كايت وينسليت تحرية في مسلسل Mare of Easttown

السياسي – وكالات

هناك مشهد في “مير أوف إيست تاون” (“مير” من إيست تاون) Mare of Easttown تكون فيه التحرية الخاصة (واسمها مير)، التي تؤدي دورها كيت وينسليت، جالسة على كنبتها تُدقق بمجموعة أوراق وتأكل سندويتشاً. فجأة تصدم النافذة خلفها علبةُ حليب كبيرة وتنفجر، وتغمر وينسليت بالحليب وشظايا الزجاج. ومن دون أي رد فعل تقريباً تُنحي وينسليت الأوراق جانباً، وتنفض نفسها وتعود إلى سندويتشها وتأخذ منه قضمة أخرى. أحداث عبثية يمكن أن تحصل، لكنها لن تسمح لها أبداً بالحيلولة بينها وبين عشائها.

دراما الجريمة هذه، التي أنتجتها قناة “سكاي” (Sky) ولاقت إعجاباً كبيراً، والتي تدور أحداثها ببلدة صغيرة في بنسيلفانيا، تملك جميع عناصر الحبكة في جريمة قتل أولية: شرطي مضطرب، أم عزباء مقتولة، عدد من المشبوهين، وسكان محليون يحتاجون إلى طبيب أسنان. كما أن لهذا العمل أيضاً عنوان موارب على نحو خاص، وهو جعلني، قبل قراءتي تفاصيل دعايته، أتساءل إن كان سيحيلني إلى سبع ساعات من “دراما الفروسية” (لأن “مير” في الإنجليزية تعني فرس). لكن في الحقيقة ثمة سبب جعل من هذا المسلسل، الذي انطلق من دون ضجيج قبل ستة أسابيع، يُثبت نفسه كعمل استثنائي.

وللمبتدئين بالنسبة لهكذا أعمال، يمكن القول إن هناك تقويضاً هادئاً، أو تخريباً، لـ”كليشيه” الدراما البوليسية. إذ ثمة عنف وموت، صحيح، لكن معظم هذين، العنف والموت، يقع خارج الشاشة (أي لا نراه). كما أن المُشاهد لن يرى نساء يُصور جلد أجسادهن الـ”بورسيلانية” [الخزفية] بطريقة “فيتشية” على الشاشة، وهن مسجيات على مصطبة (طاولة) متعهد دفن الموتى، وحولهن رجال بأثواب المختبرات (البيضاء) يتفحصونهن. كما أن المسلسل، في السياق عينه، يقوم بتصحيح ظاهرة تصدر “التحري الرجل” في الدراما البوليسية، هذه الأخيرة التي تقدم لنا على الدوام، في العادة، شرطياً يتجاوز الخطوط الأخلاقية ويخترقها بحصانة كافية، لأنه، بطبيعة الحال، عبقري في الاختراق وكشف الأحجية.

من هنا، وعلى خلاف ذلك كله، يأتي “مير أوف إيست تاون” ببطولة شخصية أنثوية مُركبة وصادقة، وليست دائماً أثيرة على القلب. إذ إن “مير” تؤدي عملها بطريقة جيدة، بيد أنها قد تخطئ، كما نشاهد في قضية اختفاء فتاة من البلدة، تلك القضية التي تفشل حتى الآن في تقديم أجوبة عليها. كما ترزح “مير”، في الوقت عينه، تحت أعباء عديدة. إذ لها ابنة مراهقة، وأم متقدمة في السن، وحفيد صغير، وابن توفي إثر انتحاره. وفيما يمكن القول إن كُتاب هذا المسلسل بالغوا في مراكمة الأعباء التي تثقل كاهل “مير” وتزيد معاناتها (هل كانوا فعلاً مجبرين على إسكان زوجها السابق وخطيبته في بيت يحاذي الجهة الخلفية لبيتها؟) إلا أن الأعباء المذكورة تبقى مماثلة للمصاعب التي تواجهها نساء كثيرات في منتصف العمر، بدءاً من الابنة المراهقة الغاضبة، مروراً بأزمة الطلاق، ووصولاً إلى فاجعة الفقدان. لذا ليس مستهجناً أن تبدو “مير” منهكة.

و”مير شيهان”، التي تؤدي دورها وينسليت، تمثل نمط أدوار وشخصيات ظلت تأديتها على الشاشة الصغيرة حتى الآن حكراً على سارة لانكاشاير، الممثلة التي احتلت السوق بطريقة غريبة تستدعي الضحك. وفي السياق يمكن القول، إن هناك بالطبع أكثر من مجرد تشابهات سطحية بين “مير أوف إيست تاون” ومسلسل “الوادي السعيد” Happy Valley، الذي تلعب بطولته لانكاشاير، وهو عمل تشويقي لـسالي واينرايت تدور أحداثه في الريف، ويُحيك مسائل الإدمان وسوء المعاملة والموت في قلب نسيج الحياة نفسه. إذ كما هو الحال مع شخصية الرقيبة في الشرطة كاثرين كاوود، التي تؤديها لانكاشاير في العمل المذكور، فإن “مير” تتحلى بالذكاء وذات شخصية متعاطفة، لكنها أيضاً انفعالية ومتهورة. ويمكنها كذلك أن تكون طريفة – السمة التي استمدتها على ما يبدو من أمها، التي تؤدي دورها جين سمارت مانحة العمل لحظات نادرة من الخفة (آن الأوان كي تُمنح هذه المرأة دوراً رئيساً!).

في المقابل، فإن أجرأ لحظات مير، التي تتطلب منها الحضور والسير في مواقع الجرائم من دون أن تكون مهيأة لذلك، أو الأسوأ، من دون سلاح، تؤدى بأسلوب مقدامٍ وغير مبهرج. إذ من دون التلفظ بأي كلمة يمكن لوجه وينسليت التعبير عن مضمون عشر صفحات في نص السيناريو. ويبدو ذلك كأنها تقول: إن كان عليك القيام بعمل ما، قُم به بلحمك الحي.

من ناحية أخرى يأتي توقيت هذا المسلسل مثالياً أيضاً. فبعد 14 شهراً خبرنا جميعاً خلالها المعاناة بطريقة أو بأخرى، فإن ما تواجهه مير يشير إلى أن الحياة ليست صندوق شوكولاته، بل حفرة وحل ضخمة نخوضها جميعاً – بعضنا مغمور فيها حتى كاحليه، وبعضنا الآخر غارق حتى عنقه – وهذا ينطبق تماماً على واقع الحال. وتسود الكآبة في كل شيء بـ”إيست تاون”: في البنايات مقشورة الواجهات والمتداعية، في السماء المعدنية الرمادية اللون، وفي الملامح الشاحبة لسكان البلدة. وفيما لا أنوي هنا إبداء أي إعجاب بمظهر النساء بهذا المسلسل، إلا أن هناك شيئاً مطمئناً ينبع من رؤية وينسليت تتخلى عن بريقها الاعتيادي وترتدي الملابس المريحة والعملانية. البلوزات الفضفاضة، والجوارب الكبيرة، والفلانيلات الكثيرة المؤلفة معظم ثيابها في المسلسل، والتي مثلت قطع الثياب الضرورية لنا خلال فترات الإغلاق (لمواجهة كورونا). وإذ كان بوسع “مير” ارتداؤها والخروج بها من البيت والتجول من دون حرج، فإن هذا يعني من دون شك أنه يمكننا بدورنا فعل ذلك أيضاً! يا للهول!

في الإطار ذاته، وبالنسبة لعروض المسلسل، يعجبني أنه يبث أسبوعياً، بدل أن يعرض دفعة واحدة على مدى أيام. وهذا ما يُمدد التشويق، ويُطيله إلى جانب الافتراضات والتكهنات التي لا مفر منها تجاه هوية المجرم. (“لاين أوف ديوتي” اعتمد نفس إيقاع العروض، فجعلنا نستعيد أيام برمجة المسلسلات الطويلة، لكن من ناحية العمق والأجواء فإن عرض دجيد ميركوريو ذاك (من لاين أوف ديوتي)، لا يستحق أن يُلمع حذاء “مير أوف إيست تاون”).

لكن، وفيما يتسم جانب “لغز المجرم” في هذا المسلسل بمقدار كبير من التشويق، فإن “استثماري” الحقيقي بـ”مير أوف إيست تاون” تركز بالدرجة الأولى على مشاهدة وينسليت. أحب هذه الصورة التي قدمتها للمرأة، المتعلقة سراً بسيجارتها الإلكترونية، والتي لا تتأنى بأكل السندويشات، والتي لا يمكنها أن تحظى دائماً بفرصة لغسل شعرها. كما أنني أنحني أمام رفضها رسم ابتسامة على وجهها حين تفرض الأعراف الاجتماعية منها ذلك، وغالباً لتهدئة غرور الرجال. كما أنني، وأكثر من أي شيء آخر، أحببت أنها على الرغم من تعرضها لصدمات ومآسٍ كافية لإنهاء حياة الشخص، تبقى ماضية في قناعتها بأن عملها ووجودها في النهاية جديران بالاهتمام. هل من رسالة عامة في النهاية؟ كوني مثل “مير” أكثر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى