في تونس.. غابت الأحزاب وحضرت الإنترنت
علي قاسم

للمرة الثانية يدلي التونسيون بأصواتهم لاختيار رئيس لتونس. هذه المرة لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، بل توجهوا إلى الشارع. التونسيون الذين اختاروا قيس سعيّد رئيسا ومنحوه 2.7 مليون صوت، منحوه ضِعف هذه الأصوات يوم 25 يوليو بدعمهم للقرارات التي اتخذها وقرّر بموجبها تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن جميع النواب، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه، مستندا إلى الفصل 80 من الدستور التونسي.

“الشعب يريد”، هو الشعار الذي رفعه الأستاذ الجامعي المختص في القانون الدستوري في حملته الانتخابية عام  2019، وكان وصوله إلى الدور الثاني إنجازا استثنائيا وصف حينها بـ”الزلزال الانتخابي”.

لن ينسى العالم يوم 13 أكتوبر 2019، وهو يرى التونسيين يختارون رئيسا مستقلا خاض غمار الانتخابات بتمويل ذاتي بسيط، رافضا المنحة المقدمة من الدولة للقيام بالحملة الانتخابية، واستند في حملته إلى مجموعة من المتطوعين الشباب. ليفوز بأغلبية ساحقة ويبدأ عهدته رسميا في 23 أكتوبر 2019.

عمل راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة ورئيس البرلمان وصاحب أكبر كتلة فيه، كل ما في وسعه لتهميش دور الرئيس المنتخب. وبينما رأى الغنوشي أن سلطة الرئيس رمزية في نظام برلماني، أصر قيس سعيّد على أن الرئاسة ليست مجرد صندوق بريد يوقّع على الأوراق فقط.

وبدلا من أن يلعب البرلمان دورا في وضع الحلول وتسيير مؤسسات الدولة تحول إلى عقبة في طريق أي إصلاحات يحتاجها الاقتصاد التونسي المتعثر.

وخلال 20 شهرا انشغل فيها العالم بوباء كورونا، انشغلت تونس بخلافات السياسيين، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، وفي تلك اللحظة الحرجة جاء تدخل الرئيس سعيّد. فكان التفاف الشارع حوله مفاجأة أذهلت الجميع.

خرج التونسيون إلى الشارع يحتفلون بالهتافات والزغاريد في عرس انتخابي، وخلال ساعات قليلة مرّت دون عنف يذكر، ودون قطرة دم واحدة، قضي الأمر؛ وسط ذهول العالم وذهول الأطراف التي حاولت التشكيك في قرارات الرئيس ووصفت ما حصل بـ”الانقلاب”.

التونسيون الذين احتفلوا بقرارات الرئيس آخر ما يشغلهم هو توصيف ما حدث، السياسيون ومعهم الدول الراعية للإخوان المسلمين هم من ركز على شرعية القرارات وضيقوا حدود المشكلة في كلمة واحدة هي “انقلاب”.

خلال عشر سنوات لم تتحقق وعود السياسيين، وتعمقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، وانتقلت خلالها حياة التونسيين من سيء إلى أسوأ.

“القفة” هي ما يشغل التونسي البسيط، وهي المقياس الدقيق للتضخم. كلمة تضخم نفسها لا مكان لها في قاموسه.

هل سيجد شباب تونس الذين أمضوا سنين أعمارهم يجتهدون ليحصلوا على شهادات علمية عليا عملا يؤمن لهم حياة كريمة؟ وهل يكون بمقدور أكثر من نصف التونسيين تأمين غذائهم اليومي؟

الحديث عن النمو والاستثمار مجرد مصطلحات تستعملها النخبة في بلاتوهات الفضائيات، لا وجود لها في قاموس التونسي. البطالة، التي وصلت إلى 35 في المئة في صفوف حاملي الشهادات العليا، هي ما يشغله.

عشر سنوات صعبة تحملها التونسي مكتفيا بحق واحد من حقوقه هو حرية التعبير. إلى أن جاءت جائحة كورونا وكشفت كل العيوب. حكومة عاجزة عن تأمين اللقاحات وبنية صحية متهالكة. والأسوأ أن القرارات التي كان على الدولة أن تتخذها لمنع انتشار الوباء، اتضح أن الالتزام بها نوع من المستحيل. فالدولة بإمكانياتها عاجزة عن تعويض الخسائر.

القرارات التي اتخذها قيس سعيّد هي نفسها مطالب الشارع التونسي، وهذا ما يفسر الموقف الإيجابي المؤيد لها بين شريحة واسعة من التونسيين.

ردود فعل الأحزاب أظهرت أن هذه الأحزاب ومعها السياسيون يعيشون في عالم آخر، منفصل عن العالم الذي يعيش فيه التونسيون، ولم يكن زعيم حزب النهضة، استثناء في ذلك، فسارع إلى وصف ما حدث بالانقلاب، متهما وسائل إعلام خارجية بدعم الرئيس سعيّد.

نسي الغنوشي أن العالم يعيش عصر الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي، وأن انتقال الخبر وتداوله يتمان بسرعة الضوء.

في تونس الكلمة العليا اليوم للإنترنت. ووسائط التواصل الاجتماعي هي من يقود التونسيين.

وهذا ما أثبتته الأحداث مرتين؛ المرة الأولى، عندما اختار التونسيون قيس سعيّد رئيسا للجمهورية. والثانية، بالالتفاف حوله خلال الأيام الخمسة الماضية.

حدث ذلك كلّه بينما الأحزاب، التي فشلت في إدراك قوة الوسائط الجديدة، تكتفي بمراقبة قاعدتها الجماهيرية تذوب وتتلاشى.

لقد خبرت، بحكم العمر وبحكم النشأة، عددا هائلا من الانقلابات. أول خطوة كان الانقلابيون يتخذونها هي الاستيلاء على الإذاعة (القنوات التلفزيونية لم تكن موجودة حينها).

هذا بالطبع منذ ستة عقود. بوجود وسائل الاتصالات الحديثة، من يستطيع أن يسيطر على الإعلام اليوم؟ دونالد ترامب الذي كان رئيس أقوى بلد في العالم اشتكى من سطوة وسائل الاتصال ووسائط التواصل الاجتماعي.

على الغنوشي أن ينسى عداءه التقليدي لوسائل الإعلام الذي تحول بمرور الوقت إلى حساسية مزمنة، ويبحث عن مشجب آخر يعلق فشله عليه. وأن يعتاد الحياة بوجود غوغل وتويتر وفيسبوك، لأنه لن يستطيع أن يخرسها. ترامب  “كان أشطر منه”  ولم يستطع.

بإمكانك أن تجمع الناس من حولك، مستعينا بخطابات أيديولوجية جذابة، ولكن لن تستطيع أن تبقيهم ملتفين من حولك. سرعان ما سيكتشفون أن الكلام، مهما علا شأنه، لا يسمن ولا يغني من جوع.

على السياسيين بدلا من التنقيب عن أخطاء يلصقونها بالرئيس التونسي، أن ينقبوا عن الأسباب التي ساعدته على اكتساب قلوب التونسيين. بداية بفوزه بأصوات الناخبين، بصفته مستقلا، ودون إعلام يسوق له، ودون حملات انتخابية باذخة. وانتهاء بدعم قراراته تجميد البرلمان وإعفاء هشام المشيشي من منصبه.

البعض توقع “حمام دم”، لسبب بسيط أنهم تعاملوا مع نص الدستور على أنه مقدس لا يمس. بدلا من “حمام الدم”  خرج التونسيون إلى الشارع يعبّرون عن تضامنهم مع الرئيس. وكان من سوء حظ المتباكين على الديمقراطية أن الشخص الذي اتهموه بمس الدستور هو خبير بالقانون الدستوري. وأن المقدس بالنسبة إلى التونسيين اليوم هو كرامتهم وحريتهم التي لن يقبلوا المس بها. هل يجب أن نخاف على مستقبل الديمقراطية في تونس؟

بالتأكيد نعم؛ ولكن ليس من قيس سعيّد، بل من هؤلاء الذين يرون في الإعلام خطرا على وجودهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى