كورونا…لمن الملك اليوم ، لله الواحد القهار
 نسرين حلس

وعلى حين غرة منا وبدون سابق إنذار، ظهر فيروس “كورونا”، فيروس لا يعرف عنه شيئا، من الصين أتي قادما كما يشاع, منطلقا نحو كل بقاع الأرض, قبلالقيام بمحاصرته بشكل محكم. إجتاح العالم بطريقة هستيرية سريعة مسببا للجميع الصدمة، الخوف والآلم لما سبب من خسائر في الأرواح, وقبل أن نستفيقمن الصدمة، انتشر بدون إعطاء وقت كافي للإستعداد له، تسلل بخبث غريب وبسرعة مذهلة…كيف تسلل بهذه السرعة؟….لا أحد يدري. الرعب يملاء العالممن الزائر الثقيل، المحمل بالمرض والموت لكل مكانا يدخله

ذلك الفيروس الشبح، ماذا فعل فينا, أثر فينا؟ بالتأكيد أثر فينا بشكل أو بآخر قلب موازين حياتنا رأسا على عقب, ظلاله الثقيلة غطت كل مجالات حياتنا  سواءالسياسية، الإجتماعيه، الإقتصادية، الدينيه، التعليمية والصحية حتى وصل لعاداتنا اليومية لم يترك مجالا إلا ووضع بصمته الثقيلة بداخله

أجبرنا على التغيير، نعم أجبرنا وهذه حقيقة، فرض نفسه علينا فرضا قاسيا، وأذعنا له بكل طواعيه فلا بديل عن ذلك إلا الموت. فرض علينا طرقا جديدةللتواصل الإنساني بعد فرضه علينا التباعد الإجتماعي مع من حولنا أفقدنا السلام النفسي والسكينه، وحل محله الخوف من الأسوء، وإنتظار فرج من الله. فيروسبلا رحمة كالمس الكهربائي إن مسك قتلك أو يكتب لك النجاة أنت وقدرك فلا ضمانات

آتي حاملا معه شعار المساواة غير مفرق بين أحد. الفقير والغني، القوي والضعيف، الخادم والمخدوم، الرجل والمرأة والصغير والكبير الكل متساو الكل تحت الخطر لا مناص. فأقوي دول العالم أمام طوفانه كما أضعف دولة الجميع يخشاه، قلم أظافر جميع الجيوش وكل الملوك، أطاح بعروشهم فلا أحد مصان، حتى التكنولوجيا المتقدمة والعلم عجزت عن إيجاد الحلول، الجميع يترقب بخوف متسائلا عن القادم…..فلا فرق …كلنا معرضون

حتى الأن الرؤيا ضبابية، الحلول غير متوفرة، الفيروس اللعين أثبت أننا لاشئ، أظهر لنا حقيقتنا الضعيفة، أحرجنا أمام آنفسنا. هزم العلم، وقهر العالم أجمع، وقف لنا بعصا غليظة ضاربا بعرض كل السبل لمحاربته، أصبحت النظافة شغلنا الشاغل فهي السبيل الوحيد المتبقي لنا للوقاية منه. حجرنا في بيوتنا، حول لقاءاتنا الجميلة لمجرد لقاءات وسلامات إلكترونيه عبر مواقع التواصل وغرف الدردشة. أجلسنا على الإنترنت لساعات طويلة إما للعمل، للدراسة أو الدرشة.قلب موازين حياتنا اليوميه ما هذا يا ا؟لله ……هل هو حلم أم أننا دخلنا نفق بداية النهاية؟

مع الأسف ما نعيشه اليوم، ليس حلما بل واقعا غريبا مؤلما، ملاء عقول الجميع بالتساؤات، أدخلنا دوامة التكهنات والإتهامات وأيقظ نظرية المؤامرة القابعة في عقول الكثيرين منا، على اعتبار أنها السيناريو الأقرب للحقيقة. ففي وقت يرى فيه كثير من المحللين بأن كورنا ما هو إلا فيروسا صنعته الصدفة البحته في الطبيعة، تزامن وجوده في الصين حيث طبيعة الأكل والبيئة المحيطة تشكل تربة خصبة لكل أنواع الفيروسات. شكك آخرون بتلك النظرية، مشددين على أنه فيروس صنعته يد الإنسان، تم تصنيعه داخل مختبرات في مدينه واهان الصينيه مستحضر من ترياق الخفافيش والثعابين تحضيرا للحرب الجرثوميه ولسوء الحظ في اللحظة الأخيرة خرج عن السيطرة البشرية منتشرا بين دول العالم…..سناريوهات كثيرة سمعنا عنها منها ما يصدق ومنها مالا يصدق…والحقيقة كل ما قيل مجرد خيالات وتكهنات لعدم وجود أدلة مادية ومعلومات كافية تؤكد مصداقيتها إذن ما الذي يحدث حولنا ؟ ما هي الحقيقة؟

قد يحمل لنا القادم حقائق كثيرة لا نتوقعها….في حين أن الوقت الحاضر يمنحنا حقيقة وحيدة ثابته في كل ما يحدث ” الله” فهو الشاهد على معرفة ما حدث.وأيا كانت الأسباب التي تقف خلف ما حصل إلا أنه أراد له أن يكون ويستمر لحكمة لا يعلمها إلا هو، فلا شئ يأتي من العبث وللعبث. من أصغر الشرر لأكبره، رغم كمية الضرر الواقعة على البشر إلا أن وجوده يعني شيئا مهما. ويكفي النظر فيما يحدث لنرى الدروس والعبر حولنا.

اليوم، هاهي كل العروش تتهاوي أمام فيروس صغير لا يرى بالعين، وهاهي الرؤس تتمايل فلا فرق بين أحد اليوم، كرونا قلب كل المقاييس، لا فرق بين عربي وعجمي أو بين مسلم، مسيحي، يهودي أو أي ديانة أخرى. لا الدين، لا الصحة، لا المال ولا  حتى السلطة تستطيع أن تعصم الإنسان من المرض الذي قد يصل حد الموت لا قدر الله. لا فرق اليوم بين قوة عظمى وبلاد بلا حول ولا قوة، كل الأسلحة الفتاكة والجيوش القوية بلا حول ولا قوة أمام كورونا…كورونا خلق عالم متوازي..عالم متساوي..عالم متعادل. كورونا جاء ليعلمنا الدرس الذي لا نريد استيعابه…كلنا متساون رغم الفروقات…كلنا أبناء هذه الأرض…وعلينا أن نتعايش كما نحن… أن نتعاون لأننا خلقنا على هذه الأرض كي نكمل بعضنا البعض

وبالتدقيق قليلا سنرى، كيف أن كوكب الأرض اليوم يشهد تلاحم كبير لمواجهة الفيروس لم نشهده من قبل. العالم يتكاتف لمواجهة الفيروس. الرعب والخوف يطال الجميع، ذلك التجبر الطاغي والغطرسة التي ملأت الكرة الأرضية، الموت والظلم، وسفك الدماء في كل مكان باسم الله والوطن، كان لابد من وقفة إنذار لكل ذلك من الله للبشر، كي يروا جزء صغير من آياته علهم يتعظون

وليس فحسب، فبالرغم من الشر الموجود في تلك المحنة، فلابد من نقطة خير صغيرة تقف من بعيد،  وها نحن نرى آية من آياته  تتجلى ففي ظل تفشيالفيروس، أظهرت دراسة حديثة بدأ تعافي طبقة الأوزون وإلتئام الثقب. والأوزون أحد أنواع الغازات الطبيعية الموجودة في الغلاف الجوي لحماية كوكب الأرض، المتسبب الرئيسي في التئام الثقب الموجود فيها، العزل والحجر الصحي ووقف جميع الأنشطة بر، بحرا وجوا. كما أظهرت النتائج أيضا تراجعا كبير لمستويات التلوث المنبعثة من غاز ثاني أكسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون، بسبب انخفاض النشاط الصناعي ورحلات السيارات ورحلات الطيران. وتعدالصين وايطاليا وأمريكا أكثر البلدان المستفيدة من ذلك، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل أدي انخفاض النشاط البشري إلى تجدد ملحوظ وسريع في الحياة الطبيعية في إيطاليا، ما سمح بعودة الأسماك إلى القنوات المائية في إيطاليا…مصائب قوم عند قوم فوائد

أما اجتماعيا، تسبب الإغلاق العام لعودة الحياة الطبيعيه للأسرة في المنزل، وأعاد الضجيج والحركة والحيوية للمنزل. بعدما وجد الجميع أنفسهم محجروين صحيا، ما أعاد للعائلة شملها، بعد سيطرت الحياة المادية على جميع أفراد الأسرة الذين يعملون ليل نهار. ولا يستثنى الأجداد من ذلك، فجلوس الأم والأب والأبناء في المنزل كان في صالح لم شمل الأسرة جميعها ولم يعد كبار السن يجلسون وحدهم في المنزل بل أصبحوا محط إهتمام الجميع خوفا عليهم وحبا لهم مدركين

، وأخيرا علينا أن نتذكر كورونا حول الإنسان الطاغي، لإنسان عاجز ما أعجزه، هو نفس الإنسان القاتل، الفاجر، السافك للدماء في الأمس يقف اليوم بكل قوته وأسلحته وجبروته عاجزا عن فعل شئ،  يتضرع لله عز وجل من فيروس لا يراه، بعد عجز العلم حتى الأن عن محاربته، كل الأبواب أغلقت ولم يبقى إلا بابه،بكل العلم الذي وصل له الإنسان، فلا يمكن أن يتحدى قدرة الله عز وجل في شئ أراد له أن يكون………………….……لمن الملك ليوم له الواحد القهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى