كورونا إذ يفرض علينا الحصار
أسامة أبو ارشيد

إعلان منظمة الصحة العالمية تصنيف فيروس كورونا وباءً عالمياً يعني أن البشرية جمعاء تعيش تحت وطأة تهديد خطير، وأن الأمر لم يعد مقتصراً على دول بعينها، وتحديداً الصين، بلد المنشأ، وغيرها من الدول الأكثر تضرّراً، كما إيطاليا وإيران وفرنسا. لست طبيباً ولا هذا مجال تخصصي، وبالتالي لن أخوض في ما لا أعرف عن هذا الفيروس وخطورته وكيفية وآفاق التصدي له واحتوائه. ولكنني، كغيري، تأثر نمط حياتي وحياة عائلتي بهذا الوباء، وأظن أن هذا هو بيت القصيد.
التحدّي الأكبر الذي تواجهه البشرية في التعامل مع هذا الفيروس يتمثل في الغموض الذي يحيط بطبيعته وأعراضه وكيفية انتقال عدواه، وبالتالي تعثر، أو بطء، إيجاد لقاح مضاد له. وهكذا، فجأة، ومن دون مقدمات، وجد الناس أنفسهم تحت حصار حقيقي، عبر عن نفسه بأوجه متعدّدة، فمن عزل وحجر صحي مطلق، كما في بعض مناطق الصين، مروراً بإيطاليا كلها وبعض المناطق والمدن في إيران والولايات المتحدة، إلى قراراتٍ أصدرتها دولٌ تقضي بحظر السفر إلى دول أخرى أو استقبال مسافرين منها، ثمَّ تعليق المدارس والجامعات، وإلغاء الأنشطة العامة، ومنع التجمعات، بما فيها الدينية، فوق أعداد معينة. المفارقة في هذا السياق أنه تستوي في هَمِّ كورونا الدول المتقدمة والدول النامية، كما يستوي الغني والفقير، والصغير والكبير، فلا فضل لأحد على آخر هنا.
ويكفي للتدليل على ما سبق الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، بعظمتها وثرائها وإمكاناتها وتقدمها، لا زالت عاجزة عن التعامل مع حوالي 1300 حالة مسجلة رسمياً لمصابين بكورونا، وسلطاتها  الصحية، على المستويين الفدرالي والولائي، لا زالت تركز على موضوع الوقاية من العدوى أكثر من معالجتها، وتكتفي بمناشدة من يظنون أنهم تعرّضوا لها عزل أنفسهم في غرف في منازلهم من دون احتكاك مع من حولهم. وحدهم فقط كبار السن، أو المصابون بأمراض مزمنة، أو ممن حالاتهم حرجة، يعطون الأولوية في الرعاية الصحية الآن. الأدهى أن السلطات الصحية الأميركية تؤكد أن مسألة تفشي هذا الوباء في البلاد مسألة وقت فحسب، فماذا يا ترى يكون حال الدول الأخرى الأقل تقدماً والأكثر فقراً!؟
.. عملياً، كثيرون منَّا أصبحوا يشعرون فجأة أنهم يعيشون حصاراً افتراضياً، طوعاً أم كرها. وكما سبقت الإشارة، فإن ثمّة من يعيش حصاراً حقيقياً، كما في حالة من يعيشون في المناطق الخاضعة لعزل أو حجر صحي، أما من لم يصب منَّا بالمرض فهم يعيشون هاجسه. نقرأ عن أعراض المرض التي يتم تحديثها بشكل شبه يومي مع تقدّم فهم العلماء له، كما نحرص على متابعة إجراءات الوقاية منه، ولكننا نكتشف في كل يوم صعوبة تجنبه. لا تصافح. لا تعانق. ابتعد عن التجمعات العامة. حافظ على مسافة مترين عن أقرب شخص إليك. غطّ أنفك وفمك بمنديل عند العطس والسعال وتخلص منه مباشرة. اغسل يديك بالماء والصابون عشرين ثانية على الأقل. امسح أسطح الأشياء، مثل الهاتف ومقبض الباب والمكتب، قبل لمسها بمناديل معقمة. لا تلمس وجهك كثيراً.. إلخ. دع عنك، طبعاً، تعطيل المدارس والجامعات في حالات كثيرة، والطلب من بعض الموظفين العمل من منازلهم، أو أخذ إجازات مفتوحة. كيف يمكن للإنسان أن يطبق كل تلك النصائح وغيرها الكثير من دون أفق زمني مُحَدَدٍ ومعلوم؟ وكيف يمكن أن تستمر الحياة على هذه الوتيرة على المدى الطويل؟
لا أظن أن أحداً يملك إجابة جامعة مانعة لما سبق، وها هي اقتصادياتٌ كبرى تتهاوى جراء ذلك، منذرة بأزمة اقتصادية عالمية جديدة. الأشد وطأة في هذا السياق يتمثل في مدى واقعية فرض مثل تلك الإجراءات “التفكيكية” بين الأزواج وداخل العائلة الواحدة مددا طويلة، فهل سيلتزم الأزواج بمسافة مترين بينهما؟ وهل سيعزفون عن مداعبة أطفالهم؟ وهل سيمتنعون عن ركوب السيارة مع بعضهم بعضاً؟ ثمِّ إن خروج واحد كفيل بتعريض المنزل كله للعدوى. كل ما سبق يعد أموراً غير واقعية، وهو ما يضاعف من وطأة هذا الفيروس، عندما يصبح الجميع يخشون الجميع ويتوجسون منهم، وتثير كل عطسة أو سعلة الرهبة في القلوب.
لا يعني ما سبق التقليل من حجم الخطر الذي يمثله هذا الفيروس على البشرية قاطبة، بقدر ما  أنها محاولة، لتلمس بعض تداعياته الكارثية المباشرة علينا. نحن نعيش في عالم مترابط، وليس صحيحاً أن هذا حكر على زماننا بسبب التقدم التكنولوجي وتقلص المسافات بين القارات زمنياً. لقد عرفت البشرية، على امتداد قرون طويلة، أوبئة قضت على عشرات ملايين من البشر، من الطاعون بصوره المتعددة، إلى الجدري، إلى الكوليرا، وصولاً إلى الإنفلونزا بصيغها المختلفة. تلك أوبئة وقف الإنسان أمامها عاجزاً فترات طويلة، قبل أن تختفي أو يجد لها حلولاً، ولكن بعد أن يكون دفع ثمناً فادحاً بسببها.
كلمة أخيرة، وفي انتظار أن يطور لقاح فَعَّالٌ لهذا الفايروس القاتل، ينبغي أن نعترف بأن عادات كثيرة يمارسها بعضنا، وذوقيات يتجاوزون عنها، بحاجة إلى إعادة نظر. تلك أمور ليست مرتبطة بتفشّي عدوى أو وباء، ولكنها تصبح أكثر أهمية في سياقيهما. بل إني أزعم أنه من دونهما (العدوى والوباء) لن نملك الجرأة اللازمة للحديث عن تلك العادات والذوقيات. كم من شخص يعطس أو يسعل في يده ثمَّ يمدها إليك مصافحاً، وإذا تجرأت على إظهار التذمر أو التقزز تتهم بإهانة المشاعر! وكم من شخص يتنفس في وجوه الآخرين، ويطلق زفراته العميقة نحوها، ولا تقدر على التبرّم! وكم من شخص يرى الكرم أن يفتت لك اللحم في صحنك بعد أن يكون قد لعق أصابعه كلها مرات ومرات أمام ناظريك، وما عليك إلا الصمت والتظاهر بالتلذّذ بالأكل! وكم من شخصٍ يتصرف وكأنه لا يوجد لكوب الشراب الذي يقدّمه إليك يد أو قاع يمسكهما منه! وكم من شخص يسكب لك الطعام بملعقةٍ يأكل فيها، وكأن لعابه طاهر بذاته ولذاته، وكأن الذي أمامه لا يعرف معنى للقرف! عادات كثيرة مقزّزة، وذوقيات كثيرة غائبة، وهي من أهم أسباب انتقال الأمراض وتفشّي العدوى، وقد آن الأوان أن تتوقف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى