كل يوم كتاب: حضن الصبار
بقلم مهند طلال الاخرس

رواية لفايز سلطان(فايز عبد الرحمن القيسي) صدرت عن دار “موزاييك” للترجمات والنشر والتوزيع في عمان/الاردن، والرواية تقع على متن 247 صفحة من القطع المتوسط.
تسجل الرواية بتقنية السرد الحكائي المبسط والبعيد عن التكلف والتعقيد، أحداث ما بعد النكبة الفلسطينية 1948، إذ تبدأ أحداثها منذ عام 1948 وتضع أوزارها في العام 1970، فتعرض صورا متعددة من محطات ترحال وتشرد ونكبة ومسيرة الشعب الفلسطيني، من خلال تتبع سير اسر وعائلات نجح الكاتب في التقاط اهم مفاصلها ومواجعها ليوظفها بما يخدم فكرة الرواية…وعليه كانت هذه الرواية احدى روايات الوجع الفلسطيني بامتياز.

ومن فصول الوجع في الرواية : “كفرعانة القريبة من يافا، قرية داهمتها العصابات الصهيونية بكل همجيتها المعروفة فأحدثت فيها الدمار والخراب. تبدو للعيان خاوية متهدمة منازلها والحيوانات النافقة منتشرة في جنباتها، لا يشق صمت موتها سوى نعيق الغربان. الثوار كانوا هنا قبل يومين، أصوات رصاصهم لم تعد تُسمع كما كانت في الليل والنهار، مُذ فرّوا إلى القرى والمدن التي لم تصلها بعد تلك العصابات، لإعادة ترتيب صفوفهم وبناء قوتهم لمعاودة المقاومة. مغادرة الثوار لتلك المناطق المنكوبة زادت توتر الناس وخوفهم بعد احتمائهم بأصوات طلقاتهم وتكبيرات المُغيرين من الكمائن بين بيارات البرتقال على عصابات العدو.
ارتحل الفلاحون مع الثوار إلى المدن والمناطق الأكثر أمناً، وتفرق الأقرباء والأنسباء، في رحلة البحث عن مأمن، عبد الرحمن الشاعر وأسرته: والداه وإخوته وأخواته لجأوا إلى قرية (الخيرية)، حمدة وبناتها وطفلها تمكنوا من الوصول إلى أطراف مدينة (الرّملة) حيث حطت حمدة رحالها على قارعة الطريق تحت شجرة تين لم ينضج ثمرها بعد، تبلّ ريق أطفالها بما حملته من ماء، ملوحة بيدها لكل شاحنة تمر، علّ سائقها يشفق علىيهم فتنقلهم إلى أيّ منطقة آمنة!
لم تتوقف لها أيّ وسيلة نقل، حتى هبت واقفة أمام إحداهنّ في منتصف الطريق، ملوّحة بكلتا يديها بعد أن بدأت الشمس تلوّح هي الأخرى مودعة جبين المنطقة المغطى بغبار الحرب”.
كما تتحدث الرواية عن حقبة زمنية لمدن الضفة الشرقية وكيفية تطورها ونشوئها واثر النكبة واللجوء عليها، وتحديدا الرصيفة والزرقاء واربد وعمان، وعلى العموم تقع أحداث الرواية بين كفر عانة والخيرية ويافا ورام الله والرملة والجلزون ونابلس وإربد والرصيفة والزرقاء وعمان ومخيم الوحدات.

 

يعتمد الكاتب على تتبع سيرة وتاريخ العائلات لينسج خيوط روايته، وياخذ سيرة عائلة حمدة البيك اللاجئة من كفر عانة قضاء يافا مدخلا لذلك، ومن خلال سيرتها وسيرة عائلتها تتفرع الاحداث وتتابع الى ان يمسك بزمام الامور والرواية الشاعر الاب ومن ثم رامز الابن، ومن خلالهما وعلى لسان الراوي العليم تتجمع الحكايات في الرواية.
بطل الرواية «الشاعر» وهذا يتم له بعد ان يأخذ لسان الحكاء في الرواية من حمدة، فيظهر بصيغة البطل

الاوحد المطالب بكل شيء والعالم بكل شيء، والذي تتجمع الحلول والحبكات بين يديه،؛ فالشاعر وحسب ما جاء في ص ١٦٢ انسان مؤدب وخلوق وفنان وخدوم، ووضعه يجعل الجميع يتعاطف معه، نتيجة ظروفه القاسية؟! فهو انسان فقد زوجته، وعنده طفل يتيم وبحاجة لمن يرعاه ويسهر على تربيته، واخت الشاعر تعاني من مرض مزمن…

وهذه الصفات والسمات بالاضافة لمجموعة من الحكايات سمحت للشاعر بان يبقى لسان الحكاء ينعقد له الامر وتجري على لسانه الصفحات وتتراكم الاحداث، الى ان يكبر الفتى رامز ، و الذي يشكل امتدادًا لشخصية الشاعر الاب، وهو ابنه في كل الاحوال.
تتصاعد احداث الرواية وتصبح اكثر حيوية وتتخلص من بعض الرتابة والحمولة الزائدة عند الفصل ٢٢ ص ١٩٩ وصاعدا. وتبلغ الرواية ذروتها وقمة التعقيد والذي يصاحبه مجاز رهيب ورمزية مطبقة غاية في الروعة عند الفصل ٢٨، ص ٢٣٩، وهو الفصل الاخير(وما ينطبق على الفصل الاخير من حيث الرمزية والمجاز ينطبق ايضا على عنوان الرواية حضن الصبار)؛ فيظهر رامز بطلا وراوي اوحدا للاحداث من خلال رمزية عالية تمثلت بمرضه وتمكن الهلوسات والأحلام والخيالات منه، وتلك الصور التي يراها في اللاوعي قبل أن تتحقق وتتجسد على شكل مصائب تغيم على المخيم والبلد برمته (الضفة الشرفية)، من خلال انتقائه لاحلام وكوابيس سوداوية تبث الموت والخراب والدمار وتنشر الرعب وتجزع الانفس السوية منها، في اشارة رمزية لاحداث ايلول الاسود. فنجده في ص ٢٣٩ يقول : “كانت الشمس تغيب وتعتق الناس من هول حرارتها في تلك الايام الايلولية، لتتربع النجمة المذنبة في الجهة الشرقية من سماء المدينة….
ثم انطلق من الجبل البعيد عواء ذئب ردت عليه ذئاب عدة من على التلال المقابلة، هطلت امطار شديدة الغرابة، اذ كانت القطرة منها بحجم حبة العنب،…اختلطت اصوات الذئاب والرياح باصوات حبات المطر الغريبة، التي ما ان تلامس الارض حتى يصدر عنها فرقعة قوية…، بعد ساعة انطلقت صفارات سيارات الاسعاف التي تحمل شعار الدولة وشارة الهلال الاحمر…”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى