كيف أقامت دلال “الجمهورية الفلسطينية” في “باص”؟

السياسي – ضريحها لا يزال مجهولا، لكن لو عثر عليه فسيكون محاطا بحقول الياسمين والزنبق ورائحة البارود وصوت هتافها الأخير ينبعث من أرض الرسالات والأنبياء.

صورتان شكلتا رمزا غائرا بعمق في ذاكرة القضية الفلسطينية، الصورة الأولى، وهي تحمل الكلاشينكوف، والصورة الثانية، وإيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يشدها من شعرها بعد استشهادها أمام كاميرات المصورين.

هي “عروس يافا”، و”عروس فلسطين”، كما أطلق عليها، عروس تأخر زفافها لنحو 42 عاما، زفاف لن يأتي أبدا. “سمراء المقاومة”، ذات الشعر الأسود والأجعد التي أسست ” جمهورية فلسطين” في حافلة  للنقل العام.

دلال المغربي المولودة عام 1958 في مخيم صبرا قرب بيروت لأم لبنانية وأب من مدينة يافا لجأ إلى لبنان في أعقاب نكبة فلسطين عام 1948، كان من المناضلين الذين قاتلوا إلى جانب القائد العربي السوري عز الدين القسام في معركة القسطل، واعتقل من قبل سلطات الانتداب البريطاني.

اكتفت دلال بالتعليم الأساسي في مدراس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). قررت بعدها أن تعمل ممرضة، وعُينت في الهلال الأحمر الفلسطيني، ومن هذا الباب كانت تتسلل إلى معسكرات تدريب الفدائيين في لبنان.

وستكرس دلال حياتها للسياسة وللمقاومة على أثر اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، فانضمت إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وبدأت بالعمل في خدمة اتصالات المنظمة.

شاركت في القتال ضد الجيش السوري في جنوب شرق بيروت عندما دخلت القوات السورية لبنان عام 1976 لمساعدة قوات “الكتائب” وحلفائهم. وبعد خضوعها عام 1977 لدورة تدريبية وحصولها على رتبة ملازم عرض عليها منصب مسؤولة سياسية في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في إيطاليا غير أنها رفضت العرض.

كتب الشاعر والأديب العربي نزار قباني مقالا بعد العملية قال فيه: “بعد ألف سنة سيقرأ الأطفال العرب الحكاية التالية…إنه في اليوم الحادي عشر من شهر آذار 1978 تمكن أحد عشر رجلا وامرأة من تأسيس جمهورية فلسطين في داخل أتوبيس ودامت جمهوريتهم 4 ساعات

في عام 1978 كان القائد الفلسطيني، أول الرصاص وأول الحجارة، خليل الوزير “أبو جهاد” يضع خطة لعملية هدفها ضرب قلب تل أبيب، وسميت “عملية كمال عدوان” نسبة إلى القائد الفلسطيني عضو اللجنة المركزية لـ”فتح” الذي استشهد مع كمال ناصر وأبي يوسف النجار في بيروت في عملية قادها إيهود باراك.

وكانت الخطة تقوم على أساس القيام بإنزال على الشاطئ الفلسطيني والسيطرة على حافلة عسكرية والتوجه إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى “الكنيست” الإسرائيلي (البرلمان)، واختار “أبو جهاد” دلال المغربي رئيسة للمجموعة التي ستنفذ العملية والمكونة من “12- 14” هناك خلاف حول العدد، بينهم فدائيون من لبنان واليمن.

وعرفت الفرقة باسم “فرقة دير ياسين” نسبة إلى القرية الفلسطينية التي وقعت فيها المجزرة الشهيرة..

في صباح يوم 11 آذار/مارس 1978 ركبت المجموعة سفينة نقل تجارية تقرر أن توصلهم إلى الشاطئ الفلسطيني، واستقلت المجموعة زوارق مطاطية بهدف الوصول إلى شاطئ مدينة يافا القريبة من تل أبيب حيث مقر “الكنيست” الهدف الأول للعملية، غير أن الرياح القوية حالت دون وصول الزوارق إلى الشاطئ في الوقت المحدد الأمر الذي دفع بالزورقين المطاطيين إلى البقاء في عرض البحر ليلة كاملة تتقاذفهما الأمواج حتى لاحت أضواء تل أبيب، ونجحت عملية الإنزال والوصول إلى الشاطئ دون أن يكتشفها الإسرائيليون، كما نجحت دلال وفرقتها في الوصول إلى الشارع العام المتجه نحو تل أبيب والسيطرة على  حافلة (باص) كان عدد ركابها 30 راكبا.

في الطريق استطاعت المجموعة السيطرة على “باص” ثان ونقل ركابه إلى “الباص” الأول وتم احتجازهم كرهائن ليصل العدد إلى 68 رهينة.

عند هذه المرحلة اكتشفت القوات الإسرائيلية العملية فجندت قطعا كبيرة من الجيش الإسرائيلي لمواجهة الفدائيين، ووضعت الحواجز على الطرق المؤدية إلى تل أبيب، لكن الفدائيين تمكنوا من تجاوز الحاجز الأول ومواجهة عربة من الجنود الإسرائيليين وقتلهم جميعا الأمر الذي دفع بقوات الاحتلال إلى المزيد من تكثيف الحواجز، غير أن الفدائيين تجاوزوا حاجزا ثانيا وثالثا حتى أطلوا على مشارف تل أبيب، وصعّد الجيش الإسرائيلي من تواجده العسكري بمزيد من الحشود فتمركزت الآليات العسكرية المدرعة قرب ناد ريفي، وأصدر إيهود باراك أوامره بإيقاف “الباص” بأي ثمن.

عملت قوات الاحتلال على تعطيل إطارات “الباص” ومواجهته بمدرعة عسكرية لإجباره على الوقوف، فحاولت المجموعة الفدائية مخاطبة الجيش للتفاوض وأملا في ألا يصاب أحد من الرهائن بأذى، لكن جيش الاحتلال رفض أن يصغي لصوت فتاة يهودية مغربية كانت ضمن الرهائن التي حاولت محادثتهم من نافذة “الباص”.

أصدرت دلال أوامرها للمجموعة بمواجهة الجيش الإسرائيلي بكل ما لديهم من أسلحة، وأصيبت دلال. وكانت قوات الاحتلال خلال هذا المشهد تطلق قذائفها غير مبالية بالرهائن المحتجزين، فسقطوا بين قتيل وجريح وظهر للمجموعة أن الوضع آخذ في التردي خاصة أن دلال أصيبت إصابة بالغة.

واستشهدت دلال ومعها أحد عشر فدائيا بعد أن كبدت جيش الاحتلال حوالي 30 قتيلا وأكثر من 80 جريحا كرقم أعلنته قوات الاحتلال، فيما تقول مصادر فلسطينية إن الرقم تجاوز الـ100 قتيل بدليل وجود لوحة كبيرة على طريق تل أبيب الرئيسي مكتوب عليها عدد من الأسماء يفوق المائة اسم.

أما الاثنان المتبقيان من ضمن المجموعة فتقول الروايات إنه نجح أحدهما في الفرار والآخر وقع أسيرا متأثرا بجراحه. وحين سأل براك الأسير الجريح عن قائد المجموعة أشار بيده إلى دلال ولم يصدق براك ذلك، فأعاد سؤاله على الأسير فكرر الأسير قوله السابق: إنها دلال المغربي.

وبحسب رواية رفيقها الأسير المحرر حسين فياض فإن دلال قالت بعد احتجاز الرهائن بصوت عال: “لتعلموا جميعا أن أرض فلسطين عربية وستبقى كذلك مهما علا صوتكم وبنيانكم على أرضها. ثم أخرجت دلال من حقيبتها علم فلسطين لتقبله وتضعه على مقدمة الحافلة، قبل أن تؤدي له التحية بكل شموخ ومن ثم بدأت بالغناء: “بلادي..بلادي.. بلادي.. لك حبي وفؤادي”.

وكتب الشاعر والأديب العربي نزار قباني مقالا بعد العملية قال فيه: “بعد ألف سنة سيقرأ الأطفال العرب الحكاية التالية… إنه في اليوم الحادي عشر من شهر آذار 1978 تمكن أحد عشر رجلا وامرأة من تأسيس جمهورية فلسطين في داخل أتوبيس ودامت جمهوريتهم 4 ساعات، لا يهم كم دامت هذه الجمهورية… المهم أنها تأسست”.

وكتب عنها إلياس خوري في صحيفة “النهار” اللبنانية يقول: “امرأة من فلسطين مزيج من أحزان يافا وعطرها المسيج بالحزن، ومأساة اللد ومجزرة جامع دهمش، امرأة خلعت أستار التقاليد وكسرت المحرمات الاجتماعية، ذهبت لحريتها لتلاقي الحرية، لم تذهب دلال المغربي ورفاقها إلى الانتحار أو الموت، بل ذهبت إلى القتال لأنها كانت تصنع الحياة”.

واختصت أحد أجنحة “فتح” العسكرية العاملة في غزة والضفة الغربية نفسها باسم “كتائب الشهيدة دلال المغربي”، إضافة إلى إطلاق اسمها على العديد من المؤسسات والفرق الفنية والمدارس والحضانات في فلسطين.

تركت دلال قبل استشهادها وصية مكتوبة بخط يدها للفلسطينيين طالبت فيها ” بتجميد التناقضات الثانوية، وتصعيد التناقض الرئيسي ضد العدو الصهيوني

كان جثمان دلال على قائمة الجثامين التي طالب بها “حزب الله” اللبناني في إطار صفقة لتبادل الأسرى، ولكن فحوص الحمض النووي أظهرت عدم إعادة الجثمان وأن الجثث المعادة هي لأربعة شهداء غير معروفين، ولا يزال جثمانها غير معروف المكان حتى اليوم.

وتركت دلال قبل استشهادها وصية مكتوبة بخط يدها للفلسطينيين طالبت فيها “بتجميد التناقضات الثانوية، وتصعيد التناقض الرئيسي ضد العدو الصهيوني وتوجيه البنادق كل البنادق نحو العدو الصهيوني، واستقلالية القرار الفلسطيني تحميه بنادق الثوار المستمرة لكل الفصائل” وقالت في ختامها: “أقولها لإخواني جميعا أينما تواجدوا: الاستمرار بنفس الطريق الذي سلكناه”.

بعد استشهادها تسلمت عائلتها أغراضها الخاصة من المعسكر حيث كانت تتدرب ووجدوا بداخلها رسالة كانت قد كتبتها قبل توجهها لتنفيذ العملية، تقول فيها: “أبي ما أصعب الكتابة عنك وإليك. وهبتني العطاء والتضحية والإخلاص للأرض، فكنت كفؤا لذلك، لن أكتب عنك أكثر. بالنسبة لأمي لن أكتب عنها شيئا لأنني إن فعلت فإن معنوياتي ستتحطم”.

تضيف الرسالة: “حضرت إلى البيت صباح الخميس، وكان نزولي لأراك ولكن كان حظي زفت. لم أودعك ولم أرك يا أبي، ولكن تأكد مهما غبت.. تأكد بأنني موجودة معك، وأعيش معكم. لا تذرف دمعا كثيرا، فقد صرت بنتا للبلاد”.

وحين زار أهلها غرفة دلال في معسكر التدريب للاطلاع على المكان الذي قضت فيه آخر أيام حياتها وجدوا أنها كتبت على حائط غرفتها فوق سريرها عبارة “واثق الخطوة يمشي ملكا”.

وكان اسم دلال موضع خلاف بين السلطة الفلسطينية والنرويج بعد أن طلبت وزارة الخارجية النرويجية من السلطة الفلسطينية إعادة أموال صرفت على تأسيس مركز نسوي أسس في قرية برقة بمدينة نابلس مؤخرا بعد أن أطلق عليه اسم “دلال المغربي”.

وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، فإن وزير الخارجية النرويجي بورغ براند أبدى غضبه وإدانته لوضع شعار وزارته على المبنى، مطالبا بإزالة الشعار فورا وإعادة الأموال التي خصصت لدعم المركز. زاعما أن “تمجيد الهجمات (الإرهابية) غير مقبول على الإطلاق”.

من جانبهم دعا نشطاء فلسطينيون النرويج إلى احترام تضحيات ومشاعر الفلسطينيين واحترام رموزهم الوطنية، وأن يساندوا الشعب الفلسطيني في تحرير وطنهم وإقامة دولتهم المستقلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق