كورونا يقضي على هوس أردوغان بالنمو الاقتصادي
بول إيدن

يثير الانتشار السريع لفيروس كوفيد-19 المعروف باسم فيروس كورونا المستجد في تركيا التساؤل حول مدى تأثير الجائحة على البلاد واقتصادها. ثمة انقسام في آراء المحللين فيما يبدو.

كانت تركيا آخر اقتصاد كبير في العالم يسجل أول حالة إصابة بالفيروس شديد العدوى في الحادي عشر من مارس. وكانت أيضاً الدولة الوحيدة التي يزيد عدد سكانها عن 50 مليون نسمة ولم تؤكد حالة إصابة واحدة حتى ذلك التاريخ.

ومنذ ذلك الحين، انتشرت العدوى بسرعة في جميع أنحاء البلاد، إذ جرى تسجيل 3629 حالة إصابة مؤكدة و75 حالة وفاة حتى السادس والعشرين من مارس. هذا يُربك خطط الحكومة لتحقيق نمو اقتصادي بنسبة خمسة في المئة هذا العام وقد انخفضت الليرة بشكل حاد مما يُذكرنا بأزمة العملة التي اندلعت في 2018.

ومثل معظم البلدان الأخرى، تقوم تركيا بإغلاق الأماكن العامة وتدعو الناس إلى البقاء في منازلهم للحد من انتشار فيروس كورونا. لكن على الرغم من حزمة الإنقاذ الحكومية التي بلغت 100 مليار ليرة (15 مليار دولار)، فإن المصانع ستغلق أيضاً بشكل حتمي، مما يثير شبح التباطؤ الاقتصادي الحاد وتراجع الإيرادات التي تشتد الحاجة إليها من الصادرات.

يقول تيموثي آش، كبير المحللين الاستراتيجيين للأسواق الناشئة لدى بلو باي لإدارة الأصول في لندن والخبير المخضرم في شؤون تركيا، إن العواقب الاقتصادية على تركيا تعتمد بشكل كبير على مدة استمرار الفيروس والإجراءات المصاحبة لمنع انتشاره.

وكما هو الحال مع معظم الاقتصادات حول العالم، سيؤثر فيروس كورونا على الأرجح بشكل كبير على الاقتصاد التركي.

كما ستتضرر بشدة بلا شك صناعة السياحة، التي تدر ما يقرب من 30 مليار دولار من المبيعات وإيرادات العملات الأجنبية للبلاد. ولكن، في سيناريو متفائل، يمكن أن ينتعش قطاع السياحة إذا تمت السيطرة على الفيروس بحلول بداية موسم الصيف المهم في يونيو.

وقال آش إنه في حين من المقرر أن تعاني تركيا – فقد أدت أزمة العملة منذ عامين بالفعل إلى ارتفاع البطالة وانخفاض قيمة الليرة – إلا أن البلاد تتمتع أيضاً بمزايا ملحوظة قد تساعدها على تجاوز العاصفة.

تستورد تركيا تقريباً كل موارد الطاقة التي تستهلكها. وفي حين أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد التكاليف بالنسبة للدولة، فعندما تنخفض الأسعار، فإن تركيا تجني الأرباح، على عكس منتجي النفط والغاز مثل روسيا.

وقال آش “إن انخفاض أسعار النفط يساعد حقاً، لأن تركيا مستورد ضخم للطاقة … إن انخفاض أسعار النفط بمقدار 30 دولاراً قد يوفر 12 مليار دولار من واردات الطاقة التي قد تغطي عائدات السياحة المفقودة”.

وتابع آش قائلاً إن تركيا، على عكس العديد من الأسواق الناشئة الأخرى، لديها أيضاً مجال للاقتراض ومن ثم زيادة الإنفاق.

وقال “تركيا لديها بعض المساحة المالية للمناورة مع دين القطاع العام إلى نسبة الناتج المحلي الإجمالي فقط عند 30 في المئة، وهو نصف متوسط الأسواق الناشئة”.

علاوة على ذلك، قال آش إن الحكومة التركية “لا ترفض طرح وسائل لتحفيز النمو، وعادة ما يكون الاقتصاد سريع الاستجابة”.

لكن الوضع الاقتصادي الحالي لم يسبق له مثيل بالنسبة لتركيا. ويلعب الوقت عنصراً جوهرياً، ويقول بعض الاقتصاديين إن الحكومة لم تدرك الحقيقة بعد.

تشعر جلدم أتاباي، الخبيرة الاقتصادية البارزة المقيمة في تركيا وكاتبة العمود في موقع (أحوال تركية)، بالتشاؤم إزاء التوقعات الاقتصادية حيث يتباطأ الإنتاج والطلب الاستهلاكي بسرعة.

وقالت إنها لا تستطيع أن تتذكر “حالة مماثلة خاصة بتركيا من حيث التوقف المفاجئ المرتبط بالوباء من جانب الطلب والإنتاج في آن واحد”.

وقالت أتاباي “في الحالات السابقة عندما انكمش الاقتصاد التركي، كان ذلك بسبب صدمة خارجية مثل الأزمة المالية العالمية لعام 2008، والتي تجاوزتها تركيا بشكل جيد لأنها كانت خرجت لتوها من برنامج لصندوق النقد الدولي والتوازن المالي، وقد كانت السياسة النقدية في أفضل أحوالها”.

وتابعت قائلة إن حالات الانكماش الاقتصادية الأخرى، مثل تلك التي حدثت في عامي 2001 و1994، كانت محلية ونتجت عن سوء الإدارة الاقتصادية والسياسية.

وقالت أتاباي “أعتقد أن ما تمر به تركيا لا يمكن مقارنته، كما هو الحال بالنسبة لجميع دول العالم … بالنظر إلى تغيير النظام السياسي والطريقة المركزية التي يدار بها كل شيء من القضاء إلى الاقتصاد، فإن ذلك سيجعل الصدمة الاقتصادية الحالية أكثر استمراراً في رأيي”.

وأضافت أتاباي أن هوس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخزانة والمالية بيرات البيرق بالحفاظ على النمو الاقتصادي يشير إلى أنهما منفصلان عن الواقع الرهيب لما يحدث في العالم اليوم.

وأردفت أتاباي قائلة “إنهم ما زالوا يحاولون تحفيز الطلب من خلال التأجيلات الضريبية والإعانات الموجهة للاستهلاك … ومع ذلك، تفتقر الأسر إلى الدخل الأساسي الذي تحتاجه للاستهلاك، ولا يوجد مخطط دعم عقلاني لمنع ذلك”.

علاوة على ذلك، قام حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان بإنفاق الإيرادات بالفعل بتهور في محاولته للتخفيف من آثار أزمة العملة في أغسطس 2018، عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا لاعتقالها القس الأميركي أندرو برانسون بتهم الإرهاب.

كانت تكلفة تحقيق نمو الناتج المحلي الإجمالي في البلاد بنسبة ستة في المئة في الربع الأخير من العام الماضي باهظة. انتهت الميزانية بعجز يصل إلى أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ونتيجة لذلك، يقول بعض المحللين إن تحفيز النمو الاقتصادي الإيجابي، كما كانت أنقرة على وشك القيام به طوال هذا العام، لم يعد ممكناً.

وقالت أتاباي “الآن بعد أن اختلف العالم اقتصادياً بعد الإغلاق بسبب فيروس كورونا، فإن حزب العدالة والتنمية يحتاج إلى المزيد من الموارد لإنفاقها والتي لم تكن لديه ببساطة لأنه استغلها خلال السنوات الثلاث الماضية”.

وبالتالي، من المقرر أن ينكمش الاقتصاد التركي هذا العام، حسبما ذكرت أتاباي.

وفي حين أن بعض شركات قطاع الصحة، القادرة على صنع أجهزة التنفس الصناعي والأقنعة التي تشتد الحاجة إليها لمساعدة ضحايا فيروس كورونا، يمكن أن تستفيد من الدعم الحكومي، فإن العديد من الشركات الأخرى قد تفلس إذا استمر الإغلاق بعد الربع الثاني.

وستتفاقم الصعوبات الاقتصادية التي واجهتها تركيا منذ 2018 بسبب أحداث هذا العام. وسترتفع البطالة وستكون لها نتائج سياسية حتمية.

علاوة على ذلك، قالت أتاباي إن الاقتصاد التركي لا يثبت أنه قادر على تحمل الوباء حتى على المدى القصير لأن الحكومة تفتقر إلى الموارد لدعم أضعف شرائح المجتمع وهو مطلب حاسم في التعامل مع هذه الأزمة بالذات.

ومن ثم يحاول أردوغان منع حدوث إغلاق واسع النطاق على مستوى البلاد من النوع الذي بدأت الدول الأخرى في تنفيذه.

وتتوقع أتاباي أن الوضع إذا استدعى حتى الإغلاق الجزئي للشركات في الأشهر القليلة المقبلة، فإن “نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سيغرق أكثر في نطاق الانكماش”.

علاوة على ذلك، حتى لو لم يحدث تفشي فيروس كورونا، فمن المرجح أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي لتركيا، وربما يصبح سلبياً في الربع الرابع من هذا العام، وفقاً لما ذكرته أتاباي.

وقالت “الآن في ظل تفشي الفيروس وآثاره، سيتحقق النمو السلبي في الأرباع الثلاثة المقبلة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق