في مشروعية ثورة العراقيين
عوني القلمجي

أمام إصرار ثوار تشرين على مواصلة ثورتهم، تمضي السلطة العراقية والمليشيات المسلحة، ومجموعات من المرتزقة والساقطين أخلاقيا، بالتخطيط لارتكاب جريمة جديدة بحق الثوار بمناسبة احتفالاتهم التي ستنطلق بعد أسبوع، وتحديدا يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي. ويبدو أن مقتدى الصدر، زعيم قائمة “سائرون” التي تضم بقايا الحزب الشيوعي، أخذ على عاتقه تنفيذ هذه المهمة الغادرة. ولتبرير الجريمة المرتقبة، أطلق الصدر تغريداتٍ عديدة، هدّد، في إحداها، باستخدام القوة العسكرية ضد الثوار، بذريعة أن الثورة انحرفت عن مسارها، وأصبحت قيادتها من المندسّين والداعشيين والمخربين وأصحاب الأجندات الخارجية! ودعا في الأخرى شيوخ العشائر لدعمه ومساندته في تأديب أبنائهم المشاركين في التظاهرات بوصفهم مخرّبين، على حد تعبيره. ليس هذا فحسب، وإنما ذهب قياديون تابعون له، مثل حاكم الزاملي وأحمد صالح العراقي، أبعد من ذلك، حيث طعنوا بشرف الثوار ووصفوهم باللوطية والحشاشة، ولم تسلم النساء العراقيات المشاركات في الثورة من هذه الاتهامات.
لم يفعل هؤلاء الشباب شيئا معيبا، وما أتوا فاحشةً ليتعرّضوا لهذا الظلم والاتهامات والقتل، وإنما ثاروا ضد حكم يرونه فاسدا ومجرما وعميلا، بعد أن طفح بهم الكيل، وفقدوا القدرة على التحمّل والصبر. لقد ثاروا من أجل تأمين حياة حرة كريمة، واختاروا الطريق السلمي لتحقيق غايتهم النبيلة، وأصرّوا على التمسّك به، إلى درجة تخلوا فيها عن حقهم المشروع في الدفاع عن النفس الذي أقرّته القوانين الوضعية والشرائع السماوية، على الرغم من سقوط مئات الشهداء وألوف من الجرحى. في المقابل، أثبت هؤلاء الثوار انتماءهم المطلق للعراق، وأثبتوا أيضا أن ثورتهم وطنية مستقلة بعيدة عن الأجندات الخارجية، بل وبعيدة عن أي غايات حزبية أو عقائدية. إضافة إلى مشاركة كل فئات الشعب العراقي في هذه الثورة، من عمال وفلاحين، وأطباء ومحامين ومهندسين، من معلمين وحرفيين، من الرجال والنساء، من الشباب والكهول، من طلاب المدارس الابتدائية والثانوية وطلبة الجامعات.. ثورة لم يشهد تاريخ العراق القديم والحديث مثيلا لها.

ثم إن هذه الثورة استمدت مشروعيتها من الظلم الذي وقع على الشعب العراقي، من جميع الحكومات المتعاقبة التي نصبها المحتل الأميركي ووصيفه الإيراني، فبدل أن ينفذ رئيس الحكومة الجديدة، مصطفى الكاظمي، وعوده الوردية، ويحقق مطلبا واحدا من مطالب الثورة، أو يشرع بتوفير قدر بسيط من الخدمات الضرورية، كالماء والكهرباء والأمن، مارس الأساليب التي انتهجها رؤساء الحكومات السابقون، بل وتفوّق عليهم. حيث غاص الكاظمي علنا في وحل الخيانة الوطنية، ووصل الليل بالنهار ببيع العراق بالمفرد والجملة. تارة للمحتل الأميركي وأخرى لوصيفه الإيراني، وعلى البيعة حبة مسك، كما يقال باللهجة العراقية، فقد صادق الكاظمي على استيلاء الكويت على خور عبد الله، وبعض الأراضي والقرى في مدينة البصرة، وبناء تركيا قواعد عسكرية في شمال العراق، وفي محيط مدينة الموصل. ليثبت، في نهاية المطاف، حقيقة تقول إن رئيس الحكومة، ومهما كانت مواصفاته، لن يتمكّن من إنجاز أي إصلاح لصالح العراقيين في ظل عملية سياسية، لحمتها أحزاب فاسدة ومليشيات مسلحة ومحاصصة طائفية، وسداها دستور ملغوم وحكومة عميلة وسلطة تشريعية مزورة وقضاء مسيس.
وفق هذا السياق، يمكن تأكيد أن ثوار تشرين لن يتراجعوا عن مواصلة ثورتهم قبل تحقيق أهدافها، مهما طال الزمن وغلت التضحيات. وفي مقدمة هذه الأهداف إسقاط العملية السياسية واستعادة استقلال العراق وسيادته الوطنية، وطرد القوات الأجنبية، وتقديم هؤلاء الأشرار إلى المحاكم، لنيل جزائهم العادل جرّاء الجرائم التي ارتكبوها، والأموال التي سرقوها، والسيادة التي فرّطوا بها، خصوصا وأن ثوار تشرين تسلحوا بالإرادة والعزيمة والشجاعة بما يكفيهم للوقوف بوجه قوة الأشرار العسكرية. مثلما أصبحوا محصنين ضد وسائل الخداع والتضليل والوعود الكاذبة والإصلاحات الترقيعية، حيث أدركوا بما لا يدع مجالا للشك أن تغيير هذا الرئيس بذاك، أو تدوير الوجوه بين عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي لن يجدي نفعا. إذ لم يعد خافيا انعدام ثقة الثوار بالحكومات المتعاقبة، وخير دليل على ذلك النتائج التي أفرزتها هذه الحكومات على مدى سنين الاحتلال العجاف، حيث الدمار والخراب الشامل، وانتشار الفواحش والجرائم، والعجز التام عن تقديم الخدمات والأمن، والتهجير والتفريط بالسيادة وضياع الثروات، والقائمة في هذا الخصوص طويلة ومؤلمة.

ثورة تشرين العظيمة ليست ابتكارا عراقيا، وإنما شأنها شأن كل الثورات المفصلية التي حفل بها تاريخ الشعوب المضطهدة التي قرّرت التحرّر من أنظمتها القمعية والعيش بحرية وكرامة. وهي، في عمومها، تعبير عن قوانين اجتماعية تسري على جميع المجتمعات البشرية، وفي الوقت نفسه، تحظى بأهمية لدى شعوب العالم، باعتبارها عملا وطنيا ذا قيمة إنسانية، وموضع تقدير واحترام في كل الأزمنة والظروف. وحدها القوة الشريرة في السلطة العراقية، بمليشياتها المسلحة، ترفض هذه الحقيقة، أو لا تريد استيعابها، أو حتى الاعتراف بها فيما بينهم، أو مع أنفسهم، على الرغم من استكمال الثورة شروط انتصارها، حيث أصبحت منظمة، وتمتلك برنامجا سياسيا وقيادة تدير شؤونها. وحتى إذا افترضنا أن هولاء الأشرار لا يزالون مقتنعين بأن الثورة ما زالت حدثا عابرا، أو أنها عفوية ويمكن إخمادها في مهدها، فهذا يدل على جهلٍ مطبق وتخلف فكري وعقلي، فالتاريخ قدّم لنا نماذج عديدة لانتفاضات عفوية، تحوّلت، مع تطور الصراع مع أعدائها، إلى ثورات منظمة، وأفرزت قيادات كفوءة، مثل الثورة الفرنسية العظيمة، وحدّدت شعاراتها السياسية، واختارت آلية مناسبة لادارتها، وثمّة ثورات أو انتفاضات عفوية، قامت حديثا، وفي أكثر من بلد عربي، وحقق بعضها إنجازات مهمة، مثل تونس والجزائر، فالثورات الشعبية من هذا الوزن، عفوية كانت أو منظمة، ليست تظاهرة سلمية للدفاع عن حقوق الإنسان أو الحيوان، أو الحفاظ على البيئة، تبدأ وتنتهي في وقت محدّد سلفا، وإنما هي فعل ثوري وكفاحي، قد يمتد إلى وقت طويل، لا بل هي حرب وطنية كبيرة ضد قوى غاشمة أو حكومة عميلة أو ديكتاتورية، لا تتردّد في الدفاع عن مصالحها باستخدام القوة بكل أشكالها العنيفة. ومعركة وطنية كهذه لا بد وأن تواجه مثل هذه العقبات، وأحيانا ترافقها إخفاقات أو تراجعات أو حتى هزيمة هنا وأخرى هناك.

وهذا ينطبق على ثورة العراقيين العملاقة، حيث كانت بدايتها عفوية، ثم تطوّرت مطالبها من خدمية إلى سياسية، لتنتهي إلى ثورة منظمة وذات أهداف وطنية، ذات مضامين سياسية جوهرية، مثل المطالبة بإسقاط العملية السياسية برمتها، واستعادة الوطن المنهوب من مغتصبيه. بمعنى آخر، جاءت ثورة تشرين تتويجا للانتفاضات التي سبقتها، وكانت أساسها المحنة التي يعاني منها الشعب طوال سنين الاحتلال العجاف، حيث فقد المواطن جميع الخدمات المتصلة بأبسط مقومات الحياة، واتسعت قاعدة الفقر بين الناس، وازداد حجم البطالة وإهدار الكرامة وفساد السلطة، والاعتقالات والسجون وممارسة التعذيب ضد جميع المواطنين، في حين لم تظهر في الأفق رياح أي تغيير يرتجى منه خيرا، لا في المدى المنظور ولا في المدى البعيد.
وعلى الرغم من كل العقبات التي تعترض طريق الانتصار، وعلى الرغم من المؤامرات المحلية والإقليمية المدعومة من قوى الاحتلال، امتلكت الثورة العملاقة عناصر قوتها، ونالت تأييد جميع فئات الشعب العراقي. ومما يعزّز فرص نجاح الثورة، السقوط السياسي والأخلاقي لهؤلاء الأشرار، وإصرارهم على مواصلة العبث بشؤون البلاد والعباد، وعدم الكفّ عن ارتكاب الجرائم والسرقات. إضافة إلى رفضهم القيام بأي إصلاح مهما كان متواضعا، الأمر الذي سيدفع كل المظلومين إلى الانضواء تحت لواء الثورة. وتقديم الدعم والإسناد لها. وخير دليل على انتصار الثورة، عاجلا أم آجلا، عجز هؤلاء الأشرار عن إنهائها، لا بالوسائل العسكرية، ولا بأساليب الخداع والتضليل، ولا بركوب موجتها وحرف مسيرتها، فهي غير قابلة للتجيير لصالح أي حزب أو جهة وطنية، مهما علا شأنها، فالثورة تشترط على المساهمين فيها، مهما كانت هوياتهم السياسية، الوقوف تحت راية شعاراتها، التي أساسها إسقاط الحكومة وعمليتها السياسية ودستورها المفبرك، وإقامة حكومة وطنية كفؤة تأخذ على عاتقها طرد بقايا الاحتلال وتصفية النفوذ الإيراني في العراق، والعمل على إجراء انتخابات حرة ونزيهة، تقرّر شكل النظام الذي يختاره الشعب العراقي، بكل قومياته وطبقاته الاجتماعية وفئاته وأديانه ومذاهبه المختلفة.
لقد أثبت الشعب العراقي، بثورته الفريدة، أنه شعبٌ حرٌّ لا ينام على ضيم، ولا يقبل العيش تحت رحمة محتل أو غاصب. ولا يقبل بحكومة ديكتاتورية، بل ويرفض تقديم التنازلات المذلة لأية جهة، مهما بلغت من قوة، مقابل لقمة عيش أو جرعة دواء. وهذا ما يفسّر رفض الثوار التفاوض مع هؤلاء، فهم من أسس فرق الموت، ونهبوا المليارات وشكلوا عصابات إجرامية، تحولت لاحقا إلى أحزاب عميلة أو تابعة، ومستعدّة، في الوقت نفسه، للتفريط بمستقبل البلاد والعباد. وبالتالي، لا نتردّد في التاكيد على أن ثورة تشرين العملاقة التي انطلقت قبل عام ستواصل مسيرتها، وستحقق أهدافها كاملة غير منقوصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى