في جدوى المقاطعة
د.مصطفى الفقي * 

رفع العرب سلاح المقاطعة الكاملة مع إسرائيل لعدة عقود، وخصصت جامعة الدول العربية مكتباً إقليمياً لهذا الغرض؛ مقره في العاصمة السورية دمشق، وتركزت فلسفة الخمسينات والستينات؛ بل والسبعينات أيضاً على أن المقاطعة الاقتصادية والسياسية، هي أمضى الأسلحة؛ لمواجهة سياسات إسرائيل العدوانية والاستيطانية والعنصرية.

وأتذكر أن أستاذنا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في ستينات القرن الماضي الدكتور بطرس بطرس غالي كان يقول لنا: إن من أسباب استمرار جامعة الدول العربية هو قدرتها على الحيلولة دون صلح منفرد لإحدى الدول العربية مع إسرائيل، ولقد سألته يومها: وما هي الدولة الأقرب إلى مثل هذه الخطوة، أجاب دون تردد: ربما تكون لبنان بحكم موقعها الجغرافي، ووضعها السياسي، ودورها الاقتصادي الخدمي في المنطقة، ثم مرت سنوات فإذا الخطوة تبدأ من أكبر دولة عربية بمبادرة ضخمة من رئيس مصر الراحل أنور السادات بعد نصر أكتوبر عام 1973، فكان سعيه لتوظيف نتائج تلك الحرب في تحقيق السلام أمراً لا بد منه، وعندما اكتشف أن ثمار السلام لا تتحقق، وأن آلية التسوية السياسية تمضي ببطء، كان قراره التاريخي بزيارة القدس في نوفمبر عام 1977، وهي خطوة أثارت جدلاً قومياً، وفتحت باباً للخلافات العربية – العربية لعدة عقود، واستعاد بها السادات أرض مصر من دون أن يمس الحقوق الفلسطينية بأي التزام سلبي؛ بل على العكس كان خطابه في الكنيست من أقوى ما قيل؛ دعماً للقضية الفلسطينية.

وكان من الطبيعي أن يتهمه العرب في معظمهم بالخيانة؛ بل إن قطاعاً من المصريين تبنى نفس الموقف، وكانوا من المعارضين للسادات، حتى أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسماعيل فهمي رفض الذهاب معه إلى القدس، وآثر الالتزام بقناعاته التاريخية؛ باعتباره دبلوماسياً مصرياً مرموقاً يعرف أن القضية الفلسطينية؛ هي قضية العرب الأولى، وأن طريق السلام مع إسرائيل ليس سهلاً ولا مضموناً، والآن جاء الوقت بعد مماحكات بين إسرائيل ودول عربية أخرى أرضها غير محتلة، فمصر والأردن تمتلكان عذراً قوياً؛ وهو أن أجزاء من أرضهما كانت محتلة، ومن حقهما السعي حرباً وسلاماً؛ لتحريرها واستعادة ترابها، ولكن دولة مثل موريتانيا وبعض دول الخليج العربي وربما السودان أيضاً بدأت تنظر في الأمر بشكل مختلف، وترى أن سلاح المقاطعة ليس هو السلاح الأكثر تأثيراً، فضلاً عن أنه يمثل مادة للدعاية الإسرائيلية حول سلبية العرب، ورفضهم الحوار المباشر والتعامل مع قضيتهم، وكأنهم خارج دائرة العصر، خصوصاً وأن المقاطعة الدبلوماسية، تعبر عن نمط متراجع في العلاقات الدولية المعاصرة، فلقد كان ذلك أسلوباً متبعاً منذ عدة عقود؛ لكن حالة الانفتاح العالمي وتطور وسائل الاتصال وتقدم تكنولوجيا المعلومات، قضت كلها على هذا النمط التقليدي من التفكير، فالمهم حالياً هو التمسك بالثوابت والنظر إلى جوهر القضية من دون أن يكون ذلك على حساب سيادة الدول ودورها القومي، ولعلي أطرح هنا بعض الملاحظات المتصلة بهذا الأمر:

* أولًا: إن الدولة – أي دولة – هي كيان يتمتع بسيادة يستطيع أن يتخذ من القرارات ما يراه متلائماً مع البيئة السياسية المحيطة، والمناخ الدولي العام، بشرط ألا يخرق التزاماً قومياً قطعه على نفسه بمنطق التاريخ والجغرافيا، كما أنه يتعين على الدولة التي تقوم بعملية اختراق سياسي ودبلوماسي أن تضع في اعتبارها حماية أصحاب القضية، وحقوقهم المشروعة، والوضع في أرضهم المحتلة، ولا أظن أن بلداً عربياً واحداً سوف يخل بهذه الثوابت أو يتنكر لها.

* ثانياً: إن إسرائيل قد قطعت شوطاً طويلاً في مجالات التطبيع الدولي، خصوصاً على المستويين الإفريقي والإسلامي؛ بل وقامت باختراق واضح لعدد من عواصم القارة السمراء بصورة علنية، كما حققت قدراً كبيراً من التطبيع لم يكن متاحاً منذ عدة عقود؛ لذلك فإن حجم الصدمة لا يصل في حدته إلى درجة تلك الصدمة التي أحدثتها اتفاقات كامب ديفيد في وقتها؛ لكن أثبتت التجربة بعد ذلك أن التطبيع لا يعني التساهل في مفردات القضية أو التفريط في ثوابتها؛ بل هو أمر قد يكون سبباً في تسهيل التعامل، وتيسير أسباب التواصل التي قد تؤدي إلى تفاهم أفضل، وتقترب من يوم تتحقق فيه العدالة للشعب الفلسطيني المناضل، وتساعد على استرداد أرضه، وضمان حقوقه خصوصاً وأن الشرعية الدولية لم تستطع حتى الآن ردع إسرائيل أو تحريكها عن مواقفها المعادية للشعب الذي اغتصبت أرضه وانتهكت مقدساته.

* ثالثاً: قد يقول قائل: إن لعاب الدولة العبرية يسيل منذ قرن كامل على ثروات الخليج العربي، والرغبة في دخولهم في شراكة إنشائية واستثمارية ونقدية مع تلك الدول التي منحها الله فيضاً من نعمته؛ يتمثل في البترول العربي، وهنا أتساءل هل نتصور أن الخليج يحتاج إلى أوصياء عليه؟! أو أنه لا يدرك أكثر من غيره مصالحه الوطنية وسيادته السياسية وكرامته القومية. إن الدول العربية كلها قد شبت عن الطوق، ولا تحتاج إلى نصائح تعليمية أو إرشادات معروفة سلفاً، وليدرك الجميع أن دول الخليج التي تتعامل مع العالم كله بتقنية ووعي وفهم وبندية كاملة لن يعوزها الأمر ذاته فيما يتصل بالعلاقات مع إسرائيل.

إنني أقول هذه الكلمات مخلصاً لأمتي ولقضيتها الأولى؛ القضية الفلسطينية ومجرداً من أي توجه سياسي ومؤمناً إيماناً كاملاً بأن لغة التخوين والتفسير التآمري للأحداث هي أمور عفا عليها الزمن، فقد أصبحت الدنيا قرية كونية صغيرة لا يختفي فيها أي خبر، ولا تضيع منها معلومة. كما لا تنسى الشعوب حقوقها ولا تفرط في ثوابتها، فتلك هي حكمة التاريخ وفلسفة الجغرافيا وطبيعة البشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى