في ضرورة سحب البساط من تحت قدمي ماكرون
سوسن جميل حسن

ها هو العالم يتجه، مرة أخرى، إلى الإغلاق، وفرض القيود على النشاط البشري، من أدق تفاصيله حتى أكثرها تعقيداً في مواجهة الجائحة الثانية لمرض كوفيد 19، الذي يسببه فيروس ما زال يحير العلماء، وتقف معظم مراكز الأبحاث المتخصصة حائرة أمامه، لكنها لم تيأس من إمكانية اكتشاف سلاح مجد يؤدي إلى إضعافه، إن لم يقض عليه. إنما يمكن القول إن أحد الاحتمالات التي يجب أن تبقى حاضرة في البال أننا يمكن أن نضطر للإقرار بوجود هذا الوحش بيننا، في حال لم يتم اكتشاف لقاح فعال ضدّه أو دواء شافٍ منه، وهذا تترتب عليه مستقبلاً إجراءاتٌ صارمة، لا بدّ أن تسرّع في انهيار النظام العالمي الحالي، بدأت إرهاصاته تلوح في الأفق منذ الجائحة الأولى، ونهوض نظام آخر لا يمكن استشراف شكله، فمن الواضح أن الأزمة الجبارة هذه أدّت إلى تضعضع التحالفات أو التكتلات العالمية والإقليمية، واضطراب في ميزان القوى العالمي. لكن الحقيقة الواضحة أن الدول العربية والإسلامية، في غالبيتها، تشكل بؤر صراع وتوترات وتصفية حسابات. ونحن، خصوصا منطقتنا العربية، نشكل ساحة صراع كبرى للعالم بأجمعه، ولم تنتج العقود الماضية التي توّجتها سنوات ما عرف بالربيع العربي إلّا مزيداً من التفتت والانهيارات والنكوص نحو الماضي، وترسيخ سطوة أنظمة مستبدّة حاليا في مواجهة إسلام سياسي طامح في السلطة.

لا يمكن تجاهل ظواهر الواقع العربي ومؤشراته بشكل عام، وفي سورية خصوصا، المؤشرات التي تدلّ على مدّ ديني متطرّف يعود بالمجتمعات عقودا ًإلى الوراء، ويقضي على ما صمد أمام أجهزة القمع الفكري والاستبداد السياسي من منجزاتٍ ثقافيةٍ راكمها الشعب عبر التاريخ. لقد عمل الاستبداد، بآليات حكمه وتحكّمه بالمجتمع والثقافة والرأي وفرض شمولية الإدارة والتفكير والقضاء على التعدّدية، على إنتاج أزمة مجتمعية متجذّرة، جاءت الحرب المدمرة التي غذتها ودعمتها أطراف خارجية لتعزّزها وتعمقها أكثر من السابق. فبعد أن كنا نطمح إلى تحرير الممارسة الدينية من أسر النص والنقل، بتحفيز العقل ودفعه إلى فتح نوافذ على الحضارة والعصر، وإلى إرجاع الدين إلى صومعته الروحية والاشتغال على مضامينه وقيمه الأخلاقية، لتندرج في نطاق القيم المدنية، وتساهم في تعزيز ثقافة المواطنة والقيم التي تسير بموجبها المجتمعات نحو حياة مزدهرة سليمة، قيم العدالة والمساواة والحقوق والواجبات والتشاور والتداول، وغيرها مما تحتاج إليه الأمم لتتشكل وتنمو وتتطوّر، عملت الحرب التي دفع ثمنها الشعب إلى تدمير بنيان المجتمع والدولة وفقدان الأمل واليقين، وتراجع مستوى الطموح إلى تأمين الحد الأدنى من مقوّمات الحياة أمام تغوّل الموت، بأشكال متنوعة في حياة الناس، وليس آخرها ما وصلوا إليه من الجوع والفقر والتشريد وانعدام الأمان، والحرائق التي قضت على أرزاقهم وبيئتهم ومواسمهم، بحرق مواسم القمح، وبعدها الغابات والحراج ثم كروم الزيتون والحمضيات وبقية المواسم التي صارت أمل شريحةٍ لا بأس بها من السوريين، في ظروف الحاجة إلى كل شيء، وانعدام موارد الدخل الكافية لمعيشة الفرد بحدّها الأدنى. وزيادة على ذلك كله، هناك كورونا.

هذه المشكلات والتهديدات تنتج حالة من الغربة والخوف الوجودي، خصوصا في المجتمعات التي تعاني من فراغ فكري، وانعدام وسائل الدخول في العصر ومواكبة التطور العلمي والتقني، وانهيار البنى التحتية التي تؤهل الدخول في العصر. أمام هذه التحدّيات يشعر الأفراد بالغربة والخوف على ما بقي لديهم من أسباب الحياة، بغض النظر عن نوعيتها، وفي ظل واقعٍ يمعن في إقصائهم عن أن يكونوا فاعلين وقادرين على العيش في العصر، فإن فضاءهم الروحي يعاني، ويبحث عن ملاذ آمن وجدوه في الدين، لكن الدين صار الوسيلة الأكبر والأكثر جدوى في شقّ الصفوف، وتجنيد الكوادر من أجل تنفيذ أجندات القوى المتصارعة. وهذا ما صار جليّاً بالنسبة للمجتمع السوري، أو بالأحرى للمجتمعات السورية، بعد ما أحدثت الحرب من تقطيع في الجسد المجتمعي، إذ عملت الأطراف المسيطرة على المجال العام في كل مناطق النفوذ المختلفة على تضييق معنى الإيمان، وتقليص الفضاء الروحي الذي يفترض أن يمنحه الإيمان للأفراد، بالاستثمار في الدين. وقد تكون الدعوة إلى صلاة الاستسقاء أمام الكارثة البيئية أخيرا في سورية لإطفاء الحرائق دليلاً على ذلك، معتمدةً، في سبيل توطيد أركان سيطرتها على المجتمع، اعتماداً أساسياً على الدين، عن طريق صناعة طبقة دينية تقوم بتكريس الهيمنة والعبودية، انطلاقاً من مقولة طاعة الحاكم من طاعة الإله، أو بإدارة الحياة وفق شريعة دينية.

الفارق الوحيد بين تمكين الدين ورجاله من المجال العام وضبط سلوك الأفراد وتفاعلهم مع المتغيرات المحلية والخارجية أو العالمية، بين مناطق سيطرة النظام والمناطق الأخرى الواقعة تحت نفوذ أو احتلال خارجي، أن الدين في تلك المناطق يُحمّل رسائل إلى الخارج، رسائل إقصائية كارهة للآخر، تروّج نزعة الهيمنة على العالم تحت شعارات صار لها كثيرون من معتنقيها بأن الإسلام هو الحل. وإذ نتابع تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا نلمس هذه النزعة، وهذا النزوع الذي يعيد كل ظاهرة في العالم يرونها إيجابية، مهما حملت من التضليل، من زاوية نظرهم إلى الإسلام، مردّدين مقولة الحمد لله على نعمة الإسلام. في وقتٍ لم يعد بالإمكان إغفال ما توفره منصّات هذه المواقع من إمكانية تحطيم الحواجز أمام روادها الذين باتوا بالمليارات، من أجل فهم مساهمات بعضهم بعضا، بما تقدّم من إمكانية الترجمة لكل نص أو مساهمة، وهذا يعزّز من انتشار الخطاب الكاره للآخر، والداعي إلى الهيمنة والسيطرة على العالم، وبالتالي يساهم في تمكين ظاهرة الإسلاموفوبيا في نفوس المجتمعات، ما يزيد في قاعدة الأحزاب والجماعات اليمينية المتطرّفة، ويمكّن النزعة العنصرية لدى تلك الشرائح، وهذا ما سوف يؤدي مستقبلاً، فيما لو ازداد هذا الخطاب، مدعوماً بذاكرة لا تزال حية وفاعلة، إلى ممارسات عنفية، امتدّت عقودا، توّجها العقد الأخير، للجماعات الجهادية المتطرفة، التي سعى إعلام غربي إلى تعويمها على السطح، ومحاولة تكريسها أنها الصورة الأصيلة الوحيدة للإسلام.

هل فات وقت الإصلاح، خصوصا بالنسبة إلى الخطاب الديني ودور الدين في الحياة العامة، ونزعه من براثن السياسة والسياسيين، أمام هول ما يتعرّض له العالم العربي والإسلامي من مشاكل بنيوية وحروب وهزات ارتدادية للزلازل المحلية والعالمية؟ وإذا كان الوقت لم يفت، وأن هناك دائماً احتمالات لمآلات أخرى، كما تعلمنا تجارب التاريخ، فكيف يمكن تحرير العقل في مجتمعاتنا وجعله يقبل النقد؟ كيف يمكن أن نفوّت على الرئيس الفرنسي، ماكرون، بماضي بلاده الاستعماري واستغلال الشعوب، فرصة إعادة القول بأزمة الإسلام. وقبله الرئيس الأميركي البهلواني، دونالد ترامب، رئيس القوة العظمى التي تمارس البلطجة بحجة الدفاع عن الحقوق والديمقراطية، الذي لوّح باكراً بعد توليه المنصب، ببرنامجه تجاه المسلمين بشكل صريح، مع الضخ الإعلامي الغزير عن التنظيمات الجهادية والجماعات المتطرّفة وإيديولوجياتها وأهدافها الرامية إلى أسلمة العالم بالقوة؟

بالإضافة إلى الأزمات السياسية والاقتصادية وغيرها مما ألمّ بالمنطقة، نحن أمام أزمة اجتماعية ضاربة في العمق، أزمة فكرية وأخلاقية تواكب راهناً يقوم على الانهيارات بكل أشكالها، انهيارات القيم والهويات والمجتمعات والأوطان، والعالم يعاني اليوم من أزمةٍ كبرى، ولم تعد قضايانا أحد شواغله الملحّة، فهل مصير النخب المأمول منها أن تحدث الفارق هو السقوط المريع في اليأس والتشاؤم، بسبب إحساسها بالشلل أمام عمق هوة الأزمة؟ لقد صار السؤال بشأن كيفية تحويلنا الإسلام إلى شريك قادر على صياغة القيم المتعلقة بالمصير الإنساني يتطلّب جواباً إسعافيّاً يقدّم قاعدة بيانات وخريطة طريق. وأمام السجال الحامي الذي حرّضه خطاب ماكرون، لا بدّ من الوقوف عند فكرة طرحها مفكرون عرب في هذا الشأن، مثال عليها ما طرحه الباحث التونسي الطاهر أمين: أن يكون هناك مشروع عربي إسلامي يبدّد الغربة التي يعيشها العرب والمسلمون عن الحداثة السياسية والعلمية والثقافية، معتبراً أن الثقافة العربية الإسلامية لم تعد تملك سوى خيار وحيد أمام هذا المد الأصولي الإسلامي: “إعادة صياغة أسئلة النقد التي جرى تأجيلها بعد فشل مشروع النهضة الذي طرح في مطلع القرن التاسع عشر”. وربما يمكن الزيادة عليها إنعاش وعي الذات والعالم، ومفهوم الهوية، انطلاقاً من المتغيرات التي تحدث في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى