في ذكرى الانتفاضة
سائد كراجة

 

في مثل يوم أمس الأول من العام 1987 انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بعد حادث دهس سائق إسرائيلي لعمال فلسطينيين على معبر إيرز غزة، وهي الحادثة

التي تعبر في رمزيتها عن مكبوت الذهن الصهيوني تجاه الفلسطينيي ووجوده المادي والمعنوي، وتشي بحقيقة أن الصهيوني ليس عنده حلٌ للفلسطيني سوى إزالته ماديا ومعنويا من الوجود، فإن اضطر للتعامل معه فليكن بلا هوية ولا ملامح ولا صوت ويستحسن بلا صورة.

الانتفاضة في معناها الجوهر إعلان عن إفلاس الحلم الصهيوني لأنها حركة شعبية للنضال السلمي، ومثلت الإعلان الأدبي للوجود المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني، وقد غيرت الانتفاضة مفاهيم العمل الشعبي، وخلقت نماذج لإدارة الواقع ضمن معطيات سطوة الاحتلال العسكرية والاقتصادية، وتكيفت بشكل تلقائي عفوي مع احتياجات الساحة المحلية؛ فقلبت هرم العمل الشعبي نحو اللامركزية، حيث لم يعرف قائدٌ معين لها، ووضعت قرار الإدارة والحركة للشارع، كما مازجت بين الحياة اليومية للناس ومقاومة الاحتلال، فكان الشاب يعمل نهارا وأحيانا داخل الكيان المحتل، فإن عاد من العمل انخرط في أعمال المقاومة السلمية، وأعتقد أن هذا النموذج الشعبي التلقائي المرن زلزل «إسرائيل» وأعجزها عن قمع الانتفاضة.

الحالة الفلسطينية اليوم بائسةٌ للأسف، والانقسام الفلسطيني قاتل، وهو أثر مباشر لمعادلات الصراع في المنطقة، بما في ذلك حالة الصراع السري والعلني بين دول الخليج وإيران، ولكنه أيضا انقسامٌ فلسطيني، بمعنى غياب حالة قيادية قادرة على تجاوز المصالح الضيقة والعجز عن الاجتماع أمام باب المصلحة الوطنية العليا للفلسطينيين.

الحالة العربية ليست أقل بؤسا، فمنذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم هْدِمت عواصم عربية أساسية هي بغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس. والأمة العربية لم تعد أمة بالمعنى السياسي ولا الاقتصادي، بل هي طوائف متناحرة إما مباشرة أو بواسطة وكلاء الحرب المحليين والعالميين، وهناك دول عربية صدعت بالتطبيع مع «إسرائيل» وبدأت به، وفي هذا المجال فإن صوتا سعوديا جاء مؤخرا من مؤتمر عقد في المنامة ليحيي الأمل بعودة أولوية القضية الفلسطينية، وعدم تعارض الموقف المبدئي منها مع الموقف من إيران، حيث أعلن الأمير تركي الفيصل في خطاب بلغة قاطعة أن لا تطبيع مع «إسرائيل» إلا بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وإعادة اللاجئين، وأكد أن موقف السعودية لم يتغير، والأمير تركي مع أنه شخصٌ متقاعدٌ الآن إلا أنه قريبٌ من موقع القرار في السعودية، وأعاد للذهن ما أكده مؤخرا الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل السعودية، أمام مجلس الشورى من أن القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للمملكة العربية السعودية، وأنا في هذا الصدد أصدق السعودية، ولا أصدق نتنياهو.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى خصوصا درس في التكيف مع الواقع والعمل ضمن المعطيات، وعدم الاكتفاء بالتفرج على الانهيار، والواقع أن العالم كله يحتاج لهذا الدرس البسيط في وصفه الصعب في تطبيقه، نثق أن الفلسطيني في بعده الشعبي المتشبث بأرضه، هو الرد التاريخي والمستقبلي على كل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، ونثق في أن هذا الشعب وإن تبدلت عليه الأحوال يجسد قيمة الانتفاضة الأولى، ويمثل قرارا إنسانيا تاريخيا في عدالة القضية، وصدق انتصارها، ولو بعد حين، قول آمين جنابك!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى