في حال العرب وفلسطين
معين الطاهر

“لا يمكن أن يثأر الجيل المقبل ما لم نؤدِّ نحن واجبنا، ما لم نترك له مراتب من الشرف والكرامة والبطولات. إنني أؤكد لكم، أنه إذا تم الأمر ولم نقاومه، ولم نخرج من المعركة جرحى أو مقتولين قتلًا ونضالًا، وقد سلِم شرفنا، فإنّ المقاومة سوف تضمحل تدريجًا، وسنرى دعوة للاعتراف بدولة إسرائيل تروَّج بين الناس، وسوف نرى بعض الدول العربية تقرّر أنّ مصلحتها في التبادل الاقتصادي مع إسرائيل، وفي الاعتراف بها. وسوف تصرّ إسرائيل على عدم التعويض للاجئين عن أراضيهم وأملاكهم”.
لم يقل أحد هذا الكلام حديثًا، قبل صفقة الرئيس الأميركي، ترامب، أو بعدها، أو بعد مفاوضات أوسلو أو خلالها، أو ردًا على هرولة بعض الأنظمة العربية إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني والاعتراف به، وإقامة حلف أمني وعسكري معه، لكنّ المناضل والمؤرخ الفلسطيني، والسياسي القومي العربي، والوزير الأردني، أكرم زعيتر، قاله حين ذهب، مع رفاقٍ له من مؤسسي حزب الاستقلال، منهم عوني عبدالهادي، وصبحي الخضرا، وواصف كمال، قبل أكثر من سبعين عامًا، في 23 يناير/ كانون الثاني 1949، للقاء جميل المدفعي الذي ترأس الوزارة في العراق مرات عدة، وإسماعيل صفوت، القائد العسكري العراقي، خلال زيارتهم دمشق، قبل أن يبرد رماد نيران الحرب في فلسطين.
يبرّر المدفعي وصفوت العجز العربي بضعف “الممكنات” العربية (وهذا تعبير زعيتر)، أمام  الممكنات الصهيونية، وعدم قدرة الجيش العراقي على البقاء، نظرًا إلى طول خطوط إمداده (1600 كلم)، فيردّ عوني عبدالهادي: “ننسحب، ولكن يظل العراق في حالة حرب. المهم أن يشعر العرب أنّ القضية الفلسطينية قضيتهم القُطرية، فيشعر العراقي ويعمل باعتبارها عراقية”. ليؤكّد المدفعي وصفوت: “هذا الواقع”، فيقول أكرم زعيتر: “أريد أن أسأل هذا السؤال: لنفرض أنّ تركيا قررت غزو العراق، والاستيلاء على بغداد، فماذا يكون موقفكم، وأنتم تعلمون أنّ الجيش التركي أقوى من الجيش العراقي بمراحل؟”. فأجابوا: “نحارب حتى النَفَس الأخير، رغم ضعفنا”. قال أكرم: “ولكن لم تفعلوا هذا بالنسبة إلى فلسطين. المؤسف المؤلم الخطر أننا لم نقم بواجبنا في المعركة. المؤلم، يا سيدي، أننا لم نُجْرَحْ في المعركة، إنما الذي جُرِح هو شرفنا وكرامتنا. أفهم أن نحارب حتى نُغلب، ولكن لا أفهم، أن ننهزم وأن نتخاذل”.
هذا غيض من فيض يوميات أكرم زعيتر 1949-1965 التي ستصدر قريبًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بعنوان “آمال الوحدة وآلام الانقسام”. تلك الآمال بالوحدة بين أي قطرين عربيين، والتي سعى جيل كامل إلى تحقيقها، مصحوبة بمرارة الانقسامات العربية التي حالت دونها خلال تلك الأعوام.
تثير النصوص السابقة أسئلة عدة لم يجد معظمها إجاباته، على الرغم من طول المدة. وتحيلنا إلى واقع اللهاث الرسمي لبعض الأنظمة (أو أغلبيتها) للتطبيع مع إسرائيل. وتمدّنا بإجابة تفسيرية واضحة، فإنه “إذا ما تم الأمر، ولم نقاومه … فإنّ المقاومة سوف تضمحل تدريجًا، وسنرى دعوة للاعتراف بدولة إسرائيل تروَّج بين الناس…”. ولعل ذلك يفسّر أيضًا سبب عدم ظهور مثل هذه الدعوات في زمن المقاومة، ويوضّح الطريق للقضاء على موجات التطبيع بالعودة إلى اعتبار الصراع مع العدو حلقة مركزية للنضال الفلسطيني والعربي في آن واحد، وفي قلب مشروع حركة التحرر الوطني العربية.
سؤال آخر يثيره النص بشأن مدى مسؤولية الدول العربية في القضية الفلسطينية، يحمل في داخله سؤالًا ثالثًا يتعلق بالمسؤولية الفلسطينية أيضًا، ويدور حول التصريحات التي تصدر بين حين وآخر، وتجد مبرّرها في التطبيع بسيرها على الدرب الذي اختارته قيادات فلسطينية حين  اعترفت بالعدو، وأسست لعلاقات اقتصادية وأمنية معه، مدّعية أنّ أهل مكّة أدرى بشعابها، وإذا كان رب البيت بالدفّ ضاربًا فلا غبار على أهل البيت في ما يفعلونه.
بداية الإجابة هنا في سؤال أكرم زعيتر الاستنكاري عما كان سيفعله العراق (في ذلك الزمان) لو تعرّض لهجوم تركي، على الرغم من الفرق في ميزان القوى. وإجابة المدفعي وصفوت بالنيابة عن النظام العربي كله تُظهر بوضوح كامل أنّ هذه الأنظمة العربية القُطرية لم تعتبر يومًا أنّ فلسطين جزء محتل منها، وأنّ عليها واجب تحريرها، كما لو كان جزء من هذا القطر أو ذاك محتلًا، على الرغم من استغلال تلك الأنظمة للقضية الفلسطينية في صراعاتها ضمن المحاور العربية، حين تتبنّاها لتتهم خصومها بالتخلي عنها، أو لتقمع أي إصلاح أو تغيير في أقطارها، بدعوى أولوية القضية الفلسطينية.
نعم هنالك تراجع في الموقف الفلسطيني يمتد منذ عام 1974 (البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير)، وحتى ما بعد اتفاق أوسلو وإقامة سلطة الحكم الذاتي المحدود، ولكنّ الموقف العربي لم يكن بريئًا تمامًا من تلك النتيجة. صحيحٌ أنّ ما يردّده القادة العرب هو “نقبل بما يقبله الفلسطينيون”، ولكنّ السؤال هو عن حجم الضغوط التي مارستها الأنظمة العربية على الفلسطينيين للقبول بهذه التنازلات، ومن ثم تحميلها للطرف الفلسطيني. إضافة إلى ما يحمله هذا الموقف من تخلٍ عن مسؤولياتهم القومية، واعتبار الموضوع الفلسطيني أمرًا يخصّ الفلسطينيين وحدهم، وأنّ المشروع الصهيوني في بلادنا لا يهدّد الوطن العربي كله. ولأنّ الأمور متشابكة ومترابطة، فإنّ شعار القرار الفلسطيني المستقل الذي كان صحيحًا في بدايته، وهدف إلى إبعاد القضية الفلسطينية عن دائرة الصراعات العربية، استُخدم لاحقًا لتبرير انخراط القيادة الفلسطينية في عملية التسوية.
إذا كان “نقبل بما يقبل به الفلسطينيون” كلام حق يُراد به باطل، لتسويغ الالتحاق بمشروع  ترامب – نتنياهو، وتبرير الاعتراف بالعدو والتطبيع معه، فإنّ ثمّة واجبًا على الفلسطينيين المبادرة إليه لنزع الفتيل من أيدي المنساقين مع المشروع الصهيوني، ويتلخص في موقف واضح وحازم وراسخ في رفضهم المشروع الصهيوني، والرواية التاريخية الصهيونية، وما تعرف بصفقة القرن، وأخيرًا تمسكهم بثوابتهم الوطنية.
عودة الموقف الفلسطيني إلى جذوره، وتمسّكه بتحرير أرضه كاملة، وإلغاء جميع التنازلات التي قُدّمت عبر مسار التسوية، كفيلة بسحب المبرّرات التي تُستخدم للتطبيع مع العدو، وهو ما من شأنه أن يعزل بعض العرب والفلسطينيين الذين يسيرون بهذا الاتجاه، ويعيد إلى القضية الفلسطينية وهجها كقضية مركزية للأمة العربية، يكون الفلسطينيون فيها رأس الرمح العربي الشعبي في مواجهة المشروع الصهيوني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى