في المقاومة والمفاوضة ونقد حديث النهايات
ماجد كيالي

بات الحديث عن النهايات أثيرا في الخطابات السياسية والأيدلوجية، اليقينية والمطلقة، فثمة نهاية التاريخ، ونهاية الأيدولوجيا، ونهاية القوميات ونهاية الإنسان.
في حقل السياسة الفلسطينية ثمة حديث عن نهايات، أيضا، فهنا حديث عن نهاية المفاوضات، وكذا التسوية، وحل الدولتين، كما ثمة حديث عن نهاية إسرائيل أو المقاومة، وحديث عن نهاية السلطة أو المنظمة. وفي المفاوضات ثمة حديث عن نهاية المطالب أو نهاية الصراع، وهكذا.
في الواقع فإن الحديث عن النهايات لم يثبت من الناحية العلمية والواقعية، إلا بما تعلق بظواهر جزئية ومؤقتة، وبحوادث معينة، ووفق قيم نسبية، بمعنى إنه مسالة غير يقينية ولا مطلقة بالنسبة لظواهر تاريخية ممتدة ومتداخلة.
على ذلك فإن القول، مثلا، بانتهاء المفاوضات وانهيار التسوية وغياب حل الدولتين لا يفيد شيئا في فهم حركة القوى الفاعلة في هذا المضمار، ذلك أن تعثر هذه المسارات لا يعني بداهة نهايتها. فإذا كنا ندرك بأن إسرائيل غير مستعدة سياسيا وأيديولوجيا وأخلاقيا لتلبية حقوق الفلسطينيين، فهذا يعني بأن الغرض من انخراط إسرائيل بهذه العملية لا يستهدف إنهاؤها، وإنما هو يستهدف التلاعب بها، كما حصل حتى الآن؛ ونحن ندرك ما معنى ذلك وما معنى بقاء إسرائيل كقوة احتلال مهيمنة في الأراضي المحتلة.
معنى ذلك أن العملية التفاوضية بين الفلسطينيين ستستمر، بشكل أو بأخر، بمد وجزر، كما في المراحل السابقة، بهذا الثمن أو ذاك، بهذه النتيجة أو من دونها. وما يؤكد هذا الاستنتاج غياب الخيارات الممكنة، أو عدم تأهّل القوى المعنية (في السلطة والمعارضة) لخيارات بديلة، في حال فشل المفاوضات الجارية، إلى درجة أن الخيارات التي طرحها الرئيس الفلسطيني ذاته، في بعض المحطات، من مثل تسليم المفاتيح، والاستقالة، أو عدم الترشح للانتخابات هو مجرد خيار فردي فقط، رغم دلالته، أما الخيارات الأخرى فهي فلم يثبت جدواها حتى الآن، على مستوى وقف المفاوضات، وتاليا مراجعة الاعتراف بإسرائيل أو وقف التنسيق الأمني والإداري وانهاء علاقات التبعية الاقتصادية، أو التوجه للمحافل الدولية.
هكذا، فإن القيادة الفلسطينية التي تواصل الإعلان عن تشبّثها بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والتي ستجد نفسها عاجزة عن دفع إسرائيل لتلبية هذه الحقوق، بوسائل المفاوضات، والنشاط الدبلوماسي، لن يكون أمامها في هذه الحالة إلا إعادة توصيف نفسها كسلطة تحت الاحتلال.
وما يرجّح ما ذهبنا إليه واقع أن هذه العملية لم تعد مرتبطة تماما بنتيجتها أو بمآلاتها، بالنسبة لحقوق الفلسطينيين الوطنية، بحكم ارتهان السلطة لخيار التفاوض كخيار وحيد، لا سيما مع وجود قوى فيها باتت مدينة بمكانتها وبنفوذها لاستمرار هذه العملية، وبالنظر لشبكة علاقات الاعتمادية التي تربط المجتمع الفلسطيني بالاحتلال، وبروز طبقة سياسية متعيشة من معونات الدول المانحة، أو الراعية للعملية السلمية (بوجود 180 ألف موظف في السلكين الأمني والمدني في السلطة).
وتأسيسا على ذلك فإن الحديث عن نهاية المقاومة هو حديث مغلوط، بنفس الدرجة، ذلك أن مقاومة الفلسطينيين للاحتلال لم تكن مرة على وتيرة واحدة، وإنما هي شهدت مراحل من الصعود والهبوط. وفي هذا يندرج أيضا الحديث عن عدم صحة حصر المقاومة في إطار، أو تنميطها بمجرد شكل واحد. فقد أكدت التجربة بأن المقاومة لم تكن يوما محصورة بإرادة فصيل أو فصائل معينة، تماما مثلما لم تكن مقتصرة على المقاومة المسلحة، فالمقاومة هي تعبير عن إرادة شعب يسعى للتخلص من الاحتلال، ويستخدم في كل ذلك كل ما يملكه من وسائل وأشكال نضالية.
وحتى قبل بروز دور الفصائل في الأراضي المحتلة (1967)، بعد إقامة السلطة، ومجيء فصائل منظمة التحرير إلى الداخل، كان فلسطينيو الضفة وغزة ينتهجون مختلف أشكال العصيان المدني، والمقاومة الشعبية، ما يذكر بانتفاضات السبعينيات، والتي توّجت بالانتفاضة الأولى (1987ـ1993) التي كانت سميت بانتفاضة “أطفال الحجارة”. وفي المرحلة الحالية وبرغم خبو الإمكانيات النضالية، وتوقف المقاومة المسلحة من الضفة وغزة (من قبل فتح وحماس) فإن الفلسطينيين، ورغم كل معاناتهم والنزيف الذي تعرضوا له في المرحلة السابقة، ورغم إحباطهم من الاختلاف والانقسام، واصلوا كفاحهم ضد الاحتلال والاستيطان والتمييز، في المظاهرات والاعتصامات ومظاهر العصيان التي انتهجونها ضد الاحتلال في الضفة الغربية (تماما مثلما كما في مناطق 48). وإذا كانت الأمور هي على هذه الحال فمن الصعب توقع مسار الأوضاع على هذا الصعيد، لاسيما في ظل احتدام الصراع السياسي في منطقة الشرق الأوسط.
أما بالنسبة للحديث عن نهاية المطالب أو نهاية الصراع فهو إما مجرد حديث ساذج، وإما هو مجرد حديث للاستهلاك السياسي لا أكثر، ذلك أن صراعات تاريخية ممتدة، وعميقة، ومعقدة، بحجم الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يمكن إنهاؤها بمجرد اتفاق (مهما كان نوعه)، ولا بمجرد توقيعات، بغض النظر عن فتح أو حماس، بوجود مقاومة مسلحة أو مفاوضات، ولا بعدم هذا أو ذاك. وفي الواقع فإن هكذا نوع من الصراعات لايمكن حلها أو إنهاؤها إلا بجملة من التحولات التاريخية العميقة والمعقدة والتي تجري في إطار المجتمعين المعنيين، في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والقيمية.
لذا وبدلا من التسلي بالأحاديث عن النهايات، يجدر تفحّص الإمكانيات والمعطيات المتوفّرة، والتمعّن بالتجارب والمسارات السابقة، والاعتبار من التحولات الحاصلة، لأن كل ذلك هو الأجدى في إعادة بناء الحالة الفلسطينية، بشعاراتها وعلاقاتها وبناها وأشكال عملها، على أسس سليمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى