كورونا.. هل أصبح الدواء أخطر من الداء؟
وسام كيروز

بينما أغلق العالم بأسره أبوابه لصد ضيف خبيث هو فيروس كورونا، وفي خضم التعبئة لإقناع الناس بالبقاء في بيوتهم، بما في ذلك إقناع بائع الخضار المتجول في القاهرة أو نيودلهي الذي يأكل في المساء فقط ما جناه من البيع في النهار، يبرز سؤال مؤرق: هل بات الدواء أخطر من الداء؟

ليس البائع المصري وحده من يسأل السؤال، بل أيضا الجالس على أهم كرسي في العالم، دونالد ترمب. الداء هو الفيروس الذي يقتل بين 3 و4%؜ ممن يصيبهم، والدواء حتى الآن هو إغلاق محا حتى كتابة هذه السطور 32 ألف مليار دولار من قيمة الأسهم والأصول، أي أكثر من قيمة اقتصاد الولايات المتحدة.. إغلاق جعل عشرين ألف طائرة تهبط من الأجواء بخسائر بلغت 880 مليار دولار، وهو حجم اقتصاد السعودية تقريبا. إغلاق يهدد عشرات ملايين الوظائف وبكساد لم يشهده العالم منذ الكساد العظيم الذي انفجر العام 1929 وزال العام 1934. أما الدواء الحقيقي للمرض، فليس موجودا.. ها هم العلماء يجتهدون للبحث في فهرس العقاقير عن المعجزة، وأفضل ما وجدوه حتى الآن، وعود مبهمة ومثيرة للجدل يبعثها الكلوروكين، وهو دواء للمالاريا، اكتشف للمفارقة، العام 1934.

ترمب الآتي من “خارج العلبة”، يتجرأ مرة جديدة على الصدمة، حتى أمام كورونا.. هو الذي خطط لبناء جدار على طول الحدود مع المكسيك… لكن لو قدر لترمب أن يعود الى البيت الأبيض في نوفمبر 2020، فسيكون رئيسا حكم ولايتين في عالمين مختلفين. لا شك أنه لا يريد ولاية في عالم مختلف، ولو أنه خرج من معظم اتفاقيات ولايتي أوباما، ودافع بشراسة عن فكر القطع مع السابق – disruption – إلا أن التغيير الذي يلوح، يربك القوميين ودعاة العولمة، اليمينيين واليساريين، المحافظين والليبراليين، المتدينين والملحدين. لا نعرف أي عالم جديد يولد من رحم هذه الأيام.

أوروكسيت
وإذا تحدثنا عن التغيير، فإن العالم يتغير أكثر على الضفة الأخرى من الأطلسي.. في أوروبا، طبعا هناك مشاهد الذعر في المستشفيات، لكن ليس النظام الصحي الأفضل في العالم وحده الذي يترنح، بل الحلم الأوروبي الوحدوي… قبل أكثر من نصف قرن أزيلت الحدود بين الأوروبيين، اليوم لا يرى هؤلاء من حولهم إلا حدوداً.
في نهاية يناير، صفعت بريطانيا مشروع أوروبا بطلاق بريكست، وهو طلاق لم يكتمل على كل حال.. اليوم يبدو وكان أوروبا بأكملها تخرج من أوروبا. سمه “أوروكسيت”. انهار النموذج، وعود التضامن تبخرت. من مستشفيات لومبارديا المثقلة بالخذلان قبل الموت، صوت أبي الاتحاد الأوروبي روبرت شومان يُسمع خافتا جدا، هو الذي قال إن “أوروبا ستُبنى بالإنجازات الملموسة وأولها التضامن الحقيقي”. لم يشعر الإيطاليون بأي تضامن. تقوقعت أمم أوروبا. لم تذكر ميركل في خطاباتها شيئا عما يجب أن تقدمه لإيطاليا، ولا رئيس فرنسا الشاب الذي توج نفسه زعيما للمشروع الأوروبي أمام زحف اليمين المتشدد. نشرت شابة إيطالية رسالة صوتية على وسائل التواصل الاجتماعي قالت فيها “شكرا سيد ماكرون، شكراً سيدة ميركل، شكرا لأنكما تخليتما عنا عندما كنا بحاجة إليكما”.

من المستفيد؟ الصين على ما يبدو. الإيطاليون شاهدوا صناديق الكمامات ينزلها فريق صيني من طائرة إغاثة أرسلتها بكين. الصناديق مهرت بعبارة “عاشت إيطاليا”. صدق الناس مشاعر الصينيين. لكن في الواقع، ليس لدى النظام الصيني الكثير من المشاعر، إنما حس باقتناص فرصة. إنه زمن الفرص أيضا.

آثار حضارتنا
ومن هذه الفرص، واحدة متاحة لكل واحد منا. لعل المشهد الذي سيطبع أكثر من غيره هذه الصفحة الغريبة من التاريخ، هو صور المدن العظيمة فارغة. الساحات التي جعلها الناس مسرحا لتفاعلهم الحضاري، مقفرة.. ساحة الكونكورد في باريس أو ساحة تايم في نيويورك لا يهم، أو حتى شوارع الرياض أو دبي أو بيروت، كلها فارغة.. أمام هذا الفراغ ثمة فرصة نادرة للسفر في الزمن، فرصة لنرى كيف ستبدو مدننا من دوننا، أو ربما، لنرى آثار حضارتنا.

هذه الحضارة لم تنته بالتأكيد. العالم سيتعافى ويزدهر، لكن في لحظة السكون هذه، نتوقف لبرهة لنرى أمام أعيننا ما نتركه للتاريخ، سطرنا في الكتاب الكبير. هل هي جميلة آثارنا؟ على الأرجح، لكن لعلنا نُصلح المشوه منها، لتُصبح أجمل.. ليس المدن فحسب، إنما قوانيننا، نظمنا السياسية، عولمتنا المريضة، وإيماننا بقدرة الإنسان، وبقيمته.

ترياق العبثية
تخيل الكتاب والمستشرفون في الأعوام الأخيرة، وفي شكل مفرط، كيف سيكون مستقبل الإنسان. توقع كثيرون، وكاتب هذه السطور واحد منهم، كيف سيغزو الذكاء الاصطناعي الحال الإنسانية برمتها، كيف ستتسرب الآلة إلى الإنسان والإنسان إلى الآلة، وكيف ستصنع الطابعات الثلاثية الأبعاد بديلا عن أعضائنا المعطوبة، فنعيش ربما يوما ما إلى الأبد. كل ذلك يبدو وهما، على الأقل في هذه اللحظة، فمعركة الإنسان هي نفسها، مع حدوده وهشاشة وجوده، هو الذي يسبر أعماق الفضاء بالتيليسكوب حينا وبالقصائد أحيانا، هو الذي يبني العوالم بالخوارزميات والسمفونيات، هو ذاته، يموت. يقتله تآكل الخلايا، وتقتله أيضا الفيروسات. هناك مليون نوع من الفيروسات في الطبيعة، تعرف الإنسان على أربع مئة منها تقريبا فقط.

تأتي الأوبئة دائما، تظهر بشيء من العبثية، وأحيانا تختفي أيضاً بشيء من العبثية. فيروس سارس الذي أرعب العالم في ٢2002 و2003، اختفى في شكل غريب بحسب الكثير من العلماء. هكذا هي الطبيعة. وحتى نظريات المؤامرة التي نهواها، فيها شيء من الترياق للعبثية، نجعل أنفسنا نؤمن بأن جهة ما أطلقت الفيروس لغرض ما. ليس هناك جهة ما ولا غرض ما. هكذا هي الطبيعة، وهذه هي حدود الإنسان. فهل بات الدواء أخطر من الداء؟ الأكيد أن في حضارتنا المتأملة اليوم، ما يدفع للإيمان، نظريا على الأقل، بأن الإنسان هو أقوى من الداء وأغلى من الدواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى