في مركزية الشخص وهامشية الوعي ببنية الدولة بالجزائر

يرى جل “الحراكيين” في الجزائر أن ثورتهم على النظام ليست تنحسر عند اسقاط البوتفليقية التي ما هي في حقيقة الأمر سوى حلقة من سلسلة لقيد طويل متين يلف معصم الأمة منذ انقلاب العسكر الأول على الحكومة المؤقتة المدنية المنتخبة من الثوار، بل إن ثورتهم لتشمل كل حلقات السلسلة بما يسمح للمجتمع من التحرر من مصادر مصادرة السيادة الشعبية ووعيها بماضيها وحاضرها كي تعيد صياغة وفق طارئ وعييها مشروعها المجتمعي السياسي منه والاقتصادي وتبسط بالتالي بكامل قواها على مصيرها، والحراك بذلك يؤسس مشروعه على فشل مشروع دولة الاستقلال تماما مثلما أسسيت هاته الأخيرة مشروعها كما تدعي على فشل مشروع ساسة الثورة ممثلين في حكومتهم المقؤقتة في التأسيس للدولة، لكن السؤال الذي قد يطرحه الكثيرون ما هي مرجعية الحراك في التأسيس لمشروعه قبل السؤال عن طبيعة مشروعه؟. وكيف يمكن القطيعة مع مشروع دولة الاستقلال؟

طبعا ليس من نموذج بقادر على أن يوضح بلا غبش ولا لبس فشل مشروع دولة الاستقلال، من مشروع دولة لا تزول بزوال الرجال الذي رفعه الراحل هواري بومدين المؤسس الحقيقي للنظام الجزائري خارج أطر وتوصيات الثورة بعدما استولى من خلال قيادته لجيش الحدود على السلطة بالقوة بداعي تجنيب البلاد حربا أهلية على الطريقة الكونغولية وهي الحرب التي تم تأجيلها فقط لأنها كنت وفق كل المقدمات حتما مقضيا، ووقعت  بشكل أبشع وليس في الجبال فحسب حيث هُزم الاستعمار بل داخل القرى المداشر في تسعينيات القرن الفائت.

وهنا يثور أتباع بومدين ومعتنقي البومدينة كلما وجهت سهام النقد لفترة حكمه، وكأن الجنة الخلد كانت إبانها وكأن الاستقرار كان طبيعيا ونابعا من تداع كلي واختياري لمشروع فوقي غير أفقي، والحقيقة هي أن الرجل مثلما كان له مزايا كانت له أخطاء جسيمة أدت بالمجتمع إلى المستنقع الذي لا يكاد يخرج منه على صعد عدة تتصل بالذات كما بالطاقات.

بومدين ترسخ في الذاكرة الشعبية التي كان وعيها بالدولة وطبيعة تطورها وسريانها متسق ومتساوق مع خصوصيات الفترة تلك، كان متفردا بسلطة الحكم وبسلطة التأثير الصوتي على اعتبار أن المنبر كان أحاديا فلا زعيم سوى لمن يعتلي المنبر وما يعتليه سوى من امتلك الوسيلة إلى مؤدية إلى سُلَّمِه وطبيعة الوسيلة لم تكن حينها لا سلمية ولا ديمقراطية ولا شعبية حتى!

خطيب مفوه، حاز أسس الكاريزما بشكل كامل وشامل، هيمن على مفاصل الدولة بنظام بناه شخصيا بعدما استفرد بالحكم بطريقة جعلت الدولة برمتها تختزل في شخصه، هذا التماهي التام للدولة في شخص بومدين قلب مقولة دولة لا تزول بزوال الرجال بشكل درامتيكي رأسا على عقب في أدب ودرب السياسة بالجزائر، ذلك لأن هذا النمط من الدول في غائلة فلسفته هو الذي يبني الرجال وليس العكس، ليس تشرشل محرر بريطانيا من النازية من بنى دولة ما بعد الحرب المستمرة بقوة حتى الآن وليس ديغول من فعل ذلك مع فرنسا في جمهوريتها الخامسة، الدولة التي لا تزول بزوال الرجال هي التي انبثقت من عبقرية ووعي الجماعة واتصلت بووثاق وميثاق شديدين بلحظة التأسيس الأولى دونما تقلب أو انقلاب أو استبداد متفرد بالحكم فالبريطانيون يتمرجعون للثورتهم وليس لأشخاص حكموا باسم الثورة، والأمر ذاته في أمريكا وفرنسا.

هكذا تشخصنت الدولة في عهد بومدين وصار انصاره يضعونه في القداسة قبل الدولة التي بناها وقبل المجتمع، مثلما عمل اعداؤه في الطرف مقابل على وضعه محل نقد قبل دولته التي لها ما لها وعليها ما عليها، وبذلك انمحت حركة المجتمع وارادته ولم تعد ترى سوى حركة الشخص وآرؤه وارادته.

والغريب هنا أن تجد بعض من كانوا مقربين من الرئيس الراحل في معرض دفاعهم الشرس على مشروع دولته، يحاولون بشكل لا موضوعي ولا تاريخي تصحيح  ما يرونهها أخطاء منتقديه وليس أخطاؤه هو، عبر التحجج بأنه لم يستكمل ذلك المشروع أو بأن بعض معاونيه خانوه، بل ذهب أحد أقدم الصحفيين الجزائريين ممن لا يخفون تعاطفهم مع بومدين وهو سعد بوعقبة في تدخل له بقناة المغاربية إلى تبرير قتل بومدين لمعارضيه في الخارج مثلما كان الحال مع كريم بالقاسم الذي اغتيل في فرانكفوت بألمانيا سنة 1970، بالقول (أنه سبقهم إلى القتل لأنهم كانوا ينتوون قتله ولانقلاب عليه) ما جعل الدبلوماسي المعارض في لندن العربي زيتوت يحتج على ذلك بالقول أن القتل خارج القانون ودون محاكمات هو من جرائم الدولة وليس من طبيعة نشاطهوا اشتغالها!   في حين ظل البعض يؤكد على أن بومدين لولا الموت الذي عصف به في ريعان الشباب بمعيار العمر السياسي كان ينتوي فتح مجال الحريات السياسة حين ينضج المجتمع وهذه أخطأ وأخطر حجة ممكن أن يتلفظ بها هؤلاء، ذلك لأنها تفصل بين (الزعيم) والمجتمع في حركة بناء الوعي الجمعي الذي يتأتى عن طبيعة تفاعل تلقائي بين كل القوى والمكونات على جميع المستويات، وتجعل من الرئيس ليس مواطنا بل نبيا والبقية مؤمن تابع (موال) وكافر متابع! (معار) وهذا ديدن الزعامة العربية كلها.

وبالعودة إلى لحظة تأسيس نظام بومدين الذي اجهز بها على توصيات الثورة وأبرزها أولوية السياسي على العسكري، بداعي أن اللحظة المأزومة اقتضت ذلك لتلافي حرب أهلية كانت ستقع بين الجزائريين، فإن خصوصية الدولة بوصفها سيرورة متصلة قد قضت، كما أسلفنا القول، بوقوع هاته الحرب لأن الحسم الثوري لم يمضي وفق شروطه التي أسست للاستقلال واغتصاب الشرعية، ولو بالحجة التي سيقت، لم يعمل أكثر من أنه أجل الطامة لأجيال فقط، فمعضلة الخلافات التي تفجرت بين رجال الثورة من عسكر والساسة تراكمت وزادت عبر الاجيال من كونها كانت غنائيمية شخصية لتصبح متعلقة بالهوية والتاريخ ومشروع المجتمع، والقادة العسكريين ممن فروا من الجيش الفرنسي عشية الاستقلال واستعان بهم بومدين لمواجهة رافضيه من قادة الداخل جيش التحرير الوطني، المتصلين ثقافيا ومهنيا بالمحتل وصلوا بعد رحيل بومدين وطمر مشروعه، إلى سدة الحكم واحتلوا الفراغ الذي تركه بومدين بثقله الكاريزمي وصاروا يطرحون بذات الأداة البومدينة (الأحادية، القهر والهيمنة) مشروعهم لدولة النفوذ والمصالح، وهي الدولة التي ستقود المجتمع إلى حرب أهلية مغلقة (à huis clos) سُحق فيها الشعب ونهب أمواله وسط غبارها وحول نمط اقتصاده وانتاجه بعدما اسس امراء الحرب من الطرفين ثروات في الظلام.

وحين استدعي بوتفليقة لاعادة ترتيب الأمور بعد الاجهاز على مشروع التعدديبة الذي تأمل الجميع منه نقل الجزائر من زعامة الشخص إلى زعامة المجتمع من الأحادية إلى التعددية، لم يخف لمن جاء بهم إلى عرشه أنه لا يؤمن فقط بمركزية السلطة بل بمركزية الرئيس، أي على الطريقة البومدينية الأولى، ضاربا عرض الحائط خطايا التجربة ووعي الأجيال الطارئ، وهذا ما ذكره لمستشاره ومدير حملته الانتخابية وثاني رؤساء حكوماته علي بن فليس حين قدم له مشروع إصلاح قطاع العدالة، إذ قاطع شروحاته له وقال له لست ممن يؤمنون باستقلالية القضاء ولا أي سلطة عن سلطة الرئيس! وبذلك اعاد المجتمع إلى مربع الشخصنة للدولة حاسبا أن المجتمع سيسلم له جثته ووعيه كما كان الشأن مع بومدين، فانتهى به الأمر إلى أن يكون أول ولربما آخر رئيس يطيح به يطرده الشعب الجزائري بسبب طغيانه الملكي وفساده.

طرد وإطاحة يرفض الحراكيون أن يتم اختزلاهما وعيا وعملا في شخص بوتفليقة ولا نظامه بل في منظومة الحكم كلها، التي تفرز وتفرض مثل هكذا نمط من التجربة الفردية المتفردة التي حولت التعددية إلى أحادية متعددة والجماعة المتخفية في الحكم إلى شخص مجهول يديري مقاليد الحكم في الظلام ما حول منظومة الحكم هاته إلى أسطورة في وعي الجزائريين لا تقل عن أسطورة الغولة في الأحاجي الشعبية للأطفال، وبذلك فالحراك يريد تجلية الوعي الشعبي القاطع مع المنظور الصبياني له لممسارسة الوصاية على سيادته.

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى