#كل_يوم_كتاب: قصة الثورة الجزائرية
بقلم مهند طلال الاخرس

#كل_يوم_كتاب
قصة الثورة الجزائرية كتاب للمناضل المرحوم احمد الشقيري، والكتاب يقع على متن ١٧٠ صفحة من القطع الكبير وهو من اصدارات الاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين فرع الجزائر سنة ٢٠١٩.
الكتاب يتحدث عن قصة الثورة الجزائرية من خلال تناول ستة خطابات ألقيت من على منبر الامم المتحدة واعيدت والقيت عبر مختلف المنابر والمحافل الدولية ونشرتها الصحف والمجلات، وهذه الخطب اعدت والقيت من قبل المناضل المرحوم احمد الشقيري -مؤسس ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية والتي لم تكن قد تأسست بعد- وكان الشقيري قد القاها على منبر الامم المتحدة بصفته مندوبا وممثلا للملكة العربية السعودية، وغالبا ما كانت هذه الخطب تحرج وتغضب فرنسا الاستعمارية، حتى انها لم تعد قادرة على احتمالها، فأخذ مندوبوها يضعون اصابعهم في اذانهم كي لا يسمعوها، واخيرا ادت هذه الخطب بهم الى مغادرة قاعات الامم المتحدة، واصبحت عادتهم الدائمة الانسحاب من جلسات الامم المتحدة بمجرد ان يعتلي الشقيري المنبر، كانت عدالة القضية الجزائرية وبحور الدم المراقة فيها تشكل للشقيري ذلك البئر الذي لا ينضب، والذي كان يستلهم كل كلماته منه، ويضيف اليها موهبته الفذة في الخطابة والتقريع والشرح والتفنيد، كان موقف الشقيري كمندوب للسعودية مدافعا عن الجزائر بالحجج والبراهين وبالادلة والاسانيد موقف اكبر بكثير من ان تحتمله فرنسا.
الخُطب والكلمات الموثقة في هذا الكتاب هي عبارة مرافعات محكمة اعدت بعناية من قبل الشقيري لشرح ابعاد وتفاصيل الثورة الجزائرية منذ بدايتها وحتى نيل الاستقلال، بهدف التعريف بالقضية الجزائرية والبحث عن الدعم والنصرة والتأييد الدولي لها، ويبدو في هذه المرافعات شرح مستفيض عن طبيعة الصراع مع فرنسا، وفيه تسليط للضوء على كثير من صور تجبر فرنسا الاستعمارية وتعنتها على تبعية الجزائر لها من نهب خيراتها واستعبادها ومحاولة تقسيمها وابقائها تابعة وملحقة تدور في فلك فرنسا ، وفيه ايضا استعراض لكثير من صور فرنسا الشنيعة واجرامها بحق الشعب الجزائري مثل قضية المعمرين والمستوطنين والاقلية الاوروبية وقضية الصحراء، اضافة الى استعراض دور امريكا وبريطانيا ودول حلف الناتو “الاطلنطي” في مساعدة فرنسا عسكريا واقتصاديا في حربها على الجزائر.
في هذا الكتاب يظهر للقاريء كم ان الشقيري مطلع على تفاصيل التفاصيل، حتى تحسبه انه ناطق باسم جبهة التحرير الجزائرية، وهذا ليس بغريب عنه، وهو صاحب الحجة المقنعة، والكلمة البليغة اللاذعة، التي يظهر اثرها جليا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ومنها:
“يجب على الرجل الابيض في افريقيا ان يسود وجهه ويبيض ضميره..ص ١٥٤.”
” ان ادوات التجميل في باريس تستطيع ان تصنع الجمال، هذا ما نعترف به، ولكنها لا تستطيع ان تجعل الجميل قبيحا ص ١٤٦”.
“لقد كان موقف فرنسا قائما منذ البداية على استراتيجية ملتوية وتكنيك منحرف…ان فرنسا لم تحضر مؤتمر ايفيان بنية صادقة لتنفيذ القرار الذي اصدرته الامم المتحدة في العام الماضي..لقد جائت فرنسا الى ايفيان لتقامر لا لتفاوض..وكما هو معروف فإن ايفيان هي دار القمار الاولى في اوروبا..ص ١٣٨”.
“ان بعض الدوائر الفرنسية قد وصفت تأليف الوفد الجزائري بأنه مداعبة خالية من الطرافة والذوق.. ولكن هذه الملاحظة بعينها هي مداعبة خالية من الادب… ان الشعب الجزائري لا يعيش حياته في فراغ، حتى يملأها بالدعابة، المليحة او الممجوجة ، ليس عند الجزائريين وقت للدعابة والتظرف. انهم الان في شغل شاغل امام اقدس واجب لتحرير وطنهم..، وليس في قلوبهم متسع للمزاح، وهم يخوضون حربا طاحنة، هم عتادها ووقودها ص ١٠٠”.
وفي معرض رده على فكرة فرنسا ورئيسها ديغول حول فكرة الادماج يقول الشقيري :” انه لمفجع حقا ان يصبح البطل العظيم الجنرال ديغول مصمما للازياء..يصنع للقضية الجزائرية كل يوم لباسا..لباسا يأبى الشعب الجزائري ان يلبسه..ص ٥٥”.
وفي رد اخر له على فكرة الادماج يقول الشقيري :” ادماج الجزائر بفرنسا … وهنا تكمن نواة هذه الاسطورة…ان الادماج ليس عملية كيميائية يمكن بموجبها جمع مادتين وخلطهما وتتم عملية الادماج.. ان الادماج ، اذا كان مقدرا له ان يتم، هو تطور طبيعي وتاريخي ووانساني…انه ينشأ نشاة طبيعية ، ولا يمكن ان يولد بطريقة صناعية..انه نشوء ذاتي، وليس بتركيب كيميائي مصنع..وبالنسبة لموضوع الجزائر ، فلسنا نرى عاملا واحدا يدعوا الى الادماج، كل العوامل تدعو الى الافتراق والانفصال ص ٥٤”.
هذه الخطب وبعض المقتطفات اللاذعة منها تبين مدى تمكن الشقيري واطلاعه على تفاصيل وحكاية الثورة الجزائرية، علاوة على ان هذه الخطب والكلمات تؤدي دورها في الوعي والمعرفة والاقناع، وبالاضافة الى ذلك كله فهذا تأكيد اخر على ان الشقيري خطيب مفوه، تتلون الكلمات بين يديه كما يريد، لكن جمال تلك الالوان هنا كان ينبع من عظم تلك التضحيات التي بذلها الشعب الجزائري في سبيل حريته واستقلاله.
كل ذلك يتبين للقاريء من خلال المحاور التي يتطرق لها الشقيري، وهي المحاور التي كانت محل مباديء وثوابت الشعب الجزائري وجبهة التحرير الجزائرية، وهذه المحاور تناولتها خطب الشقيري الستة والتي تمثل فصول هذا الكتاب وهي:
اولا : منشة الذباب والاستعمار الفرنسي
ثانيا : الرئيس ديغول خيب آمالنا في الجنرال ديغول
ثالثا : الرئيس ديغول يخون الجنرال ديغول
رابعا : الشيخ كينيدي يتحدى الرئيس كنيدي
خامسا :الرئيس ديغول يقامر في ايفيان
سادسا : الجنرال ديغول حرر فرنسا مرتين
الكتاب وبشكل مكثف يتناول قصة الثورة الجزائرية بمسارها السياسي ومعتركاته التي خاضها في هذا المضمار، والكتاب يتتبع تطور مسار الحل السياسي من خلال تطور موقف الامم المتحدة والجمعية العمومية لها ومن خلال القرارات الاممية الصادرة في هذا السياق.
الكتاب ومن خلال كلمات الشقيري في حينه يتولى الرد على كل طروحات ومراوغات فرنسا الاستعمارية ويتولى ضحدها والرد عليها بالدليل القاطع والحجة والبرهان الشافي، وهذا لم يكن يتأتى للشقيري وحده لولا كم التنسيق بينه وبين اصحاب العلاقة من الشعب الجزائري وقيادته التحريرية ولولا الاسناد العربي وامتلاكه لموقف عربي متجذر واصيل في هذا السياق، اضافة الى كم المعلومات ودقتها والتي كان الشقيري دائما يستند اليها في تفنيد ادعاءات فرنسا الاستعمارية ومراوغاتها المضللة والكاذبة. وهذا مانجده في ص ١٥٦ حيث يقول الشقيري:” ان العرض الذي قدمته اليكم عن سير المفاوضات في ايفيان ولوغران ليس مستندا الى قصاصات الصحف، ولكني اعتمدت المحاضر الرسمية، وانا اتحدى حلفاء فرنسا ان ينقضوا كلمة واحدة مما قدمته اليكم عن سير المباحثات…ومن شاء ان يتحدى فليتفضل!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى