قبل الاغتيال وبعده .. إيرانياً
غازي دحمان

شغل قاسم سليماني مساحة مهمة في تطورات الأحداث المعاصرة في الشرق الأوسط، فهو، بحسب تقييم العارفين لشؤون المنطقة، مهندس جزء كبير من هذه الأحداث، ويخطئ من يعتقد أن النفوذ الإيراني ما بعد سليماني سيكون مثل ما كان قبل مقتله، فاعتقاد كهذا يحيد خصوصية القائد وأهميته في صناعة الأحداث وتوجيهها. بموته، ستفقد إيران الكثير من مفاتيح نفوذها وسيطرتها في المشرق. صحيح أن الحرس الثوري باق، وأن خليفته إسماعيل قاآني يأتي من المؤسسة نفسها، ويمتلك هامشاً من الخبرة والمعرفة تؤهله للقيادة، لكن الأكيد أن لكل قائد بصمته وأسلوبه اللذين يستحيل استنساخهما لدى قائد آخر أو توريثهما.
ليس سرّاً أن القادة في الشرق، وخصوصا من هم في الصف الأول، وبحجم سليماني، لا يكشفون كل أوراقهم في طريقة إدارتهم الأشياء، ويبقون بعضاً منها أسرارا مكتومة حتى على القيادات العليا، ربما لأنهم يديرونها بطريقةٍ لا تعجب هؤلاء، وربما لأنهم حذرون من كشف أوراقهم كاملة حتى لا يتم الاستغناء عنهم وإطاحتهم، كما أنهم يوزّعون أسرار إدارة العمل، حسب الضرورات العملياتية والمقتضيات الأمنية. وبالتالي، من الصعب على من يخلفهم التقاط جميع تلك الأسرار والتفاصيل، في بيئات عمل عادة ما تكون محكومةً بالتنافس والاستقطابات داخل منظوماتهم. وبالتالي، يبقي هذا القائد مفاتيح كثيرة لا يستطيع غيره تشغيلها، ولا يوجد قائدٌ يخطط لسير المنظمة التي يديرها بعد موته وغيابه.
تتأتى أهمية قاسم سليماني من كونه صانع منظومة إيران في المنطقة، ومهندس خططها ومشاريعها، وقد اختار عناصر تلك المنظومة بعناية، وعبر زمن ليس قصيرا، وأقام علاقات ثقةٍ مع شبكة واسعة من قادة هذه الشبكات. وقد خسرت هذه المنظومة قائدها ومنسّق فعالياتها، ومن الصعب على من يخلفه في القيادة إدارة هذه المنظومة بدرجة السلاسة والإتقان نفسها، كما من الصعب الاعتماد على عنصر التمويل وحده، للمراهنة على أن الأمور لن تتغير.
من جانب آخر، لا يملك أي قائد، بعد سليماني، الشرعية والمكانة الخاصة اللتين حظي بهما، فقد كانت له مكانته المهمة في الهيكلية السياسية والعسكرية الإيرانية، وقد منحته هذه المكانة هامش حركةٍ واسعاً في اتخاذ القرار وتقرير الأمور، من دون الخضوع للبيروقراطيات داخل النظام الإيراني، سواء من حيث طريقة تصرّفه بالميزانيات والمخصّصات اللازمة لإدارة اللعبة في المنطقة، ولا من حيث التعامل مع المستجدّات الطارئة، وكان ذلك أحد أسباب مرونة عمل سليماني في بيئة صراعية معقدة وكثيفة التغيرات.
لسليماني ذراع طويلة في إدارة دفة التطوّرات التي حصلت في المنطقة، خصوصا في سورية والعراق، فقد لعب دوراً مهماً في هندسة مخرجات الحروب في البلدين وتصميمها، من عمليات تدمير المدن، وسياسات الحصار والتجويع، وعمليات التفريغ الديمغرافي. والأخطر من ذلك كله تشويه الثورات في البلدين، ليتسنّى قتلهما بدم بارد، كما بات معلوماً دوره في إقناع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في التدخل في سورية.
ولكن أخطر ما صنعه سليماني هو التشكيلات العسكرية المنتشرة في سورية والعراق، والتي تعد بمئات آلاف المتطوعين الذين ينضوون في مليشيات عديدة تعتبر أهم أدوات إيران في الصراع على المنطقة. وأخطر ما في هذه المنظومة أنها تشكّلت أجساما منفصلة عن الدول التي تتبع لها، وبهدف تعزيز النفوذ الإيراني وتكريسه بالدرجة الأولى، فيما تأتي الأهداف الأخرى، مثل المحافظة على النظم الحاكمة في البلدين، بدرجةٍ ثانيةٍ في سلم أولويات إيران.
أدار قاسم سليماني اللعبة في المنطقة بذكاء وحذر شديديْن، فمن جهةٍ استطاع تعبئة جزء من شعوب المنطقة، لتحقيق أهداف إيران، عبر تحشيد أيديولوجي ديني، ظاهره الاهتمام بمظلومية تلك الشعوب، وإظهار أن العامل الإيراني ليس له أي هدف أو مطمع سوى العمل من أجل خدمة هذه الشعوب، وتحصيل حقوقها. ومن جهة أخرى، عمل على امتصاص الاستفزازات الإسرائيلية والأميركية، حتى لا يتم التشويش على أهدافه في السيطرة على المنطقة. وكان بخبرته السياسية والعسكرية يعلم أن أميركا ليس لديها مشكلة في قتل السوريين والعراقيين. وقد استثمر هذا المعطى للظهور بمظهر القائد الجبار الذي يروّض المجتمعات المحلية في سورية والعراق، ويجذب متحمسين كثيرين للانتقام الطائفي، للانخراط في صفوف مليشياته.
ولكن قاسم سليماني ارتكب أكبر أخطائه عندما تجاوز الخطوط الأميركية الحمراء، عبر مهاجمة سفارة واشنطن في بغداد، واستهداف القواعد الأميركية. وليس واضحاً أسباب ارتكاب سليماني هذا الخطأ، وما إذا كان نتيجة عدم تقييم دقيق لرد الفعل الأميركي، أو نتيجة البيئة الضاغطة التي أوجدتها الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها إيران جرّاء العقوبات الاقتصادية الأميركية.
سيربك مقتل سليماني إدارة إيران لصراعاتها في المنطقة، خصوصا أنه يحصل في لحظة مفصلية، إذ تواجه إيران تحدّيات شرسة، حتى من حليفها الروسي، ولم يكن ينقصها غياب مهندس وصانع نفوذها، قاسم سليماني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى