كوسموبولتية[1] الحوكمة والنظام الماليّ فائق الليبراليّة
صلاح الدين مسلم

صلاح الدين مسلم

تمهيد عن الكوسموبولوتية الرأسماليّة

ما يميّز الطبيعة هو الاختلاف والتنوّع، وهذا ما منحها جمالية ورونقاً وحياة وديمومة، وكانت المجتمعات البشريّة على أنواعها تعتمد هذا المبدأ الطبيعيّ في كينونتها، لكنّ الرأسماليّة والنظام العالمي الجديد باتا يبحثان عن حلول قولبيّة للمجتمعات، فخلقوا القوميات، وقولبوا الجغرافيات حسب اللغات السائدة، فسادت أثنيات وطمست أخرى، والآن يبحثون عن حلّ لعولمة الفكر وجعله موحّداً ضمن نمط اختزالي، في نوع واحد للإدارة، ونوع واحد للقيادة، ونوع واحد للقيم، فاندثرت تلك القيم، وباتت ضمن أطر يحدّدها النظام العالميّ الجديد.

تكمن الكوسموبولتية الجديدة ؛ (السياسة الكونيّة الجديدة) للرأسمالية في خلق شبكة معقّدة من الشركات العابرة للقارّات، وفي الروابط العابرة للقوميّات، والمنظمات العابرة للدول (ترسناسيونال) إذْ يرى أولريش بيك بديلاً عن الأفكار السابقة التي طرحت في القرن العشرين فيقول: “يربط المنظور الكوسموبوليتي احترام كرامة من تعتبر ثقافتهم ثقافة أخرى مع قلق كلّ فرد بالحفاظ على بقائه. بعبارات أخرى، إنّ الكوسموبوليتية هي الفكرة المستقبلية الكبرى التي ستحلّ مكان الأفكار التي طالما استخدمت في التاريخ، مثل القوميّة والشيوعيّة والاشتراكية المحدّثة، وقد يجوز أن تجعل هذه الفكرة ما لم تجرِ تجربته ممكناً، أي أنّها قد تتيح للإنسانيّة أن تستمر بالبقاء في القرن الواحد والعشرين دون أن تقع مجدداً في البربرية[2]” مازال أولريش بيك مقتنعاً بأنّ الحلّ يكمن في طرح الرأسمالية أفكاراً جديدة بديلة تكون هي الحلّ، وأنّ الحلّ يكمن في النظام، مع أنّ هذا النظام هو المعضلة بحدّ ذاته، وهذه مشكلة المفكّرين في عدم الابتعاد عن الفلك الذي يرسمه النظام من أفكار، إذْ لا تخدم الكوسموبوليتية برأيي إلّا النظام الرأسماليّ، لكن يمكننا أن نستفيد من هذه الأطروحات في كيفية التعايش معها.

 

الرأسماليّة والمحاسبة

لقد تغيّر في القرن الواحد والعشرين مفهوم الثقافة، وأضحتِ المحاسبة وإدارة المؤسّسة الربحيّة هي الثقافة الوحيدة، وهذا ما يوضّحه الكاتب آلان دونو في كتابه (نظام التفاهة) بطريقة ساخرة مؤلمة عن واقع الحال: “ضع كتبك المعقّدة جانباً، فكتب المحاسبة صارت الآن أكثر فائدة. لا تكن فخوراً، ولا روحانيّاً، ولا مرتاحاً، لأنّ هذا يمكن أن يظهرك بمظهر المغرور. خفّف من شغفك، لأنّه مخيف. وقبل كلّ شيء، لا تُقدّم لنا (فكرة جيدة) من فضلك، فآلة إتلاف الورق ملأى بها سلفاً. هذه النظرة الثاقبة في عينيك مقلقة: وسّع حدقتَي عينيك، وأرخِ شفتَيك. ينبغي أن تكون للمرء أفكارٌ رخوة، وينبغي أن يُظهر ذلك. عندما تتحدّث عن نفسك، قلّلْ من إحساسك بذاتك إلى شيء لا معنى له: يجب أن نكون قادرين على تصنيفك. لقد تغيّر الزمان…. لقد تبوّأ التافهون موقع السلطة.[3]”

وقد أورد الروائي فلوبير مقطعاً يصف فيه النظام الرأسماليّ بطريقة شعريّة:

–          آهٍ أيّتها التفاهة المنتنة

–          الشعر النفعيّ

–          أدب البيادق

–          الثرثرة الجماليّة

–          القيء الاقتصاديّ؛ المنتَج المقزّز لأمّة مستهلكة

–          إنّني أكرهك بجميع قواي الروحيّة!

–          إنّك مثل الغرغرينا

–          بل أنت ضمورٌ عضويٌ!

–          إنّك لست بالغرغرينا ـ بل أنت ضمور عضويّ!

–          إنّك لست بالاتهاب الساخن للأزمنة المحمومة

–          بل أنت الخُرّاج البارد ذو الأطراف الباهتة، الذي يقطر كما النبع الذي يجد مصدره في تجويف تسوّس عميق![4]”

 

النظام الماليّ فائق الليبراليّة

يمكننا اختزال هذا النظام العالميّ الجديد بمصطلح (ULTRA LIBERAL FINANCIAL SYSTEM) أي (النظام الماليّ فائق الليبراليّة) وهو المصطلح الأدقّ برأيي، إذْ تعدّ (الليبراليّة) أو (النيوليبراليّةُ) الأيديولوجيّةَ المركزيّة للحداثة الرأسماليّة، فهي الدين والوثن غير الرسميّ لها، وتعرضها أمام الناس على أنّها العلميّة أو الوضعيّة، والدعايّة الإعلاميّة لها على أنّها الخلاص، وتهدفُ إلى الحرّيّة الفردية، وترسّخ مبدأ الفردانيّة وتعتبرها الدواء الناجع لكلّ الحلول في كلّ الأزمنة، فهي ماء الحياة، والحياة حياة الليبراليّة فحسْب، بل وصلت مرحلة بدأت ترى في نفسها أنّها نهاية التاريخ.

إنّ الليبراليّة تعدّ قمّة الانغلاق على التاريخ والثقافة والتراث، بل هي الدوغمائيّة نفسها، إذْ تحوّل الدولة القوميّة إلى وثنٍ وإله يُعبَد، فكلّ هذا الكمّ الهائل من الطغاة المتجبّرين هم من لدن الدولة القوميّة إحدى أركان الحداثة الرأسماليّة.

تعتمد النيوليبراليّة على تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات، الطبقة العليا التي تعيش على هامش المجتمع وهي العالة عليه، وهي التي تكدّس المال، وتحتكر كلّ شيء، وتمثّل 5% من المجتمع، والطبقة الوسطى التي تعتبر جنود الدولة في الدفاع عن ماهيّتها والتسويق لها على أنّها الحلّ النهائيّ، والطبقة الدنيا التي تشكّل غالبيّة المجتمع والتي تُخدَّر بمعيّة الطبقة الوسطى المُخدَّرة بالأساس، وما المثقّفون إلّا أداة بيدهم، فهم يناضلون بأقلامهم في سبيل ترسيخ هذا الجوّ الذي يعدّ الملاذ الذي لا ملاذ سواه، أمّا الطبقة الدنيا التي خرجوا من رحمها، فلا يهتمّون بها البتّة؛ من خلال الحريّة الفرديّة التي يسعَون إليها.

إنّ طرح البديل لهذه الليبراليّة السلطويّة الطبقيّة بشكل واضح من مهام المجتمع المتحرّر، فهذه المصطلحات حول السلطة والإدارة والديمقراطيّة والدولة والمجتمع ورأس المال والاقتصاد… بحاجة إلى توضيح وبذل الجهود في المحاورات بين أفراد المجتمع ليتضح أي مفهوم جديد تخلقه الرأسماليّة.

ما يزال المجتمع الغربيّ والشرقيّ عن طريق المستشرقين يعيشون تحت نير المعلوماتيّة الليبراليّة، وينظرون إليها على أنّها الفردوس المفقود، حيث يرون السعادة في ناطحات السحاب التي تجنّد المجتمع في خدمة طبقة قليلة جدّاً، تريد أن تعيش عالة على كدح المجتمع، وتريد أن تسيطر على فائض الإنتاج، على حساب الكادح الذي لولاه لما شيدتْ أسوار هذه المدن الطفيليّة التي تقتات على القرى الإيكولوجيّة.

إنّ لبرلة الذهنيّة الشرقيّة وفق منهجيّة واضحة؛ تكمن في تذئيب أيّة عملية نهضويّة إصلاحية كانت أم ثوريّة وتحويلها إلى سلطة، وتحويل المجتمع من جديد إلى خرفان يساقون إلى حتفهم، فهدف الليبراليّة يكمن في جعل 1% من المجتمع إلى ذئاب، وتحويل المجتمع إلى قطيع يساق نحو هاوية الانقياد، فالليبراليّة دين من لا دين له، وعقيدة من لا عقيدة له، ومنهج من لا منهج له.

لم تتوقّف أذرع الليبراليّة عن التسلّل إلى الذهنيّة المجتمعيّة، من خلال الإعلام، والثقافة والفنّ والرياضة وكلّ ما لا يخطر ببال الفرد، مهما تعلّم في جامعات هذا النظام العالمي الجديد أو ما يعدّ (النسق العالمي الحديث) فلا بديل إلّا السلطة والدولة في مخيّلتهم. “فالنسق العالمي الحديث القائم، في جزء من هذا الكوكب على الأقلّ منذ القرن السادس عشر الطويل، هو اقتصاد عالميّ رأسماليّ. ويعني ذلك عدّة أمور. فالنظام يكون رأسماليّاً إذا كانت الدينامية الأساسيّة للنشاط الاجتماعيّ قائمة على التراكم اللامتناهي لرأس المال.[5]” ا شيء يزحزح هذا النظام وروّاده عن مكانه، فروح الربح المضاعف واللانهائيّ جعل هذا النظام مجنوناً، وبات الربح قيمة، بل إلهاً يُعبَد.

لقد كانت سياسة اللا حلّ تجدي نفعاً في هذا النظام الماليّ فائق الليبراليّة، ويبدو أنّها تستفيد من هذه السياسة، فلقد ظلّت هذه السياسة كموجودة منذ نشوء الرأسماليّة أي في القرنين السابقَين، فعندما تكون الحروب يكون الاحتكار، والنظام الرأسماليّ يرى الاحتكار مبرّراً لوجوده، وبالتالي باتت لغة “اهرُبْ يا أرنب، أمسِكْ به يا كلب الصيد” هي اللغة الوحيدة في التعامل مع دول الشرق الأوسط، لذلك اضطرّ قادة النظام الرأسماليّ إلى إعادة إنتاج نظام الفوضى واللا حلّ.

إنّ تطبيق سياسة أسلوب “اهرب يا أرنب، أمسك به يا كلب الصيد” هو أسلوب الهيمنة، وبدأ القرن الواحد والعشرين بتطبيق فجّ لهذا الأسلوب، سواء بين الشيعة والسنّة، أو بين الكرد والأتراك، أو المسلمين والمسيحيين… فسيخرّ الأرنبُ وكلبُ الصيدِ مُنهَكَين في هذه المطاردة السيزيفيّة عديمة الجدوى، سوى أن يستنفذ الشرق الأوسط قواه ولا يعود إلى الساحة قويّاً يقود العالم، وتنطلق منه الحضارات كما كان، ومن جهة أخرى وهي المهمّة في هذا الصراع هو الاستفادة من الطرفَين المتنازعَين. “فمنذ الثورة الفرنسية أصبح لكلّ دولة (مواطنون) وليس (رعايا)، وللمواطنين حقوق، فهم مشاركون على قدم المساواة في اتّخاذ القرارات السياسية في دولهم. إلّا أنّه، منذ إطلاق المفهوم، حاولت الدول دون استثناء، أن تحدّ وبشدّة من تنفيذ المفهوم في الواقع؛ ومن الطرق التي تمّ بها ذلك إطلاق النظام العالمي سلسلة كاملة من المقابلات الثنائيّة وإعطائها أهمّيّة سياسيّة وصلت إلى درجة غير مسبوقة؛ (الطبقة الوسطى البرجوازيّة مقابل طبقة البروليتارية، الرجل مقابل المرأة، الأبيض مقابل الأسود (أو الشخص الملوّن بشكل عام)، الشخص المعيل مقابل ربّة المنزل، العامل المنتج مقابل الشخص غير المنتج، المستقيم جنسيّاً مقابل الشاذ جنسيّاً، المتعلّمون مقابل الرعاع، المواطن الصالح مقابل المجرم، الإنسان الطبيعيّ مقابل غير الطبيعيّ ذهنيّاً، البالغ قانوناً مقابل القاصر، المتحضّر مقابل غير المتحضّر) والقائمة تطول[6].”

السيطرة من خلال الحوكمة

الحوكمة (governance) هو أسلوب ممارسة الإدارة الرشيدة للقطّاع الرأسماليّ في المؤسّسات، وذلك لتكون قانوناً يحلّ محلّ الأخلاق في المؤسسة التجاريّة أو الصناعية، وذلك بعد غياب الأيديولوجيّات الأخلاقيّة، أو بعد فقدان القيم الاجتماعيّة والإنسانيّة والقوميّة والذاتيّة، فقد جهدت النيوليبراليّة لاستئصال كلّ القيم، والتركيز على الفرد، وتعزيز الرأسمال المالي، فباتت تستخدم كلّ السبل لاستمرار العمل، والقدرة على المنافسة، وعدم الانهيار أمام تغييرات العملات العالمية، والحفاظ على حقوق أصحاب المصالح؛ المساهمون، والدائنون، والمستهلكون، والموردون، والقوى العاملة بكافة المناصب العُليا والدنيا، حتّى وصلت إلى ما يشمل كلّ الأفراد والدولة والمجتمع.

لقد ارتكزت الحوكمة على الرقابة القويّة، والانضباط الحازم، والإرشاد الدائم، والسيطرة، ووضع قوانين تتكفّل استمرار العمل وعدم ظهور الفساد لأنّه يقلّل من الإنتاج، فنظرة الحوكمة ‘لى الفساد ليست نظرة أخلاقيّة، بل نظرة عائق أمام تكديس المال وفائض الإنتاج، فهدف الحوكمة الرئيس هو تنظيم العلاقة بين الإدارة التنفيذية لأي مؤسّسة ربحيّة ومجلس الإدارة وبين حملة الأسهم وأصحاب المصالح المرتبطين بالمنظمة، ومن هنا ظهر مفهوم الحوكمة ليصل إلى تعويم هذا المصطلح ليشمل مجال الحياة كافّة، بما فيها الإدارات البعيدة عن سلطة الدولة، أو المجتمعات التي خرجت من سلطة الدولة، لتكون بديلاً عن الدولة، وتدخل في مجال العولمة الاقتصاديّة، وتدخل ضمن النظام العالميّ الجديد.

تحتاج الحوكمة دائماً إلى وضع آليات لتتمكّن من السيطرة على كلّ المفاصل المالية والإدارية في المؤسسة أو الشركة أو مهما كانت منشأة الخاصة، فالمبدأ الأساسيّ للحوكمة هو الحصول على المعلومات كافّة، والإلمام بكلّ شيء، وألّا يخفى عنها شيء، لتستطيع التغلب على الانحراف والفساد, فلذلك تعتبر الشفافية قانونها الرئيسيّ، فيجب أن يعرف الصادر والوارد، فلا يجب أن يكون هناك فراغ، وإن حصل هذا الفراغ فهو دليل على ابتعاد المؤسسة من التابو المقدّس الجديد ألاا وهو الحوكمة،  فالمساءلة هي الجوهر في هذا المجال، فيجب أن تعمل المؤسسات على مبدأ المحاسبة الدائمة والمساءلة، من خلال المرونة لئلا تلجأ المجتمعات إلى الثورات، والتوجيه المستمرّ الفعّال لأنّ المجتمع بات فاقداً للقيمة المعنوية، والرقابة دائماً فلا ثقة أبداً بأحد.

إنّ الحوكمة هي بديل عن الدور التقليدي للدولة في التدخّل في الأمور الرأسمالية (الشركات والمصانع والمنظمات…) وقد أصبحت الدولة الغربية هشّة في هذا القرن بعد عولمة الرأسمالية الماليّة، فباتت الحاجّة إلى نظام بديل عن الدولة، بهدف ازدياد مشاركة القطاع الخاص في عملية فائض الإنتاج، ولتستطيع الشركات أن تتخذ قراراتها الدولتية بعيداً عن نظرة الدولة الخارجيّة، فالعلاقات الخارجية للدول قد تتضارب أحياناً مع مصالح الشركات ذات المردود الماليّ، وكذلك صنع القرار الذي قد يتضارب مع مصالح الدولة في نظرتها للداخل، فلذلك تنتهج مبدأ فصل السلطات والتعددية السياسية.

مبادئ الحوكمة هي الشفافية والمسؤولية والمساءلة والعدالة وسيادة القانون والنزاهة والمرونة والانضباط من خلال اتّباع السلوك الأخلاقي المناسب, والمسؤولية الاجتماعية، وهذا يدلّ على أنّ الحداثة الرأسمالية تعود دائماً إلى المجتمع، لأنّها لا تستطيع أن تقوى إلّا على حسابه، وبما أنّها تسلبه القيم ليكون المجتمع فرداً فعّالاً منتجاً ومستهلكاً في الآن عينه، فبالتالي يجب أن تبحث عن آلية جديدة دائما وأبداً لهندسته من جديد، بعد أن يثور المجتمع على كلّ نظام احتكاريّ،

ويؤكّد د. آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة” على هذا الأمر إذ يقول: “لقد تمّ استبدال مفاهيم (الإرادة الشعبيّة) و(الناشطون السياسيّون) و(المواطن) و(المريض) بمفاهيم (المقبولية المجتمعيّة) و(اللوبيات) و(الشريك) و(المريض) تباعاً.

وشيئاً فشيئاً، تحوّل الاهتمام بالصالح العام من شأن سياسيّ قيمي إلى مجرّد إدارة عمليّة، فخلا العمل العام من منظومات الأخلاق والمفاهيم والمثل العليا والمواطنة والالتزام، وصار الهمّ العام هو الخصخصة وتحويل المشروعات العامّة إلى القطّاع العام، بهاجس تحقيق الربح فقط، وكأنّ الدولة محض شركة تجاريّة.

يبدو لي أنّ محاولات العالم للالتفاف على القيمة والاستعاضة عنها بالحوكمة ليست مجدية. ولكن البشريّة لا تتعلّم إلّا بالطرق الصعبة[7]”

هذا النظام العالميّ الجديد له همّ واحد وهو زرع الفساد، فكلّ من يشتبك مع هذا السوبرمان سيكون فاسداً بالنتيجة، واحتكار المعلومة، وهمّه الوحيد الحصول على المعلومات، ويعرف كلّ شيء عن الفرد والجماعة، فالبحث عن المعلومات يتمّ من خلال هذه الشابكة، ولكنّها لا تكفي، فهذا النظام يريد أن يعرف أوّلاً وأخيراً كيف تنفق أموالك؟ وأين؟ وما هو الصادر وما هو الوارد؟

فلذلك يطالب المجتمعات البعيدة عن النظام أن تكون شفافة، وغير فاسدة، فكيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟ عبر اعتبارات الحوكمة التي تؤكّد على الشفافية والوضوح والإفصاح والإعلان والتدفّق الحرّ للمعلومات، والاعتبارات المحاسبيّة.

تلجأ نظم الحوكمة إلى دورات التنمية البشرية، ودورات تكوير الذات وصنع القادة، والبرمجة اللغويّة العصبيّة، وبات سوقاً لترويج أيديولوجيّة العمل وفنّ السيطرة، والإنتاج، وذلك لتحقيق مهمّتين رئيسيين؛ الأوّل هو زيادة الإنتاج، والثاني البديل عن القيمة المفتقدة، وتعتمد هذهخ الدورات على النقل، فهي محاضرات جاهزة عن كيفية السيطرة على الذات، وكيفية ترويضها وإقناعها بالسعادة الوهميّة، والكارثة أنّهم يتعلّمون كيفيّة الضحك على الناس، مثلاً كيفية السيطرة على الآخرين لزيادة الاستهلاك، وكأنّ المجتمع عبارة عن زبون عليك التعامل معه، وليس المجتمع فحسب، وإنّما الذات نفسها، فتصوّر الحياة على أنّها سوق، وأنت إمّا بضاعة أو زبون أو وسيط، وكلّ ذلك يخدم النظام العالمي الجديد المنفلت من عقاله.

دورات في (كيف تكسب الأصدقاء) و(كيف تؤثر بالناس؟) وبطبيعى الحال في نهاية الأمر هو عمل، لكي تكسب أصدقاء (زبائن) وكيف تؤثّر فيهم؟ فالناس عبارة عن زبائن، والقائد هو الوسيط الناجح الذي يستطيع أن يؤثّر في الناس ليستهلكوا هذه السلعة، وكي تصبح قائداً عليك أن تكون علامة تجاريّة، فدورات التطوير الشخصي والمساعدة الذاتية هي بحدّ ذاتها أصبحت تجارة رائجة أيضاً، فأيّة مؤسسة تستطيع أن تخرّج أكبر عدد من المواطنيين المقولبين، الوسطاء الجيّدين الجاهزين للتلقين، والترويج.

هناك هدف آخر لدورات القيادة (كيف تصبح قائداً؟ صناعة القائد – القائد الكبير والصغير – كن قائداً…) هي دورات تجاريّة بحتة، فهي عملية برمجة وتمويه لا أساس لها، هدفها نقل الفرد من فكرة المواطنة إلى القيادة، ليتحوّل إلى إنسان سعيد، فالسعادة التي كانت قيمة أصبحت سلعة، ووسيلة إتناجيّة، مثلها مثل الموسيقا التي يشغبها الهولنديون للأبقار لتدرّ حليباً أكثر.

إنّ مصطلحات الشجاعة والاحترام والشفافيّة والصدق والنزاهة واتّخاذ القرار والوفاء والروح والطاقة… كلّها وسائل إنتاجيّة لسدّ فراغ القيم التي دمّرتها الرأسماليّة نفسها، لمصالحها، والآن تعيد إنتاجها بطريقة وهمية خداعيّة لتصبح وسائل إنتاجيّة، فقد ظهر الفساد والقصور في العمل على الصعد الإدارية في الشركات الرأسماليّة، فضعفت القيم، بل اندثرت، وما عاد هناك أمل في الحياة، ولا سعادة في هذا الحزن الرأسماليّ الذي يجلب معه الحروب والدمار وقتل الطبيعة ووأد القيم، والعواطف والروح، فلذلك صار هناك ضعف انضباط في المؤسسات الإنتاجية، وضعف الضمير.

 

كلمة ختامية

لقد اعتبر أوجلان أنّ الأمة كمصلح بحدّ ذاته من أكثر حقائق القرون الأخيرة هُلاميةً وضبابيّة ويعتريها البعد عن مضمونها وجوهرها، وقد تشكّلت بتأثير نافذ من الرأسمالية، وأنّ أنموذج الدولة القومية على وجه الخصوص هو قفص حديديّ بالنسبة للمجتمعات، فالصراع في سبيل الدولة القومية يعني المحاربة من أجل الرأسمالية، أي ما تنتجه الرأسمالية ليس في صالح المجتمع كقانون حتميّ، إذ يعتبر أنّ المعارف الاجتماعية التي تفرضها الحداثة الرأسمالية ليست علماً، بل ميثولوجيات عصرية، فالدوغمائيات الرأسمالية لا تنتج علوماً بل تنتج احتكاراً، وكلّ ما ينصبّ في صالح فائض الإنتاج.

فيرى أنّ مقولة “اهرب يا أرنب، أمسك به يا كلب الصيد” التي فرضَتها الحداثةُ الرأسمالية على الكرد، قد حوَّلها من حيث المعنى إلى مقولة “اصطدِ الحداثة الرأسمالية”. يقول في هذا السياق: “اتَّبَعَت قوى الهيمنةِ أسلوبَ “اهرب يا أرنب، امسِكْه يا كلبَ الصيد” لتكريسِ الصراعِ التركيِّ–الكرديّ. بحيث سيسقطُ الأرنبُ وكلبُ الصيدِ مُنهَكَين في هذه المطاردة، وسينهمكان في نهايةِ المطافِ بخدمةِ أربابِهما دون قيدٍ أو شرط[8].

لذلك قد يكون من المجدي للمجتمعات أن تعتمد على مبدأ اصطياد الحداثة، فقد تنصبّ مبادئ الحوكمة في خدمة المجتمعات، في بعض جوانبها، وقد تكون نهاية الحداثة الرأسماليّة في الوقوع في فخّ ترويض المجتمع من خلال تنميته، فكما أن النظام العاملي الجديد والسلطة والاحتكار والدولة تتطوّر في الكثير من المجالات، كذلك تطوّر المجتمعات من آلياتها الدفاعيّة.

[1] الكوسموبوليتية: أو السياسة الكونيّة، وهي الأيديولوجية التي تقول: إنّ جميع البشر ينتمون إلى مجتمع واحد، على أساس الأخلاق المشتركة. ويسمى الشخص الذي يلتزم بفكرة الكوسموبوليتية في أي شكل من أشكالها، كوسموبوليتاني أو مواطن عالمي. تقترح الكوسموبوليتية في الأصل، إنشاء بوليس كوزمو أو «حكومة عالمية» للبشرية جمعاء. يشبه المصطلح العولمة والعالمية. وقد يعتمد المجتمع الكوسموبوليتي على الأخلاق الشاملة أو العلاقة الاقتصادية المشتركة أو الهيكل السياسي الذي يشمل جميع الأمم باختلافها.
[2] السلطة والسلطة المضادة في عصر العولمة – أولريش بيك – ترجمة: جورج كتورة وإلهام الشعراني – المكتبة الشرقية – بيروت – الطبعة الأولى 2010 – ص26
[3] نظام التفاهة – د. آلان دونو – د. مشاعل عبد العزيز الهاجري – دار سؤال – بيروت – الطبعة الأولى 2020 – ص 69
[4] المصدر السابق ص74
[5] نهاية العالم كما نعرفه – إيمانويل فالرشتاين – ترجمة: د. فايز الصيّاغ – هيئة البحرين للثقافة والآثار – الطبعة الأولى – المنامة 2017 – ص 116
[6] انحسار القوّة الأمريكيّة – إيمانويل فالرشتاين – ترجمة: إيزيس قاسم – المركز القومي للترجمة – الطبعة الأولى – القاهرة 2014 – الصفحة 181
[7] نظام التفاهة – د. آلان دونو – د. مشاعل عبد العزيز الهاجري – دار سؤال – بيروت – الطبعة الأولى 2020 – الصفحة 41.
[8] مانيفستو الحضارة الديمقراطية (المجلد الخامس) – عبد الله أوجلان – الترجمة من التركية: زاخو شيار – مطبعة آزادي – الطبعة الثالثة – تموز 2017 – الصفحة 376

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى