كورونا … ضربة من الله أم مؤامرة ضد الإسلام؟

السياسي – لا يوجد شك لدى الداعية التونسي، بشير بن حسن، الذي يعيش في فرنسا، في سبب عقاب الله للصينيين بفيروس كورونا. “الفيروس جندي في جيش الله، يقتل الناس وكأنهم حشرات”، أعلن ابن حسن في “فيسبوك”. “السلطات الصينية فرضت الحصار على مليون مسلم إيغوري. والآن 60 مليون صيني محاصرون بسبب الفيروس الذي لا يجدون له علاجاً، لأن هذا أمر الله، فللخالق جنوده، منهم الملائكة والفيروسات والأمراض. وإذا أراد تسليطهم على البشر فلا يوقفه شيء في السماء أو الأرض، مثلما قام بإغراق جنود فرعون في البحر.. سينصر الإيغور على السلطات الصينية بكورونا”. ولكن سعادة الداعية التونسي الكبرى بيد الله الطولى قطعها رد أحد المسلمين الذي ذكره بأن ماليزيا أيضاً، الدولة الإسلامية، مصابة بالفيروس. “هل ينتقم الخالق أيضاً من المسلمين؟” سأل.

لقد تجند لمساعدة ابن حسن الداعية المصري أحمد عيسى المعسراوي، وهو أحد رجال مؤسسة الأزهر، الذي شرح بأنه “بعد أن عزلت الصين مليون شخص إيغوري، يعزل الله الصين عن العالم”. هذا التفسير الديني حصل على ردود غاضبة من زيد الحمداني، متصفح من العراق، الذي حذر الداعية في صفحته على “تويتر”: “لا تضع نفسك مكان الله. فالله لا ينتقم بصورة جماعية من جمهورهم. وهو لا يحرق القش مع الغلة. إذا أردت الدفاع عن دينك من العالم فعليك أن تكون إنساناً”.

في أحد المواقع الدينية، كتب بأنه ليس من طبيعة الإسلام الشماتة بضائقة الآخرين، و”إذا أصابت أناساً مصيبة من غير المؤمنين، فإن الشفقة تقتضي مساعدتهم”. التفسير الشرعي الذي يبحث عنه فقهاء الدين في الدول الإسلامية لا يختلف عن الذي يمكن إيجاده في تفسيرات حكماء شريعة يهود، يسارعون إلى تفسير سبب إيقاع مصيبة على أغيار أو على بني إسرائيل بسبب الانحراف عن الصراط المستقيم. ولكن يبدو أن الفيروس، “الجندي الشجاع في جيش الله”، يضع صعوبات خاصة أمام فقهاء الشريعة المسلمين. الفيروس ينتشر في دول إسلامية مثل إيران والبحرين والكويت ومصر ولبنان. وهو لا يميز بين السنة والشيعة، أو بين المسلمين العرب وغير العرب.

إذا لم يكن ذلك انتقاماً من الخالق، فلا مناص من عزو كورونا إلى أعداء الإسلام، وبشكل خاص الذين يريدون التنكيل بإيران. الرئيس الإيراني، حسن روحاني، وقف حتى وقت متأخر مثل سور حصين أمام ما اعتبره “جنون كورونا”، وضد نية إغلاق مسجد معصومة في مدينة قم المقدسة، التي اكتشفت فيها في البداية معظم حالات الإصابة في الدولة. روحاني شرح بأن “الأعداء يريدون إغلاق إيران بواسطة الذعر من كورونا، هذه مؤامرة من أعدائنا، وعلينا ألا نسمح لهم بالنجاح فيها”. ولكن في نهاية المطاف اضطر إلى الخضوع لضغط الآباء والطلاب وأعلن عن إغلاق المدارس والجامعات لمدة أسبوع، شريطة أن يتم عقد محاضرات موجهة في الجامعات.

“لدينا كل الوسائل لمواجهة كورونا”، أعلن وزير الصحة الذي أصيب نائبه بالفيروس. هذا المرض تسبب بوفاة 27 شخصاً في إيران حتى الآن. ولكن الجمهور الذي لا ينجح في الحصول على الكمامات الطبية للحماية من الفيروس لا يصدق ذلك. بعد جهود إخفاء إسقاط الطائرة الأوكرانية في الشهر الماضي والتقارير الكاذبة عن عدد القتلى في المظاهرات، فإن مواطني إيران يتخذون بأنفسهم خطوات الحماية. والشك الكبير هو أن السلطات امتنعت عن الإبلاغ في الوقت المناسب عن حجم انتشار الفيروس من أجل عدم الإضرار بانتخابات البرلمان التي جرت الجمعة الماضي.

أجهزة النظام والزعيم الأعلى علي خامنئي، تجندوا قبل الانتخابات من أجل تشجيع وحتى تهديد الناخبين حتى لا يغيبوا عن صناديق الاقتراع؛ لأن مشهداً كبيراً من الناخبين سيثبت إلى أي مستوى يؤيد الجمهور النظام. لكن هذه الجهود لم تساعد، ونسبة التصويت كانت الأقل في حياة الجمهورية الإسلامية. التقدير هو: لو أن السلطات أبلغت في حينه عن حجم انتشار الفيروس لكانت نسبة المصوتين أقل بكثير.

شاب من مدينة قم قال لموقع “راديو فاردا” المعارض بأنه قبل فترة قصيرة من الانتخابات أصيبت والدته بالفيروس واضطر إلى علاجها في المستشفى، وقد توفيت هناك. “لم يقوموا بفحصي لأنني لم أسعل”، قال، “في نهاية المطاف أمرونا بدفنها بأنفسنا دون تغسيل الجثة. وعندما قلنا إن الدفن يجب أن يقوم به أشخاص مع ملابس واقية من الفيروس، قال لنا المستشفى إن هذا ليس من مسؤوليتهم”. كان من الواضح للشاب بأنه بذل جهوداً كبيرة لإخفاء سبب موت والدته من أجل عدم إثارة الذعر قبل الانتخابات. نائب وزير الصحة، إيراج حريرجي، الذي أصيب بالفيروس، وجه الانتقاد لسياسة الغموض والنفي. وعندما تم الإبلاغ عن خمسين حالة وفاة بسبب الفيروس، شك في العدد، وقال “أنا مستعد للاستقالة إذا كان ربع هذا العدد صحيحاً”.

إذا لم تكن العقوبات الأمريكية على إيران كافية، فإن كورونا آخذ في استكمال عزلها بعد إغلاق تركيا حدودها معها، وعدم السماح للإيرانيين بالهبوط في أراضيها. قطر أيضاً أمرت مواطنيها بمغادرة إيران ووضعت تحت تصرفهم طائرات لإعادتهم مباشرة إلى غرف العزل التي أقيمت بشكل خاص في مستشفيات الدولة. والضرر الأكثر شدة هو تقليص شراء النفط من الصين في أعقاب انخفاض شديد في حجم الإنتاج فيها. وبجين، الشريكة التجارية الأهم لطهران، قلصت شراء النفط الأجنبي بنحو 20 في المئة، إضافة إلى إغلاق موانئ دول الخليج أمام إيران، وانخفاض سعر الريال مقابل الدولار الأمريكي. ومن المتوقع أن تشوش حسابات ميزانية طهران.

سيكون لهذا تأثير على نسبة التضخم ونسبة البطالة التي يتوقع أن تصل رسمياً إلى 20 في المئة. ويضاف إلى ذلك الحصار الذي فرضه العراق، الشريك التجاري الأساسي لإيران للمنتوجات غير النفطية، على دخول الأشخاص والبضائع من الدولة الجارة.

إذا اضطرت حكومة طهران إلى الاستجابة لطلبات الجمهور، وبعد ذلك إغلاق مؤسسات التعليم، فستفرض حصاراً أيضاً على مراكز الشراء، وسيكون الضرر الاقتصادي أعلى بكثير، ويمكن أن يثير الاحتجاج مجدداً في الشوارع.

ويتوقع أن تكسب تركيا من الحصار والعزلة اللتين فرضتهما دول الخليج والعراق على إيران. تستعد أنقرة لأن تحل محل بجين في تسويق البضائع المستدامة لدول الخليج مثل الأثاث والمواد الغذائية والنسيج. حجم التجارة بين العراق وتركيا يبلغ 16 مليار دولار سنوياً. ويمكن أن يقفز بعشرات النسب. ومثله أيضاً التجارة مع قطر والكويت وعُمان. هذا شريطة أن لا تتحول تركيا نفسها إلى هدف جديد لفيروس كورونا الذي يتجاوزها حتى الآن.

مصر بدأت الآن تستعد لغزو الفيروس بعد اكتشاف حالة واحدة فيها. ولكن مثلما في إيران، فإن السلطات تفعل كل ما في استطاعتها لإخفاء حجم الإصابة. وزيرة الصحة في مصر، هالة زايد، أثارت موجة ردود مستخفة في الشبكات الاجتماعية بعد أن أوضحت بأن الفيروس لا يتوقع أن يصيب مصر لأنه متوطن في الصين وليس في مصر، وهي لا تنوي منع دخول الصينيين إلى مصر لأن منظمة الصحة العالمية لم توص بذلك. وقالت أيضاً إن الفيروس غير معدٍ.

صورة الوزيرة وهي ترتدي الكمامة بشكل غير صحيح، حيث لا تغطي أنفها، حولتها إلى مصدر للاستهزاء بسبب سلوكها.

بعد ذلك تبين أن العثور على حالة الإصابة بكورونا التي نسبتها الوزيرة إلى نجاعة الرقابة وحرص جهاز الصحة، تم من قبل سفارة الصين في القاهرة التي أبلغت وزارة الصحة المصرية عن مواطن وصل من الصين. يتبن تقارير عبر الشبكات الاجتماعية أن السلطات -رغم الادعاء بأنه لا يوجد فيروس كورونا في مصر- بدأت برش المواطنين الذين يصلون إلى المجمعات التجارية ومواقع الاستجمام بمواد تعقيم. وأن وسائل الإعلام المصرية طلب منها عدم المبالغة في تقاريرها عن الفيروس. ولكن الغضب في مصر هو من النقص الشديد في الكمامات ومن ارتفاع اسعارها بشكل كبير.

مواطن في مصر وضع حفاظة على وجهه، ونشر فيلماً قصيراً في تطبيق “توكتوك”، شرح فيه بأنه اضطر إلى استخدام الحفاظ لأن سعر الكمامة وصل إلى ستة دولارات.

مثلما في إيران، حولت مصر الفيروس وطريقة العلاج الإداري والطبي للفيروس إلى مركز للانتقاد العام والاحتجاج الذي يحرج نظام عبد الفتاح السيسي. وأمس، أبلغ وزراء الحكومة عن الوسائل التي اتخذت لمنع انتشار الفيروس. في حين أن رئيس الحكومة قال إنه لا توجد أي إصابة في مصر، ولكن “إذا تم اكتشاف إصابات فإن مصر مستعدة لأي سيناريو”. ومشكوك فيه إذا كانت هذه التقارير ستهدئ المواطنين الذين يركضون بين الصيدليات للحصول على كمامات الوجه، وبين المخابز التي توفر الخبز بسعر حكومي. وقد أصبحوا يعرفون جيداً معنى تعبير “مستعدون لأي سيناريو”. ومثلما كتب أحد المتصفحين “الأسوأ ما زال بانتظارنا، لكن قد يوافق فيروس كورونا على أن يصيب الحكومة أيضاً ويخلصنا منها”.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 28/2/2020

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى