قضية بين جائحتين : جهل ونكبة
جواد بولس

مرّت الذكرى الثانية والسبعون لنكبة الفلسطينيين في ظروف محلية وعالمية استثنائية، فعلى مستوى المعمورة ما زالت الحكومات والشعوب تتخبط في تداعيات جائحة كورونا وآثارها المحتملة على النظام العالمي، المتشكّل في زمن العولمة، وعلى قوانينها التي كانت، في حسبة الكثيرين، راسخة كوشم على صدر مستقبل الشعوب ومصائرها المحتومة. بينما في إسرائيل ما فتئ الصراع السياسي الداخلي على طبيعة نظام الحكم فيها متأجّجًا، وسيبلغ أوجه، في مطلع الاسبوع المقبل، داخل أروقة المحكمة العليا الإسرائيلية، التي سيحسم أحد عشر قاضيًا من قضاتها مصير حكومة الفساد، المتفق على إقامتها بين بنيامين نتنياهو وبيني غانتس وما سيفضي إليه قرارهم.

لم تفت المناسبة على الفلسطينيين، رغم ذينك الهاجسين المركزيين، من دون استذكار للوجع وإحياء للأمل، فالجرح، رغم مرور السنين، ما زال مفتوحًا، والحلم يأبى إلا أن ينام فوق جبهات الريح: أخضر، ملتبسًا بين الخيام البعيدة، وأبيض باردًا، في شتات ملهوف، وأسود مهيضًا، في عتمة احتلال بغيض، وأحمر حائرًا، يتقلى كالندم، على مفارق الـ 48.

حملت الذكرى، هذه السنة، طعم ورائحة الوباء، ليس بسبب فيروس كورونا وحسب، بل لأن فلسطين، التي في القصائد والدعاء، تواجه عالمًا جديدًا من زبد، يضج بالرياء السياسي، وبالتفاهة وبالعمى. فمأساتها، بعد سبعة عقود من عناق النكبة والمدى، أكبر من قضية عرض مسلسلات هجينة على شاشات العرب والمسلمين، مثل مسلسل «أم هارون»، وأعقد من احتضان محرك غوغل العالمي لعلم إسرائيل، فهذه وغيرها، عوارض جسيمة لما تعاني منه فلسطين داخليًا، وشواهد منذرة للخلل الحاصل في ما كان يسمى، ببداهة مواربة ومغالطة، «مصالح الأمة»، وفي طليعتها القضية الفلسطينية. لا أعرف، في الواقع، ماذا تعني اليوم «النكبة» بالنسبة لزعماء العرب، أو بالنسبة لمواطنيهم البسطاء والمسحوقين، ولا ما هو موقعها في هوية أجيال «الكنتاكي» المتزايده أعدادهم، وكيف تؤثر على جاهزيتهم النفسية «النضالية» الداعمة للصمود الفلسطيني المطلوب. ولكن الأخطر، من ذلك، برأيي، أننا لا نعرف في ما إذا كانت معاني النكبة وتأثيرها، كمحرك للمشروع الوطني الفلسطيني، ستفضي إلى مضامين سياسية، متطابقة بين فئات الشعب الفلسطيني، في جميع مواقع تواجده، وقياداتهم، وما يهمني هنا بالدرجة الأولى، علاقة المواطنين العرب في إسرائيل بهذه الذكرى وما تعنيه لهم، وما هي المؤثرات التي تحدد مواقفهم وتبلور مفاهيمهم ازاءها؟

لم يغب هذا السؤال عن النقاشات المتفاعلة داخل مجتمعاتنا المحلية، بل يشغل منصاتنا ونقاشاتنا، إما من خلال بروز ظاهرة جديدة، أو بسبب تكرار حدث ما، كما حصل هذا العام عندما قبل مواطنان عربيّان مدنيان، كما كان قبل غيرهم في الماضي، المشاركة في إضاءة شعلة «التمجيد والكرامة الإسرائيلية» في الاحتفالات بذكرى إقامة الدولة. فبعد نشر النبأ كتب لي صديق استفزته موافقة هذين الشخصين وتساءل بغضب مبرر «لماذا كان مدى إقبالهما على هذه الفعلة مساويًا لمدى سرعة التغاضي العام (لدى الناس) عن ارتكاب هذه الحماقة، وكأن الأمر عادي؟» ما أصوب السؤال وما أهون وأحرج الإجابة عليه. لم نعد كما كنا، ولا بقيت اسرائيل على حالها. فقد طرأت تحوّلات كبيرة داخل المجتمع العربي في اسرائيل- لن أتطرق هنا لشرحها أو للوقوف على مسبباتها – طالت معظم البنى الاجتماعية والسياسية التي نجت من جائحة النكبة، وبقيت صامدة في وطنها، فنحن نعيش، اليوم، في واقع مغاير ومضطرب وقد يكون من أبرز ملامحه، التي بدأت تظهر في أواخر القرن الماضي، ضياع البوصلة السياسية وتيه الناس في شعاب ووهاد كثيرة، وبالزحف، احيانًا، وراء قادة لا يجمعون على رؤية ولا على رشاد.

فالجواب، إذن، على لماذا «تساوت سرعة تغاضي الناس مع سرعة موافقة الشخصين في يوم النكبة»، يكمن في ثنايا هويات أولئك الناس، وداخل جيوب مصالحهم، وعند أقدام قناعاتهم السياسية والاجتماعية، التي تبلورت، منذ جيلين، بأيدي قادة تحدثوا بألسن مستوردة، وبنوايا غامضة وملتبسة، وساسوا، باسم اجندات غريبة، وعن طريق ردات فعل اعتباطية وجيَشان العواطف واندفاعها.

وقد كتبت في هذا الشان كلامًا ما زال يناسب هذه الذكرى.. فأكثرية المواطنين العرب في إسرائيل لا تعيش في حالة تشكّلُ فيها النكبة عنصرًا حياتيًا ملموسًا، أو هاجسًا ملحًا، يرافقهم خلال مسيرتهم المعيشية ويؤثر على خياراتهم السياسية، فباستثناء من حسبوا كلاجئين أو مهجرين في أوطانهم وذريتهم، سنجد قلة قليلة من المواطنين الذين يعيشون «حالة الانتكاب» ويذوّتون معانيها وتأثيراتها، ويترجمون ذلك إلى مواقف قيمية أو سلوكية أو نفسية أو سياسية.

لا غرابة في ذلك، فبين الجماهير العربية في إسرائيل وأحزابهم وحركاتهم السياسية والدينية، لن نجد إجماعاً على معنى النكبة، وعلى مكانتها، وما كانت مسبباتها، وما ترتب ويترتب على حدوثها من تبعات ومن حقوق. قد يعتبر معظم المواطنين العرب، البالغين والناضجين، أن النكبة، هكذا بمعناها البديهي والمطلق، هي مصدر للحزن وللتشرد وللقهر وللظلم وللخيانة، لكنهم لا «ينتمون» إليها، ولا يعيشونها كعامل مؤثر في مدارات حياتهم، وهي بهذه الحالة، ليست مركبًا حاسمًا في مبنى هوياتهم السياسية، مع إنها قد تكون عاملًا في تأليف نفسيات بعضهم المهزومة. سنجد، إلى جانب هاتين الفئتين بين العرب في إسرائيل من لا يعرف عن النكبة شيئا، أو قد يعرف القليل والسطحي عنها، أو إنهم سمعوا عنها، من مصادر معادية، حقائق مشوهة دفعت بهؤلاء إلى اتخاذ مواقف سلبية ومستفزة ومرفوضة منها، مثلما فعل هذان الشخصان اللذان شاركا في إضاءة الشعلة.

“تاريخنا لا يتوقف عن دورانه، ومجتمعاتنا متغيّرة وحيّة، وأصوات ترتفع معبّرة عن مقتها لواقعنا”.

تاريخنا لا يتوقف عن دورانه، ومجتمعاتنا متغيّرة وحيّة، فكلنا نلاحظ كيف بدأت ترتفع في الآونة الأخيرة أصوات تعبّر عن مقتها لواقعنا وتصرخ من حناجر تائهة وتوّاقة لحليب الغيم، لقد اصطلحوا على تسميتهم بناشطي «الحراكات الشعبية» أو بجنود شبكات التواصل الاجتماعي، ومهما كانت المسميات، يبقى جميع هؤلاء أبناء حالة من»الإفاقة الشبابية» التي ما انفكت تأخذهم بعيدًا وتعيدهم إلى جوف مربعات «الهزيمة الأولى» حيث وضعت النكبة نطفتها فكبرت حتى تكوّنت شخصية العربي الذليلة الكسيرة المنكوبة. إنهم «طفرات» حديثة العهد وشرائح مجتمعية، جديدة وهامشية نسبيًا، ما زالت تبحث عن مراسيها في شوارع المدينة الإسرائيلية، وعلى أرصفة موانئ بعيدة. قد نعتبرهم أبناء التفاهة، أو على النقيض، أبناء الغضب المأزوم وسعاة البرق الماضين نحو الشفق، ولن ينتظروا نصائح الحكماء ولا مواعظ الشيوخ والفقهاء، بعضهم سيمضي في تيهه صوب تلك النيران، والآخرون، وبعد أن اكتشفوا حطام قصص الأجداد وعنّات اللجوء وسكرات الذلّ وعربدات السلطان، سيتمرّدون على الرماد، وسيضيئون مصابيحهم في مسعى لإزاحة العتمة والالتباس، فالفرح، عند العاشقين، يسكن، هكذا علمتهم الوسائد، في غبار السرو وبين نثار النيازك.

لا أعرف من سيجيب «ما النكبة» وكيف جاءت وإلى اين تمضي، لكنني أشعر بأنها كروح السماء في الأرض باقية، ومرآة الملائكة وهم في طريقهم إلى قلوب البشر القاسية. النكبة لعنة من لا يتّعظ من عويل قلبه الدامي والمفطور عند أقدام السيوف المعربدة، وهي للجهلاء مقبرة الضمير وللودعاء الصابرين أم حانية.

كان واضحًا لصديقي أن إسرائيل، وعلى امتداد سنين طويلة، نجحت في تجنيد أشخاص مثل هذين المذكورين، لأهداف سياسية مضرة ومسيئة معروفة للجميع، لكنهم كانوا يشاركون ويتعذرون ولا يجاهرون بفعلتهم، كما يفعلون في هذه الايام. هذا هو «الفرق بين الماضي والحاضر، وهو أبلغ إجمالا لحالنا، فهيبة الوطنيين تتمرغ بالتراب، ولم تعد قادرة على رد من يسيء لشعبه» هكذا كتب الصديق وتأسى!

لن يختلف اثنان على هذا التشخيص الدقيق والصحيح والموجع، ولكننا، هكذا أجبته، يجب أن نتفق أولًا، من يحدد من هم الوطنيون، ووفقًا لأي مساطر ومعايير، وبعدها سيعرف الناس أو غالبيتهم، كيف تصان هيبتهم وكيف لا يضام حق شعبهم.. فالمشكلة أكبر بكثير من سقطة جاهلين أضاعا بوصلتيهما في مقابر الضمائر الغائبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى