“قلب الخنزير” والتَنَمُّرُ باسم الدين
أسامة أبو ارشيد

استفزّ نجاح جراحين أميركيين في زرع قلب خنزير، معدّل وراثياً، داخل جسم إنسان كان شارف على الهلاك، جدلاً واسعاً بين مسلمين كثيرين، بعضهم متخصّصون في الدراسات الشرعية، حول حِلِيَّةِ الأمر من عدمها، على أساس أن جمهور العلماء يقولون بنجاسة الخنزير بكليته. الرأي السابق ليس مجمعاً عليه فقهياً، فثمَّة من يرى النجاسة في لحم الخنزير، فحسب، لا في كل جسده وأعضائه وجلده. لا يسعى هذا المقال إلى الانتصار لموقف فقهي على آخر. كما لا يهدف إلى الانتقاص من قدر متخصّصي الدراسات الشرعية ومحاولة المسَّ بمركزهم. لكن، مكانة دارسي العلم الشرعي وأهله لا تعطيهم حصانة فوق النقد الموضوعي، وحق الاستدراك عليهم، بل وردِّ كثير من آرائهم ومواقفهم التي لا تستقيم منهجياً وعلمياً. أيضاً، تقدير مكانة هؤلاء واحترام تخصّصاتهم لا تمنح بعضهم حق زعم احتكار العلم والحقيقة، خصوصاً عندما لا يكون ثمَّة إجماع فقهي في مسألة، ويكون هناك عوارٌ جليٌّ في التَقْعيدِ والمنهجية ومصدر المعلومة. أخيراً، لا يطاول نطاق نقد هذا المقال من يعرفون قدر أنفسهم، ومسؤولية العلم المنوط بهم، ولا الفقهاء والعلماء الأثبات، أصحاب التقوى والعلم المشهود له، من أهل التبصّر والبصيرة والمنهجية المنضبطة. هؤلاء يندرجون في نطاق وصف الرسول الأكرم: “إن العلماء ورثة الأنبياء” (أبو داود).

لنعد إلى أصل الحكاية التي استفزّت هذا النقاش والجدل، بل وكثيراً من التَنَمُّرِ من بعض من يقدّمون أنفسهم علماء وفقهاء دين، على الرغم من أنه ليس عند أغلبهم نتاج معرفي وأكاديمي مُحَكَّم، ولا اشتهر بأثرة من علم، اللهم إلا من لقب أكاديمي يضعونه سابقاً على أسمائهم وصفاتهم. .. في 11 يناير/ كانون الثاني الجاري، زرع فريق جراحي في كلية الطب في جامعة ميريلاند الأميركية قلب خنزير لمواطن أميركي اسمه ديفيد بينت، عمره 57 عاماً. يعاني منذ سنوات من عدم انتظام خطير في دقات القلب، وأمله الوحيد كان في تلقي قلب جديد. المشكلة أن وضعه كان سيئاً جداً، بحيث عُدَّ غير مؤهل لعملية نقل قلب بشري إليه، أو حتى تركيب مضخّة قلب اصطناعية. وكانت النتيجة أن قضى الأشهر الثلاثة السابقة للعملية في المستشفى ينتظر الموت في أي لحظة. حينها عرض عليه الفريق الجراحي، برئاسة أستاذ الجراحة ومدير برنامج زراعة القلب في كلية الطب في جامعة ميريلاند، محمد محيي الدين، أن يخضع لتجربة زراعة قلب خنزير معدّل وراثياً. وافق بينيت، فهو عملياً في حكم الميت.

مكانة دارسي العلم الشرعي وأهله لا تعطيهم حصانة فوق النقد الموضوعي، وحق الاستدراك عليهم، بل وردِّ كثير من آرائهم ومواقفهم التي لا تستقيم منهجياً وعلمياً
لم تكن الفكرة وليدة الساعة في ذهن فريق الجراحة، ولم تكن التجربة اعتباطية، ولا مجرّد عملية زراعة بسيطة لقلب خنزير في جسد إنسان. أولاً، حسب معلومات نشرتها مواقع طبية علمية معتبرة، فإن الجراحَيْنِ الأساسِيْيَنِ، محيي الدين وبارتلي ب. غريفيث، اللذين قادا الفريق الجراحي قضيا الثلاثين عاماً الماضية في تطوير التقنيات الجراحية لعملية الزرع التي أجرياها لبينيت. وكان محيي الدين قد نشر، أيضاً، عام 2016، بحثاً علميّاً محكماً عن تجربة أجراها لزراعة قلب خنزير معدّل وراثياً في قرد بابون عاش على أثرها عامين. ثانياً، قلب الخنزير الذي تمت زراعته لبينيت خضع لعشرة تعديلات وراثية جينية، بما في ذلك إزالة أربعة جينات تخصّ الخنازير، وأضيفت إليه ستة جينات بشرية. وهناك تفاصيل أخرى كثيرة ليس مكانها هنا. إذن، المسألة علمية معقدة جداً، وفيها معطيات تقنية وملابسات إنسانية كثيرة، وهي إن نجحت ستكون فتحاً حقيقياً لإنقاذ عشرات الملايين من المرضى الذين يواجهون الموت سنوياً جرّاء نقص أعضاء بشرية يحتاجونها. وهنا، وقبل الاستطراد، من الضروري بمكان الإشارة إلى أن الدراسات العلمية تقول إن نسبة تشابه الحمض النووي الجيني بين البشر والخنازير تبلغ 98٪. بمعنى أنه لا توجد “مؤامرة” على المسلمين لتحسين سمعة الخنازير بينهم.

المشكلة أن بعضاً ممن ينتسبون إلى حقول العلم الشرعي الإسلامي، ممن تصدّروا لإبداء الرأي في هذه الواقعة، لم يأبهوا لهذه التفاصيل وغيرها كثير، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في الحيثيات والخلفيات والظروف المحيطة. مباشرةً، قفزوا على المسألة محللين ومحرّمين، ذلك أن الحيوان محل النقاش هنا خنزير. كان أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، أحمد كريمة، من أوائل من افتعلوا هذه المعركة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعدما أعلن جرّاحون أميركيون في نيويورك عن نجاحهم في زرع كلية خنزير، معدّل جينياً، في جسم مريضةٍ متوفاة دماغياً. “الفقهاء متفقون على تحريم التداوي بالمحرم والنجس”. و”الخنزير نجسٌ بكل أعضائه وما ينفصل عنه من سوائل وأعضاء وشحوم وغيره”. هذه كانت خلاصة رأي كريمة التي تبعها فيها كثيرون، مع أن الأمانة تقتضي التنويه أن غالبية العلماء والفقهاء وهيئات الإفتاء رفضت رأيه على أرضية تحقّق “الضرورة”.

مرة أخرى، العلماء والفقهاء الراسخون في العلم هم ورثة الأنبياء، وهم نجومٌ نهتدي بها. ولكنْ ثمَّة مشكلتان منهجيتان هنا. أولاً، من من متخصصي العلم الشرعي يرقون إلى درجة العلماء الفقهاء الراسخين علماً. وبالتالي، ينبغي أخذ فتاواهم بجدّية؟ ثانياً، هل التكييف الفقهي لمسألة ما سابق على فهم كنهها، واستيعاب تفاصيلها وحيثياتها وظروفها ومآلاتها، أم العكس؟ لا يترك القرآن الكريم السؤال الأول معلقاً. “وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ” (النساء: 83). الاستنباط، كما يقرّر ابن تيمية وابن قيم الجوزية، هي “وظيفة الخواص” في “النوازل”. والفقه، لغةً، هو الفهم العميق والإدراك الدقيق. واصطلاحاً، هو العلم بالحكم الشرعي العملي المستنبط من الأدلة التفصيلية.

من غير المقبول من بعض أصحاب البضاعة المزجاة في العلم الشرعي أن ينصّبوا أنفسهم حرّاساً على الدين والدنيا ومصالح العباد، بزعم أنهم علماء وفقهاء
من ثمَّ، من غير المفهوم وغير المقبول من بعض أصحاب البضاعة المزجاة في العلم الشرعي أن ينصّبوا أنفسهم حرّاساً على الدين والدنيا ومصالح العباد، بزعم أنهم علماء وفقهاء. أهل العلم، وتحديدا الشرعي منه، ليسوا من ينسبون أنفسهم إليه ويقمحون أنفسهم فيه إقحاماً. بل هم، بعد تقوى الله ومخافته، من يَجِدُّونَ في طلبه، ويطوّرون مَلكاتهم، ويوسّعون آفاقهم، ويستمعون إلى المتخصصين في الحقل محل البحث أولاً. مكانة ورثة الأنبياء لا تُعطى لكسالى، خامدي عقل، عديمي تَبَصٌرٍ وبصيرة، ومفتقدي فهم لمصالح العباد المشروعة. أما المتاجرون بالعلم فهم خارج الحسبة.

يرتبط بالنقطة الأولى بشأن تحديد من هم العلماء والفقهاء مسألة التكييف الفقهي. لاحظ أنه عند غياب سعة الأفق ينحرف النقاش إلى الجزيئات والفرعيات. هذا ما جرى هنا، إذ أصبح النقاش عن نجاسة الخنزير من عدمها هي القضية، وليس مراعاة واحدةٍ من الضرورات الخمس، وهي الأمور التي لا بد منها، كما يرى الأصوليون المسلمون الكبار، لـ” قيام مصالح الدين والدنيا”. تلك الضرورات الخمس: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ العقل، وحفظ المال. وإذا كان أغلب العلماء متفقين على ترتيب الأولى والثانية، فإنهم اختلفوا في ترتيب الثلاث الأخرى. هنا قد يثير بعضهم اعتراضاً قائلين: إذا كان رأي الجمهور هو تقديم حفظ الدين على حفظ النفس، حينها تصبح مسألة حرمة زرع قلب خنزير في إنسان محسومة؟ لنأخذ بهذا المنطق، جدلاً، عندها يكون الأولى أن نقرر، منهجياً، ما إذا كان الخنزير نجساً كله أم لحمه فقط، كما يشير النص القرآني، ضمناً، حسب رأي بعض العلماء؟ ثانياً، ينبغي تحديد ما هي نوعية التعديل الجيني الذي خضع له الخنزير وأعضاؤه. بمعنى، هل بقيت على طبيعتها أم تغيرت؟ ثمَّ، هل سأل هؤلاء الذين يزعمون العلم الشرعي أهل الخبرة والاختصاص، أم أنهم قرّروا وضع العربة قبل الحصان بمعنى إصدار الحكم أولاً، ثمَّ قد تأتي محاولة فهمهم المسألة، وقد لا تأتي؟ ألا يترتب على مثل هذا المنطق إنهاء حياة إنسان وتدمير أمل للبشرية جمعاء، من دون تفحص ونظر في المآلات؟ ثالثاً، إذا اعتبرنا النجاسة متحققة في أعضاء الخنزير، أتدخل في باب الكفر لمن اضطرّ لها، وبالتالي يقدّم الذنب الذي يفترضه بعضهم على ضرورة حفظ النفس؟

يأتيك أحدهم لمجرّد أن معه شهادة في علم شرعي، لا تجد لها عضداً في نتاج معتبر، محاولاً مصادرة الدين والدنيا
لقد طوّر العلماء الراسخون حقاً قواعد منهجية في البحث والدراسة، وَقَعَّدوا أصولاً للفقه، ولم يكونوا يُخْضِعونَ التكييف الفقهي لمسألة أو واقعة أو نازلة ما لقناعات مسبقة، من دون تفكّر ونظر وَتَبَصُّرٍ في الحيثيات والمآلات. هم لم يكونوا يجترون فتاوى مسبقة يحفظونها، ويلقونها على مسامع الناس وكأنها مسجّلة تسجيلاً، ثمَّ يزعمون أن الحفظ علم وقدرة على البحث والحفر المعرفي والفقهي. نحن لا نثق بطبيبٍ يصف العلاج قبل تشخيص الحالة بدقة وبشكل منهجي، في حين يطالبنا بعض من يزعمون العلم الشرعي أن نثق بأحكامهم، التي قد يرتبط بمصائرها ملايين البشر، من دون أن يدرسوا المسائل، ويتحرّوا خلفياتها، ويسمعوا رأي المتخصصين فيها قبل تكييفها فقهياً. يأتيك أحدهم لمجرّد أن معه شهادة في علم شرعي، لا تجد لها عضداً في نتاج معتبر، محاولاً مصادرة الدين والدنيا. هؤلاء يحاولون احتكار الدين، من دون حتى امتلاك الأدوات المنهجية اللازمة التي قد تسوغ لهم حق الزعم والمحاولة. يريدون أن يجعلوا من الإسلام عدواً للعلم. عدواً لحقوق الناس المشروعة. عدواً لمصالحهم المعتبرة التي لا حرمة فيها، ثمَّ يتهمون غيرهم بالتجرؤ على حياض الدين، وهم يفتنون الناس فيه وعنه!

ومرّة أخيرة، ليس النقد السابق موجهاً إلى طلبة العلم الشرعي والمتخصّصين في حقوله إجمالاً، إنما هو موجّه إلى من يعطون أنفسهم حجما أكبر من كفاءاتهم، ممن لا يستثمرون في تطوير أدواتهم وعلمهم، ويعتبرون المنهجية المنضبطة ترفاً لا ينطبق على دراستهم، ثمَّ يريدون أن يضيقوا علينا واسعاً، وقلب القاعدة الربانية الخالدة: “مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” (الحج: 78). الأصل في الأشياء، كما يقرّر العلماء الثقات، الإباحة إلا ما ثبت تحريمه بنص، وليس العكس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى