلها “تاريخي سياسي” وحلها لن يكون سوى  “سياسي تاريخي” تصنعه ارادة التغيير المتجردة من نزعة مركزيتها في الفكر والسياسة وتسعى لاعادة فهم بيان أول نوفمبر الذي في محتواه تكمن خطيئة النظام وليس  قط مصدر قوته كما يتخيل بعض الساسة من الجيل المتأخر، بل هو مصدر إدانته، هذا الافهم الخاطئ لسير ومصير النظام في الوعي الوطني الجديد يفرض الاقرار اليوم بأن مرحلة الموت السريري للنظام لا يعني أن بديله خارج النسق الشعبي، الذي استحال بفعل تجارب التدمير والترهيب المستمرة في صراع التغيير أكثر حكمة وصلابة من نخب الحكم والمعارضة، جاهز في ظل عدم تجذر المعارضة في أصول الاشكال الوطني العميقة والمعقدة.

بشبر عمري

كاتب سياسي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى