#كل_يوم_كتاب.. البيت الثالث
بقلم : مهند طلال الاخرس

رواية لصالح ابو لبن وهي كتاب من القطع المتوسط تقع على متن ٢٩٠ صفحة من اصدارات وزارة الثقافة في فلسطين ضمن برنامج من سلسلة السجون سنة ٢٠١٣.

نحن امام عمل متعدد الاجناس فهو نص سردي يحمل صفة الرواية والسيرة الذاتية واليوميات في تداخل جميل تفرضه طبيعة الاشياء في فلسطين. فالبيت الثالث عمل ادبي متعدد الاوصاف والاشكال، فمن الجائز تسميته بالرواية او السيرة الذاتية او شهادة على عصر كاتبها او نصا سرديا او تسجيليا او يوميات، فهي كل ذلك واكثر.

الرواية وعبر بطلها صابر والذي لا يخلو اسمه من الدلالات؛ تتناول سيرة البطل صابر ابن مخيم الدهيشة وهو اللاجيء من زكريا،وهي سيرة فردية تأخذ في كل تفاصيلها سيرة ومسيرة الشعب الفلسطيني ونضالاته عبر محطات متعددة، وقد نجح الكاتب بالتعرض لهذه المحطات وتسليط الضوء على ما كان معايشا لها هو او عائلته، لذلك نجحت هذه الرواية في ان تنال صفة اليوميات ايضا.

هذه الرواية وعبر تلك المحطات والتي نجح الكاتب بنقلها وتوثيقها وتسجيلها، وكأنه كان ممسكا بكاميرا ذكية، بحيث نجحت الكاميرا في التقاط اهم الصور المتسلسلة لاهم الاحداث التي مر بها الكاتب وعائلته منذ النكبة وتهديم زكريا وحتى انتفاضة الاقصى ومحاصرة كنيسة المهد.

فتجد الكاتب او الكاميرا قد ابتدأت بالتقاط صور النكبة والتهجير من قرية زكريا عبر صيغ حوار ذاتي بهدف استرجاع الذكريات وعلى لسان الاب والام تارة وعلى صورة ذكريات ومواقف تارة اخرى.

وتستمر الكاميرا بالتقاط الصور للمخيم وتفاصيله وتنجح بتصوير النكسة والانطلاقة والفدائيين وعبورهم النهر ودورياتهم المتعددة وخلايا التنظيم في المخيم وصولا للاعتقال في سجون الاحتلال والتحرير منه بموجب صفقات المبادلة مع منظمة التحرير، ويستمر شريط الذكريات بالاستعادة، وتستمر الكاميرا بالتقاط تلك التفاصيل وصولا للانتفاضة الاولى والثانية والمداهمة التي قامت بها قوات الاحتلال لمقر لجنة الطواريء في مبنى البلدية في بيت لحم.

الرواية نجحت في ان تكون وثيقة جرم وادانة لممارسات وفظائع وجرائم الاحتلال عبر محطات متعددة من الاعتقال والتعذيب والمحاصرة والاغلاق ومنع التجول والقتل بدم بارد ومصادرة الاراضي وهدم البيوت وملاحقة الاطفال وترويع الناس….، حيث نجحت الرواية في تقديم شهادة حية على احداث حقيقية وموثقة عن تلك الجرائم، وهي جرائم لا تتقادم بمرور الزمن. وقد جاء الكتاب في هذا المضمار مكملا لجهود اخرى بذلت في سبيل تصوير وتسجيل وتوثيق صور كل تلك الوقائع والفظائع التي يمارسها الاحتلال.

الرواية جائت لتسجل رحلة كفاح لاسرة ومخيم وقرية ومدينة، ولتلخص قصة شعب ونضاله المستمر، وفي قصة اسرة وبطولاتها من مرحلة لاخرى في مواجهة مستمرة لا تنتهي إلا بأنتهاء الاحتلال. وهذه الرواية التي جائت صفحاتها لتروي ملحمة شعب في مواجهة المحتل منذ النكبة وصولا لاجتياح كنيسة المهد في احدى جوانبها ما هي إلا تأكيد على ديمومة الثورة حتى النصر.

الرواية حديث عن المخيم وتفاصيله وذكرياته من المقاومة الاولى والخلية الاولى واول الشهداء وحاياهم الى زمن الانتفاضة الاولى والثانية وحتى اجتياح بيت لحم ومحاصرة كنيسة المهد.

الرواية تقدم خلاصة تجارب ومراجعة قيمة ونقد ذاتي وبناء لسلوك المقاومة بغية تطويرها نحو الافضل وتلافي السلبيات في المستقبل، لان طبيعة الصراع مستمرة ولن تنتهي وهو ما تبوح به الايام باستمرار وهو ما ذهبت اليه سطور الرواية، ولم يغب عن بال الكاتب وهو المناضل وصاحب التجربة والباع الطويل من تسليط الضوء على بعض التجارب واستقاء الدروس والعبر منها، والكلام هنا لم يكن عابرا او مرسلا، بل نجح الكاتب في استحضار العديد من الدروس والتجارب الحية والتي اوردها في الكتاب، وفي هذا الكتاب العديد من القضايا التي طرحها الكاتب والتي تستحق النقاش وان تعاد قراءاتها من جديد وبروية وتأني، لان من لا يحسن قراءة واقعه لا يمكنه ان يستشرف مستقبله.

الرواية بإسمها الجاذب تقدم احدى وثائق الجرم والادانة تجاه الاحتلال وممارساته، فهي وعبر هذا العنو

ان واثناء محاولتك الامساك بتلابيب النص بغية فك احجيته واولها: كيفية مجيء الاسم واسبابه، تجد نفسك امام بيت لمناضلين ومن اسرة مناضلة هدم من قبل الاحتلال ثلاث مرات في فترات متباعدة اولها بيت العائلة الاول الذي دمره الاحتلال تماما في زكريا… والببت الثاني نسفه الجيش الاسرائيلي في المخيم، وها نحن والقراء نقف في الصفحة ١٠٥ امام نفس الخطر ونتابع بين السطور المصيبة التي ستقع بالبيت الثالث.

كان وراء كل هدم للبيوت الثلاث قصة بطولية تستحق ان تبقى وان تأخذ مكانها كشهادة عز وافتخار على نضال هذه العائلة من ناحية، وكوثيقة جرم وادانة للمحتل وادواته من ناحية اخرى.

البيت الثالث؛ خلاصة تجربة ومسيرة نضالية لشعب في صورة اسرة تعرف انها ملح الارض وبارود الثورة، ومسلحة بجذورها الضاربة في عمق هذا الوطن والتاريخ، في مواجهة اصحاب الخرافة والاساطير القادمين من سطور التاريخ المزيفة المسلحة بالبندقية والدبابة والطائرة وكل ادوات الاقتلاع والقتل والدمار.

البيت الثالث قصص وصور ومحطات لوطن وابنائه وصراعه المفتوح مع المحتل الممتد من الصراع على الرواية الى الصراع على الارض، صراع متعدد الاشكال والوجوه ومفتوح مع محتل لا يشبهه شيء في السوء والقبح سوى الاحتلال نفسه، البيت الثالث لا يقدم حلولا للانتصار عليه، لكنه نجح في قرع جدار الخزان وفي طرح العديد من القضايا والمشاكل على طاولة البحث والنقاش، ونجح في وضعنا بإقتدار على اعتاب الدرجة الاولى وتزويدنا بالفكرة الاولى تجاه القضية الاولى:”لا تمت قبل ان تكون ندا”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق