#كل_يوم_كتاب: بحيرة وراء الريح رواية ليحيى يخلف
بقلم مهند طلال الاخرس

تقع على متن 300 صفحة من القطع المتوسط وهي الجزء الاول من رباعية البحيرة الصادرة في صندوق واحد (بحيرة وراء الريح، ماء السماء، جنة ونار، نهر يستحم في البحيرة).
في روايته “بحيرة وراء الريح” يستحضر يحيى خلف اجواء حرب الـ48 وأجواء النكبة وصور واشكال التامر على فلسطين وتشريد اهلها.
ويحيى يخلف ابن سمخ البار وابن بحيرتها العتيدة (طبريا) نجح باتقان باستخدام احد اشكال الفن الروائي الواقعي والهادف الى نقل صورة حية عن احداث النكبة وارهاصاتها، وهو بذلك يستخدم الرواية الفلسطينية كفعل مقاوم ويساهم في منجزه الادبي في ضحد الرواية الاسرائيلية وتفنيد ادعائاتها الكاذبة.
نجح يخلف بنقلنا لتفاصيل النكبة في مقطع جغرافي اتقن تفاصيله واجاد التحرك بجغرافيته وزقاقه بكل رشاقة، وهذه الرشاقة تمثلت بالكاتب العارف والملم بتفاصيل الحدث والحافظ لكل سطور الوطن والبارع في استنباط حكاياه من واقع نكبته ومأساته ، طبعا ليس بدافع النكوص والانكسار وانما بدافع صاحب الجرح الذي يعض على انامله فيقضمها باحثا عن الامل ومنتظرا هبوب رياح الثورة والعودة الى سمخ وطبريا من جديد. 
تمثل مسرح الرواية في سمخ بالدرجة الاولى ثم طبريا البحيرة والمدينة والقرى المجاورة ثم درعا وقطنا ودمشق وحلب(من خلال شخصية اسد الشهباء)واربد وام قيس والمخيبة وملكا وسما الروسان وجسر دامية وجسر اللنبي وقرى القدس ومحيطها وبغداد والتي تمثل حضورها من خلال شخصية ومذكرات احد المتطوعين العرب في صفوف جيش الانقاذ (شخصية عبدالرحمن العراقي)، وشخصية اسد الشهباء وعبد الرحمن العراقي شكلتا محور الاسناد والمشاركة العربية لدعم اهل فلسطين وكان لهاتين الشخصيتين بالاضافة لشخصية نجيب وابو حامد واحمد بيك وراضي وعبدالكريم الحمد وزوجته محور الاحداث التي دارات على لسانها احداث الرواية.
فمن حكاية نجيب وشراءه الدرع من احد افراد الجيش البريطاني ومن ثم بيعه لاحمد بيك ومن ثم قيام هذا باهدائه لقائد جيش الانقاذ والمفتش العام بزعم اغتنامه في احد المعارك مع اليهود…، وصولا الى عثور ابو حامد على طفلة رضيعة تصرخ من بين الاعشاب والاشواك وقد تركت تواجه مصيرها لوحدها بعد ان اصبح مصير اهلها ومصير كل الشعب اثناء النكبة تحت رحمة بنادق الاحتلال ومدافع نيرانه…
مجريات الروايةِ وأحداثها ترصدُ مدينةَ طبريّةَ وبلدة سمخ المجاورة لها وتوثق لمقاومتها وبسالتها ومأساتها كذلك؛ حيث تبدأ تراجيديا النكبة في الشمال حين دخلت افواج من جيش الانقاذ لفلسطين لنصرة اهلها، حيث صُدم هؤلاء المجاهدون حين أرادوا العبور إلى فلسطين ووجدوا كلوب باشا قد أوعز بتفكيك الجسر قبل وصولهم! غير أنهم استطاعوا الدخولَ مهربيين في صناديق الشاحنات التي تنقل التموين إلى الفيلق العربي في أريحا عبر جسر (أللنبي)، مع الأغنام المذبوحةِ والمسلوخة، وقد نجح الكاتب في ذلك التصوير والربط ؛ إذ لم يعلم المجاهدون أن مآلهم لم يكن أفضل حالاً من تلك الأغنام!.
عرض الكاتب من خلال روايته لأسبابٍ متعددةٍ ساهمت في حصول الهزيمةِ مثل العيش على الذكريات والتغني بها بالاضافة الى انتشار الكثير من صور التخلف والرجعية، هذا عداك عن انكار الحقائق وعدم الاعتراف بالهزائم والكذب المرافق لهكذا اوضاع، والمصيبة الاكبر ادعاء النصر واخفاء الهزيمة كما حدث في قصة الدرع مع احمد بيك حين ادّعى أنه قد تحصل على درعٍ واق من الرصاص من أعدائه بعد هزيمتهم والانتصار عليهم! وأنه غنيمة الحرب ، مع أن هذا الدرع بالأصل هو لجندي انجليزيّ باعه لراضي في بلدة سمخ بثمن بخس، لأنه أراد أن يتخلص منه ويقفل عائدا إلى بلاده، فتزوير الحقائق واخفاء النتائج وتحويل الهزائم إلى انتصارات هو من الأسباب الوجيهة للهزيمة وهي احد اهم دروس الرواية المؤلمة والمبكية حد العويل.
تنتهي احداث الرواية بصورة مفجعة (النكبة) ويتفرق ابطالها في درعا، فيعود اسد الشهباء الى اهله في سوريا ويعود عبد الرحمن العراقي برفقة نجيب لدخول الاردن تهريبا عبر الحدود بغية العودة لبغداد ثم يتراجع عن قراره ويقرر البقاء مع نجيب، فيتجهون صوب سمخ وطبريا للبحث عمن تبقى من اهل نجيب(سمخ وطبريا).
لم يكن عبد الرحمن العراقي يدرك حقيقة ما حصل للشعب الفلسطيني بحق إلا في الصفحتين الاخيرتين من الرواية، وفي هاتين الصفحتين اجاد الكاتب وابدع وهو يرسم صورة النكبة على لسان عبدالرحمن العراقي حين لخص تلك المأساة بذلك الحوار بين عبد الرحمن العراقي ونجيب ابن سمخ، ذلك الحوار الغزير بالمعاني المليء بالصور والمجازات ، ذلك الحوار الذي ان قرأته عليك ان تتسلح بشلال من الدمعات.
تلك الصورة لتلك المأساة ليس من السهل على اي كاتب ان يُجملها في سطور معدودة، وهنا يكمن سرّ الصنعة واحتراف الكتابة لدى الكاتب، ذلك الحوار لا يمكن ان يتلمسه وينجح في التعبير عنه إلا قلم ذو صنعة ومن طراز رفيع وان يكون هذا القلم قد ذاق الام الفقد والخسران، فقدان الوطن والذكريات.
ذلك الحوار اثث له الكاتب مسبقا وبعناية فائقة ومدروسة فجائت الصفحتين الاخيرتين نتاجا طبيعيا لذلك البناء، لكن الاهم والاجمل ان القدر اسعف الكاتب في ان تكون الخاتمة ملائكية وغارقة بالدموع.
يقول الكاتب على لسان عبد الرحمن العراقي:” كان يشق عليّ ان اعود وانا احمل في ثيابي رائحة الهزيمة، لذلك فكرت بالبقاء مع نجيب، لقد ربطت مستقبلي بمستقبل هؤلاء الناس الذين فقدوا بيوتهم ومدنهم وقراهم. كان الطريق طويلا، يتعرج ويصعد. كان خاليا من الفلاحين والرعاة. سرنا مسيرة نهار كامل، وقبل الغروب بقليل بدأنا نقترب من قرية ام قيس، وبدأت تظهر اطراف البحيرة من الجانب الاخر.
توقف نجيب تحت شجرة خروب معمرة، واطل يراقب مغيب الشمس وانعكاسها على مياه البحيرة.
كان يشم رائحة سمخ. لقد مرت شهور كثيرة دون ان يراها او يشم رائحة ترابها ومائها ، لكنها ظلت تعيش في احلامه، بل وفي يقظته.
وفجأة تكلم نجيب بصوت مرتفع.لا. لم يكن يكلمني . كان يكلم اناسا يراهم ولا اراهم. يكلم رجالا ونساء يكلم الشجر والخيول. حكى كلاما فيه نعومة وسلاسة ويكاد يجرح القلب. حكى مع الحسون، مع القبرة، مع الحجل البري. حكى مع الشومر، مع الكرسعنة، مع المرار، مع النعنع البري.
تحدث الى سطح البحيرة الذي يشبه بطن الغزالة ، وحكى مع سمك المشط، وسمك الكرسين، ومع العظاظي والبلبوط والمرمور.
شددته من يده لاوقظه، فمشى معي وهو يحكي.
ظللنا نصعد ونصعد ، والبحيرة على الجانب الاخر تكبر وتكبر.
وحين وصلنا الى اعلى المرتفعات، وصرنا على مشارف ام قيس، وغابت الشمس تماما. توقف نجيب مرة اخرى وبدأ يحكي من جديد مع اشياء يشاهدها ولا اشاهدها، ثم تنهد وزفر زفرة اخرى، وانهالت من عينيه الدموع.
ادركت عند ذلك انه قد ضاع كل شيء ، وان كل الدروب اصبخت تفضي الى الغربة والشتات، فيا لكآبة المنظر، ووحشة الطريق!

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى