كورونا: عاهل الأرض الجديد!
 د. باسم الزبيدي

شهران فقط احتاجها كورونا ليفقِد العالم سكونه وتوازنه، ليس فقط بآثاره الفظيعة التي تسللت الى شتى أوجه الحياة، وإنما أيضا بما أنتجه من فوضى في التحليلات والتقديرات بخصوص آثاره الحالية والمستقبلية، وما يمكن أن يبرُز من تغيرات سياسية واقتصادية وحياتية داخل الدول وفيما بينها. صحيح أن البشرية أبدعت طوال قرون في صناعة أدوات الموت بكل صنوفها، فطوّرت البنادق والصواريخ والقنابل “الذكية” والتحصينات والمخابئ، وكذلك الغواصات والمقاتلات النفاثة والقنابل الذرية، لكنها لم تصمِد بِثبات أمام فيروس كان الظن أنها تعرف عنه الكثير منذ أن اكتُشِفت عائلته (كورونا) في ستينيات القرن الماضي! البشرية اليوم ترى من حولها ركاماً مشوشاً من معطيات لم تراودها يوما حتى في أسوأ أحلامها، ما أثار كثيراً من الخوف والقلق والحيرة والشعور بالخذلان، خاصة بعد انكشاف حال البشرية واتضاح هشاشة الدول وأنظمتها وسياساتها وبُناها الإقتصادية وعلومها ومدنيتها، وبعد اتضاح حجم ما يمكن أن ينتظر الأجيال من مخاطر في الجوانب البيئية والاقتصادية والصحية والسياسية، خاصة في ظل التآكل المضطرد لقيم الخير والتسخيف المُريع لمفردات الحرية والعدالة، التي أضحت في أشد صور عدائها للكرامة الانسانية، ليس فقط في أنظمة الاستبداد الشمولي كالصين، وإنما أيضا في أنظمة الديمقراطية الليبرالية المنتشرة اليوم.

لقد جاء هذا الفايروس المباغِت ليذكّر البشرية بِنرجسيتها الفارغة ومدنيتها المثقوبة، وهو ربما بذلك يسعى الى ايقاظ ما تبقى لديها من ضمير، بعد أن أفقد غيابه هذا الكوكب الكثير من تناغمه وسِلْمهُ وتوازنه. صحيح أن الانسان أراد أن يحمي نفسه من نوائب الطبيعة، لكنه بالغّ بذلك، فجارَ عليها وقسى الى أبعد الحدود، ليجد نفسه يريد حمايتها من شروره. ان ما تنفُثُه اليوم البشرية من سموم أضحى قاتلا لدورة الحياة ذاتها، فتلويث البيئة صار ماحقا ليس للجنس البشري فقط، وانما أيضا لكامل النظام الايكولوجي. إننا لا نرى اليوم أية مؤشرات في أن هذا الخطر لن يتعاظم مع استمرار ما يسمى “بالتقدم” التقني والصناعي وال 5G، الذي سيُنتِج المزيد من تلويث الفضاء والبر والبحر، وسيُربك المناخ، ويعرض الحياة بمجملها الى خطر عظيم. فالمبيدات الكيماوية لا زالت تُفسد الارض، والانبعاثات الغازية تُتلِف طبقة الاوزون، وقطع أشجار الغابات يُبدّد أوكسجين الكوكب، ليُنهي كل ذلك حياة آلاف الانواع الحيوانية والنباتية.

هذا المشهد، هو الذي أحاط بالبشرية حين هاجمها كورونا على حين غرة، رغم أنه جاء مستتراً وسريع الخطى، ورغم أنه انتشر بأخطبوطية مُلفتة، الا أنه جاء مسلّحا بقيم الديمقراطية الثلاثة: الحرية والمساواة والتعددية. فقد ظهر أولا في وهان الصينية، لكنه سرعان ما انتشر بحرية تامة في كل الاتجاهات، ليصل طهران وميلانو وباريس ونيويورك ولندن، دون ان ينسى المرور برام الله وعمان، ولا زال يصول ويجول في مختلف المجتمعات والفئات العمرية بلا قيود، ودون استئذان أحد، وغير آبِهٍ بقوانين الهجرة وإجراءات البيومترك (أخذ البصمات) والمرور. كما ويرفض الخضوع لوزارات الداخلية وأجهزة الاستخبارات وأنظمة الرقابة الإلكترونية وبوابات التفتيش (حتى تلك المركونة في حاجز قلنديا). وإضافة الى عشقه للحرية، فهو أيضا يحترم المساواة، حيث لا يميّز بين شرق وغرب، وغني وفقير، وعربي وعجمي، كما لا يروق له التمييز بين نظام حكم ديمقراطي وآخر استبدادي، لأن شهيته للفتك بالجميع لا تمنحه بذخ التفرقة بين الناس، فجميع الامم كأسنان المشط متساوون. إضافة لذلك، فإن كورونا، فايروس تعددي تنويعي، نشأ في عائلة ممتدة ضمّت سارس وأخواته، ويؤمن بتنويع فرائسه، باستثناء الأطفال الذين يتركهم وشأنهم. عبر هذه الخِصال، ربما يريد كورونا ان يصفع الديمقراطيات الليبرالية ويُذكّرها بإفلاسها الاخلاقي والسياسي، وحثّها على ضرورة الربط بجدية بين الحرية والمساواة والتعددية لحماية كرامة الإنسان.

أمام جبروته، انتاب الجميع الهلع وفقدان التوازن، فالتزم الناس بيوتهم، وأُعلِنت الطوارئ وأطلقت نداءات الإغاثة والاستجداء، وأشهر الناس دفاعاتهم المتواضعة التي سرعان ما تهاوت أمام قسوته وعناده. أُغلقت الاسواق والمدارس والجامعات والمصانع والمطارات ومرافق الترفيه والعبادة، وأخليت الشوارع، وانكفأ الجميع في البيوت، وكفوا عن المصافحة والعناق والتخالط والتزاور، واستمروا بتحصين دفاعاتهم: عبوة مُعقِّم باليمين، ويسار لصد رذاذ عطاس نتمنى أن يكون من الصنف الحميد، وأقنعة تخفي نصف الوجه صنِعت ربما من ملابس قديمة أو من بطانات سلال القمامة، ومعاطف المطر القديمة (كما رَقَبَت الكاتبة الهندية أرونداتي روي). أما المشافي والعيادات فقد باغتها العاهل الجديد لتضيق بمرضاها ومراجعيها، كما ان الدول تحوّلت الى مارقة بعد أن تبخرت مدنيتها، فضاربت على بعضها بعضاً، ومارست قرصنة البحار والمطارات لتأمين معدات التنفس والأدوات الطبية. هذا كله بقصد الهرب من شر فايروس نجهل الكثير عنه وعن أجندته ومآلاته ووجهاته اللاحقة في قادم السنين.

ولكونه باطِشٌ مستبد، أو “مستجد” فلا فرق، صار كورونا عاهل الأرض بلا منازع، فهزم الكل من ساسة وسادة ومن عموم الناس، وأوقع بعضاً منهم أرضاً في لندن واتوا وكانبرا، وأضحى وحدهُ سيّد مشهد يشبه بصرامته يوم القيامة، مشهدٌ يلفّه صمت ثقيل ويطغى عليه خوف عظيم، لا يكسِره الا ايجاز صحفي توتيري لترامب أو آخر أكثر هدوءا لحاكم نيويورك أو للناطق باسم الحكومة الفلسطينية. الكل هادئ، ينتابه الذعر، ويترقّب تَحقّق المعجزات. وأمام هذه المشهدية تتلاشى الفوارق بين الناس فجلهم يُصبحون مرشدين في أصول التعقيم وعلوم الأوبئة وعلم الإحصاء، كما يتحوّلون الى أتقياء صالحين، يختصون بطلب الرحمة والمغفرة لاستعجال ما يمكن ان يتيسّر من مُعجزات.

أسئلة كثيرة يثيرها هذا المشهد، سواء حول عاهل الارض الجديد، من حيث ماهيته ونسقه وعلاقته بإخوته وأبناء عمومته من نفس العائلة، أو حول مسؤولية الانسان وعلاقته الضدية وغير السوية بنفسه وبالطبيعة، او حتى حول العلاقة الابدية بين الخير بالشر وموقع كورونا في تلك العلاقة. وبنفس النطاق، تثير تلك المشهديّة تساؤلات هامة حول السجية الأكثر دقة وبلاغة في تعبيرها عن الطبيعة البشرية، فهل هي ما رأيناه على شرفات المنازل لأهل ميلانو وهم يرقصون ويغنون ويعزفون الموسيقى لتسلية مُسنّيهم لإضفاء البهجة على مدينتهم وسط الحجر القسري، أو في مواصلة المُمرضات الفقيرات الليل بالنهار في روما ومدريد ونيويورك لإنقاذ المصابين وتعريض أنفسهن للخطر؟! أم ان السجية الأكثر دقة وبلاغة في تعبيرها عن الطبيعة البشرية هي ميل المسؤولين الى الكذب والتضليل والخداع، حفاظا على سلطة هنا أو تغليب لكسب انتخابي هناك (كما يفعل ترامب ونتانياهو) على حساب الصالح العام أيضا، أم هل نجد السجية الأكثر دقة وتعبيراً عن الطبيعة البشرية في الدعوة إلى سحب أجهزة التنفس عن الكبار لإنقاذ غيرهم، ورفض المشافي معالجة من ليس بحوزتهم بطاقات تأمين صحي؟؟

نعم خسائر كورونا عظيمة، لكن من المؤكد أن ما كان لها أن تكون كذلك، لو كانت الدول وحكوماتها أكثر جهوزية وشفافية وأهلية لتحمل المسؤولية تجاه من تدّعي تمثيلهم، كما انه ما كان للكلفة ان تكون باهظة الى هذا الحد، لو لم يكن هناك صراعات طاحنة على الثروات والسلطة والنفوذ. إذن، المسؤولون الحقيقيون عن كل جور ومصيبة ووباء، بما في ذلك كوفيد 19، هم البشر أنفسهم، سواء بما يفعلونه أو بما يتجنبون فعله. فيما يتعلق بما يفعلونه، فقد كانوا هم مَنْ أنشأوا أسواق الحيوانات الحية في الصين لاستعمالاتهم الغذائية أو للإقتناء المنزلي دون مراعاة لشروط الصحة العامة، علماً أن تلك الاسواق هي ذاتها التي كانت سابقا مصدرا لوباء “سارس” وانفلونزا الطيور. كما أن البشر هم مَنْ أهملوا تحذير طبيب وهان المبكر الذي أشار فيه الى بدايات الوباء، إضافة الى ان السلطات الصينية هي التي تأخرت في الكشف عن الفيروس ومكافحته، وكذلك أجهزة الاستخبارات والتجسس العالمية التي تقاعست وأخفقت في إستشعار هذا الفيروس بذات الكفاءة التي تُظهِرها في تتبع مشروع ايران النووي!

أمّا ما يتجنب البشر فعله (أو القلة المسيطرة) فهو كثير من القضايا، أذكر ثلاثة منها، أولا: إجتناب فرض وتطبيق اجراءات حمائية صارمة بشأن البيئة، خاصة ما يرتبط بالتلويث والاحتباس الحراري وذوبان ثلوج القطبين، الذي يؤدي الى ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، وبالتالي تهديد وربما اندثار مستوطنات بشرية كاملة مثل: سان فرانسسكو وديترويت في الولايات المتحدة، وايفانوفو في روسيا، والبندقية ونابولي في ايطاليا، وتومبكتو في مالي، وبانكوك في تايلاند، ومكسيكو سيتي، والاسكندرية. ثانيا: تفادي ترميم العلاقة بين الدول ومواطنيها (أي مسألة الحكم) للإبقاء على سلبيتها، كي لا يستطيع المواطنون أن لا يكونوا ما لا يريدون! المقصود هنا هو ابتعاد النخب الحاكمة عن تجذير جوهر الديمقراطية وغياب الرغبة في تطويرها لتصبح وجها آخر للكرامة الإنسانية، وما يستتبعه ذلك من تجاوز الفروقات المبالغ بها بين استبداد الديمقراطيات الليبرالية واستبداد نظام الحكم الشمولي كالذي نراه في الصين، خاصة وأن جائحة كورونا جاءت لتشير وبشكل واضح إلى صفرية العلاقة بين نوع نظام الحكم وفرص محاصرة الجائحة، فهناك دول غير شمولية كجنوب كوريا نجحت، كما أن هناك دول غير ديمقراطية كايران فشلت. ثالثا: تلافي إحداث تغيير جدّي في النظام العالمي، للإبقاء على حالته شبه الاقطاعية، التي تستنزف مقدرات البشرية لصالح صراع تحكمه مصالح ضيقة لحفنة من الناس وتسود فيه الحروب المدمرة (وربما النووية في المستقبل) والفوضى وغياب الاستقرار والفقر والمجاعة وانتشار الأوبئة والأمراض.

الآن، هل يمكن لهذا أن يتغيّر؟ إجابتي البسيطة نعم، لكن فقط عندما تتوفر للبشرية بكياناتها ومركباتها المختلفة رغبة حقة لتعديل المسار والإطاحة بـ “عاهل الأرض الجديد” وعائلته الممتدة، وذلك عبر إعمال واستنطاق مقولة ” لِكيْ تُؤمَر الطبيعة يجب أن تُطاع”، وبذلك فقط يتحقق خير العالمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى