في ما بين فضيلة الحكمة وغريزة الحكم يضيع دوما الحلم !
بشير عمري

في خرجة قرأت على أكثر من نحو، دعا محافظ البنك السابق للبنك المركزي الجزائري، عبد الرحمن حاج ناصر إلى “لجنة حكماء” لتسيير المرحلة القادمة، كون الجزائر أحوج ما تكون اليوم إلى الحكمة لتسيطر على أوضاعها وتشفى من أدوائها، في ظل اشتداد حدة الأزمة السياسية بين كل الأطراف وداخل مكونات كل الطرف، مذ فجر الحراك المسكوتات عن المرض البلد كله وليس فقط مرض الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة !

دعوة محافظ البنك المركزي الجزائري السابق، تدفع إلى طرح أكثر من سؤال بخصوص العقل السياسي الجزائري المأسور والمسحور داخل عتمات مغلقة، من جملتها، لماذا هذا الالزام الازلي في طارئية السياسية؟ ما الذي يعيق قيام دولة المؤسسات؟ وقبل ذلك هل الحكمة السياسية تعني وجوبا الحياد في غير موضوعه ووقته؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

الحكماء في المخيال الشعبي الجزائري المنتج للمفاهيم مع الأسف في ظل الانهيار التام للعقل النخبي المستقر إما في القصر أو في منافي الذات مستريحا لنظرياته وأكاديمايته مستأنسا بالمثالية النظرية للتاريخ، – الحكماء – هم أولئك الطيبون غير المنخرطين في أي من صفوق الأطراف المتنازعة أو المتصارعة، الذين يتم اللجوء إليهم لفض تلك النواعات على موائد وولائم الصلح والنصح، وبهذا الفهم استحالت الحكمة إلى الحياد السلبي الشبيه بالدروشة الشعبية، لذلك نُظر لها دوما من زاوية كونها “نية” يعني السذاجة واستغلال الوقار الذي تحظى به هكذا شخصيات في الصراعات الدائرة ! طبعا ليس هذا ما قصده عبد الرحمن حاج ناصر، لكنه أسس رؤيته على البنية الشعبية والجمعية كأسلوب وثقافة في التعاطي مع الواقع الشائك.

ولكون العمل السياسي في الجزائر، لم يستقم بعد على أدواته المؤسساتية المعاصرة من حزبية وتمثيلية نيابية وقيادة متأتية من الارادة الشعبية خاضعة لمبدأ العقد الوطني، فإنه ظل قائما على أساسات الخيال الشعبي والشعوية في الرؤية والعمل والتعامل، وهكذا لم تستوي بعد الحكمة بمفهومها الفلسفي وتجربتها التاريخية في وعي الفاعل السياسي الجزائر، حتى غدا الحكماء دهماء ولو تعالت ثقافتهم وتعاظمت مستويات تعلمهم، يقذف بهم إلى المشهد كما دُفع بأولياء الله الصالحين في وعي المسلم المسجى والمغطى لقرون في رمل التاريخ .

أولو الحكمة هم الفاعلون الحقيقيون في التاريخ، وليس ممن يرقعونه، لأن من أهم عناصر الحكمة التي رُعيت فيهم هي الحزم والعزم، بالاضافة إلى الصدق مع النفس في بسط الارادة الحسنة والخييرة خدمة الشعب، شخصية مثل ماو تسي تونغ، امتلكت الحكمة والشدة، وتبعه في ذلك بلإخلاص دانغ سياو بينغ الذي بث في الجسد العملاق للصين روحه الحالية، أيضا مارتن لوثر الذي عده الفيلسوف فيخته أهم زعيم وحكيم في تاريخ ألمانيا، بالشوفينيته القصوى رسخ بها الشخصية الألمانية عبر مَحورتِها في اللغة، ولهذا أضعف الشعوب في اللغات الاجنبية هم الالمان، لكن لغتهم من أكثر اللغات اقبالا للتعلم  من الخارج لقوة التاريخ الألماني واقتصاده الذي لولا مارتن لوثر محيي تلك الللغة لذهبت في مهب التاريخ.

سقنا ذلك لنفكك المفخخ في مافيهمنا لمصطلحات نحمل معناها دوما بأدواتنا البسيطة، وهو ما جعل تاريخنا النضالي بسيطا في مضمونه عنيفا ودمويا في شكله وجريانه، فثورة التحرير الوطني لم تعدم حكيما في شخصياتها، لكن بين فضيلة الحكمة وغريزة الحكم، انسحق هؤلاء الحكماء غدرا، أو ابعادا وتهميشا، فضاع الحق وتاه الوطن وصودر الاستقلال على نحو دراماتيكي تجتر مرارته الأجيال المتلاحقة.

وحين فشل مشروع “غريزة الحكم” بحكم منطق الأشياء ومنطق التاريخ نفسه، بعدما سحق الحكمة عشية الاستقلال، عاد السؤال مجددا لينطرح بخصوص النويا، هل نحن بصدد تصحيح أخطاء الماضي أم فقط بصدد تصفية حسابات مع هذا الماضي والحاضر الذي يحاكمه؟ ونترك للقارئ الاجابة عبر استحضار صورة المشهد القاتم في قاعة دار الثقافة في عنابة يوم 29 جويلية وأزيز الرصاص يسحق زعيم تاريخي من الظهر!

لم يكن ثمة مشكل نقصان في الحكمة والحكماء في الجزائر عبر التاريخ، لو فقط ارتقى وعينا للمفاهيم التاريخية في فلسفة السياسة والحكمة الخاصة بها، بمعنى أن نخرج عن خيالنا التقليدي، والأبوية الكاذية، ونرى تجارب الآخرين في صناعة الحكمة والحكم الراشد وهي تجارب يعج ويموج بها التاريخ الانساني.

حسين آيت أحمد، عبد الحميد مهري، عبد القادر حشاني، سليمان عميرات، أحمد طالب الابراهيمي وغيرهم كثير ممن عاصروا حذروا من العشاء الأسود الذي تقرر فيه تفجير الحرب الأهلية عبر إيقاف المسار الانتخابي والديمقراطي، ألم يكن هؤلاء على قدر من الحكمة الملمة بكل شروطها وعناصرها من ثقافة الدولة ومعرفة سياسية ولا سيما الكثير من التجربة التاريخة القصوى في الحركة الوطنية لدى بعضهم؟ لماذا حيل بين حكمتهم وحاجة الوطن الماسة إليها؟  .

ببساطة لاستمرار “غريزة الحكم” على “فضيلة الحكمة”، لأن الوطن سيق وسُرق من الأول بمنطق الغنية الحربية، وليس بالفضيلة التحريرية النضالية، وترسخ مع مرور السنوات هذا المنطق كمعطى في عقول أهل هاته الغريزة، حتى صار اتجاها في مقابل الاتجاهات الأخرى في التاريخ والمشهد السياسي الوطني العليل، السلطة في الجزائر هي سلطة بحكم أمر الواقع وهي الحزب الدائم في الحكم والادارة المسيطرة على البلد ما أفضى بنمط حكم الواجهة للظهور والاسيتدامة في وعي الشعب إلى أن اعتقد الناس بأنه بات مستحيلا بلوغ التغيير ورؤية الديمقراطية بكل وسائلها وعناصر من شفافية وحرية تعبير وتداول حقيقي وسلمي على السلطة بالآلية الانتخابية الحقيقية وليس الصورية تتحقق على أرض واقعهم وواقع أرضهم.

الحكمة كما جسدها ماو تسي تونغ من داخل حزبه ومنظومة حكمه المغلقة، وكرسها مارتن لوثر بشوفينية مطلقة في إحياء الروح الالمانية عبر لغتها التي قال عنها أنها الأفضل في العالم بلا منازع، كان يمكن للجزائر أن تستفيد منها عبر حكماء ولو كانوا محزبين أو مؤَسَسين (ينتمون لمؤسسات) وليس في ذلك ضير، فليس الحياد العضوي أو الفكري هو أساس الحكمة السياسية بل الموضوعية التاريخية، وطُهر الارادة في نسف إرادة القوة واحتكار القرار.

وكل الذين حاولوا الاصلاح بـ”الحكمة المعرفية” والحياد اللا تاريخي يوم انشق الصف الوطني بين مطالب باستمرار المسارات الديمقراطية، التعددية والانتخابية الناشئة سنة 1992 وبين من ارتموا في حضن “غريزة الحكم” المتلبس بفرية إنقاذ الجمهورية، لم نر لحكمتهم بعدها من أثر، بل أن بعضهم لم نعد نر له هو شخصيا من أثر في هذا العالم!

إذن لا خلاص في غير إعادة رفع قواعد التأسيس الوطني مجددا، والانطلاق من لحظة الوعي الجديد، والاستلهام من حكمة الثورة الحراكية، التي كانت فوق كل الحكماء والحكام، وأي رهان على أي حكمة أخرى سيكون مآله الفشل وقتل الرغبة في نفس وروح الجزائري في المزيد من العيش بكرامة على أرض نبت منها عظمه ولحمه بعدما سقى تربتها أسلافه منذ سحيق الآماد .

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى