قراءة تحليلية لتطورات الأحداث في السودان ما بعد 25 أكتوبر
عبير المجمر

تباين الآراء بين مؤيد ومعارض
السودان اليوم يشهد تطورات مختلفة على الصعيد السياسي، الإجتماعى، الشعبى والجماهيرى، و كذلك الإقتصادى، بالإضافة لمحور العلاقات الإقليمية و الدولية، وتعاطيها مع أحداث ما بعد 25 أكتوبر، و إعلان الجنرال عبدالفتاح البرهان القائد الاعلى للقوات المسلحة السودانية و رئيس المجلس السيادى لعدة قرارات وصفها بالتصحيحية و الضرورية، تمثلت فى إعلان حالة الطوارئ، حل الحكومة الانتقالية السابقة بشقيها المدنى و مجلس السيادة الانتقالي، إنهاء تكليف ولاة الولايات، وإعفاء وكلاء الوزارات، و تكليف المدراء بتسيير دولاب العمل، تجميد عمل لجنة إزالة التمكين حتى تتم مراجعة أعمالها، والتمسك الكامل والالتزام التام بما ورد في الوثيقة الدستورية، تعليق العمل بالمواد الـ 11 و12 و15 و16 و24-3 و71 و72 من الوثيقة الدستورية مع الالتزام الكامل بها ، و باتفاقية السلام “سلام جوبا”، و جميع الإتفاقيات الدولية و الحقوقية المتفق عليها.
وقد أتت هذه الإجراءات تمهيدًا لتصحيح المسار بإعلان حكومة كفاءات “مدنية”مستقلة، و تبع هذه الخطوة إتخاذ اجراءات ضرورية مهمة .
فى ذات الوقت أنقسم الوسط السودانى السياسي و الشعبى بين مؤيد لهذه الإجراءات بإعتبارها تصحيحية، و أقتضتها الضرورة القصوى، و تفاقم الأزمة السياسية السودانية بين شركاء الحكم (عسكر و مدنيين)، و الصراع المدنى المدنى حول السلطة ، إضافةً لدواعى أمنية، فأتت هذه القرارات للضرورة.
بينما تعالت أصوات اخرى رافضة لهذه الإجراءات، و اعتبرتها انقلابية على السلطة الانتقالية المؤقتة التى وصفت من قبل مؤيديها و “العاملين فيها” بالحكومة الشرعية.
فى الوقت الذى راى فيه آخرين أنها ليست حكومة شرعية، لم تأتى عبر انتخابات شرعية حرة ديموقراطية، عبر صناديق الاقتراع، بل أتت نسبةً لعملية توافقية بين “بعض” القوى السياسية(قحت)، المختلف عليها من قبل الكثيرين، على حد وصف البعض، مع اقصاء شامل وواسع للعديد من المكونات السياسية الغير منضوية تحت مظلة قحت التى انقسمت الى قسمين فيما بعد.
فى ذات السياق المواقف الإقليمية والدولية العالمية تباينت وانقسمت: فيهم من وصف الخطوة بالانقلابية، و عليه
طالبوا بالرجوع لما قبل 25 اكتوبر، مجددين دعمهم لضرورة حكومة مدنية.
واخرين رفضوا ان يصنفوا إجراءات البرهان بالانقلابية، ودعوا لعدم التدخل السافر فى الشأن السودانى، مؤكدين ان المدنية لا ترتبط بقوى سياسية حزبية بعينها، او شخصيات معينة.
بينما أعربت الأغلبية عن قلقها حيال ما يحدث فى السودان، ودعوا لضبط النفس، وشددوا على أطلاق سراح المعتقلين وبسط حرية التظاهرات، مع التزام الجهات الأمنية بعدم التعرض للمتظاهرين، وأهمية رجوع النت، وبسط حرية التواصل و الإتصال.
من جانبها السلطات الأمنية السودانية أطلقت سراح الأغلبية العظمى من الموقفين، والمتحفظ عليهم ما بعد 25 اكتوبر، وفى مقدمتهم قيادات الحكومة الانتقالية، بينما تحفظت على بعضهم، مبررةً ذلك بأن التحفظ طال من عليهم تحفظات قانونية وأمنية.
كما التزمت السلطات الأمنية بضبط النفس حيال التظاهرات المناهضة لقرارات الجنرال البرهان القائد الاعلى للقوات المسلحة حفاظا على سلامة أرواح المدنيين، وحرصًا على أمن واستقرار البلاد والمنطقة من حولها، فى الوقت الذي أثنت فيها بعض القوى الدولية على التزام القوات الأمنية بضبط النفس، وأشار جيفري فيلتمان إن كلا الجانبين المدني والعسكري أظهرا ضبطا للنفس في احتجاجات السبت الماضي، مما كان مؤشرا على أن الجانبين يدركان أنهما بحاجة إلى العمل معا لإيجاد طريقة للعودة إلى مرحلة انتقالية تشمل كلا من العسكريين والمدنيين.
فى ذات الصدد صرح الجنرال البرهان فى تصريح لقناة الجزيرة الإنجليزية ان الجيش السودانى لا يقتل المواطنين، وهناك لجان تحقيق لكشف ما حدث، مؤكداً ان ما قام به ليس إنقلاب، وانه يجرى مباحثات لتكوين حكومة كفاءات مدنية، مبينًا ان هدفهم ليس السلطة، ولن يكون جزءا من أي حكومة تأتي بعد الفترة الانتقالية، مضيفًا ان التظاهر السلمي حق مشروع، ومع ذلك لن يسمح بالتحريض على الفتنة.
من جانب أخر أدانت بعض الجهات ما وصفته باحتجاز رئيس الوزراء المعزول دكتور عبدالله حمدوك، فى الوقت الذى وضح فيه البرهان ان حمدوك ليس معتقلًا، ولا مسجونا، وآنذاك طمأن الشعب السودانى بانه متواجدا معه فى منزله، فى ضيافته، وان الاجراءات جاءت حفاظًا عليه بعيدًا عن اى مخاطر أمنية قد تحيط به.
وراى بعض المحللين انه موقف مفهوم باعتبار الجيش و الجهات الأمنية هى من ستكون فى وجه المدفع و المساءلة عن حماية حمدوك مع وجود احتمالية ان يتعرض لأى شئ، ولهذه الاسباب مجتمعة و باعتبار البرهان والجيش الجهة الأمنية المسؤولة و المكلفة بأمن رئيس الوزراء المعزول لذا حفظه بعيدًا عن المخاطر كان واجباً فرضته ضرورة، علمًا بان الجهات الأمنية هى من سوف تكون المسائلة قانونيًا فى حالة حدوث او وقوع اى ضرر يلحق به، على حد وصف البعض: السودان أصبح يشهد ظهور سلوك سياسى خطير متمثل فى المتاجرة بالدم من قبل قوى سياسية أُشير إلى أنها أصبحت
تستثمر فى زرع الفتن، وتتاجر بالدم.
وعليه سرعان ما تم تحويل د. حمدوك لمنزله الشخصى بضاحية كافورى، وسمح له بلقاء الوفود الدولية، منها: “الترويكا” التي تضمّ الولايات المتحدة، المملكة المتحدة والنرويج، ورئيس بعثة الامم المتحدة السيد فلوكر الذى يلتقيه بشكل راتب.
كذلك التقى حمدوك بشخصيات سياسية بارزة من قوى قحت المركزية، ووفود الوساطات الوطنية السودانية التى شملت سياسيين ورجال أعمال، وشخصيات مستقلة على سبيل المثال لا الحصر:
رئيس حزب الأمة القومى اللواء معاش برمة ناصر، وحيدر الصافي من الحزب الجمهورى وعضو المجلس المركزي للحرية والتغيير،
المفكر اليسارى الشفيع خضر، الخبير القانوني نبيل أديب، الناشط الحقوقي مضوي إبراهيم، الصحافي محجوب محمد صالح، ومدير جامعة الأحفاد للبنات بأم درمان الأستاذ قاسم بدري، ورجل الأعمال المعروف أنيس حجار.
حيث طُرحت العديد من المبادرات و الوساطات المختلفة بهدف الوصول لحلول تنهى الأزمة السياسية في السودان التى ظلت عالقة في عنق الزجاجة، و كان من أهم اشكال تلك الوساطات و المقترحات تشكيل حكومة مدنية برئاسة رئيس الوزراء المعزول د. عبدالله حمدوك، مع وزراء مستقلين “تكنوقراط”، تشكيل مجلس الدفاع العام برئاسة البرهان، إلى جانب تشكيل المجلس التشريعي بنسبة تمثيل تصل إلى 40 في المئة من الشباب، وتشكيل لمجلس السيادة، من 100 شخصية سياسية ومدنية وعسكرية من مناطق جغرافية مختلفة من السودان تضمن التمثيل الجغرافي العادل.
لكن و بالرغم من الوقت الطويل المبذول فى انتظار حل نهائي ، و مجهود مبذول من وساطات مختلفة، مع تفاخم وتيرة الأزمة و التصعيد الشعبى ، إلا ان أستمرار اختلاف وجهات النظر و المواقف من جانب، و انعدام الإرادة الوطنية من جانب اخر، و اتهامات للمدنيين بعدم تقديم مصلحة الوطن على المكاسب الحزبية و السياسية و الشخصية، كذلك اتهامات للعسكر بمحاولة السطو على السلطة، حال دون إحراز تقدم يفضي إلى حل رغم كافة الاجتماعات الداخلية.
و مع تفاقم الازمة السياسية في السودان، ومطالب المجتمع الدولى بدولة مدنية، و نصائح بعض المراقبين و المحللين بأهمية إتخاذ قرار حاسم سريع، و إعلان حكومة مدنية ، او حكومة تصريف أعمال تفاديًا لدخول البلاد فى فوضى كاملة و انفلات امنى، و سد الباب أمام التدخلات الخارجية غير الحميدة ، الأمر الذى يوجب إعلان حكومة مدنية، و بناءًا على ذلك جاء إعلان البرهان المتوقع و ليس المفاجىء يوم الخميس ، بعد أنتظار طويل لاتخاذ الخطوة الأولى نحو التشكيلة الحكومية الكاملة فكان إعلان مجلس سيادة جديد ضم ١٤ عضوًا ،قاموا باداء القسم يوم الجمعة أمام رئيس المجلس السيادي ورئيس القضاء المكلف، قوبل هذا القرار بالترحيب من البعض و الرفض من آخرين.
و من المتوقع قريبًا إعلان رئيس وزراء مدنى غير حزبى لإكمال الاجراءات التشكلية.
تابعونا للحديث بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى