كيف اصبح سلمان رشدي رمزا لحرية الابداع
عمرو حمزاوي

صنع الجدل حول رواية «آيات شيطانية» وفتوى إهدار دم كاتبها التي خرجت من الجمهورية الإسلامية في إيران في ثمانينيات القرن العشرين من الأديب سلمان رشدي بطلا لحرية التعبير والإبداع وضحية للتطرف باسم الدين. فقد عاش الرجل في الخفاء وتحت حراسة أمنية مشددة وفي خوف على مصيره وسلامته الجسدية والنفسية وسلامة أسرته لسنوات طويلة منذ أن أصدر المرشد الأعلى الإيراني آية الله الخميني فتوى بقتله في 1989. وعلى الرغم من ذلك ومن الجموح العالمي للتطرف الديني وجرائم القتل البشعة لمبدعين وكتاب وصحافيين التي ارتكبتها باسم الإسلام جماعات إرهابية، لم يتوقف رشدي أبدا لا عن الكتابة الأدبية والصحافية ولا عن الدفاع عن الحرية في كل مكان من إيران وأفغانستان إلى روسيا وأوكرانيا. ولم تكن المكانة العالية التي بلغها الأديب الهندي-البريطاني مرتبطة فقط إن بطاقته الإبداعية وخياله المستند إلى ثقافات متنوعة أو بعمله النقابي في اتحادات الكتاب ولجان الدفاع عن حرية التعبير، بل إلى هوية الضحية الضعيفة ووضعية التهديد الدائم اللتين ألصقتهما به فتوى الخميني وحملة جماعات التطرف والإرهاب ضده.
وقد عبرت مكانة رشدي العالية هذه عن نفسها بعد أن أصابته الجمعة الماضية طعنات متطرفة على خشبة مسرح في ولاية نيويورك الأمريكية حين كان يستعد لإلقاء محاضرة عن حرية الإبداع. فقد صارت جريمة الاعتداء الجبان عليه خبرا جاب الكرة الأرضية في دقائق معدودة وأدانته حكومات ومنظمات أممية وحركات مجتمع مدني وهيئات دينية مستنيرة سجلت رفضها للإرهاب باسم الدين. وذكر العالم الجمهورية الإسلامية في إيران بمسؤوليتها الأخلاقية والسياسية عن كل ما حدث لرشدي منذ 1989 وبتورطها كمتسبب في جريمة الاعتداء عليه التي نفذها متطرف.

أدبيا وصحافيا، عقدت الكثير من الندوات خلال الأيام الماضية للتعبير عن التضامن مع رشدي وإدانة ما تعرض ويتعرض له. سياسيا، وظفت مجموعات اليمين الشعبوي الاعتداء على رشدي لإعادة إنتاج اتهاماتهم عن العرب الإرهابيين والمسلمين القتلة الذين لا يأمن جانبهم، عنا جميعا كلاجئين ينقلون العنف إلى الولايات المتحدة وأوروبا عوضا عن احترام المجتمعات التي استقبلتهم في سلام والأغلبيات المتحضرة التي لم تمانع في مشاركتهم الحياة والعمل.
غير أن خطاب اليمين الشعبوي واجهه مباشرة خطاب للأغلبية المتسامحة في الولايات المتحدة وأوروبا يجمع على أن الإرهاب لا عرق له ولا دين، ويجمع أيضا على رفض كافة الجرائم والاعتداءات باسم الدين مثلما يرفض كل تقييد لحرية الإبداع والفكر والتعبير عن الرأي. وخطاب الأغلبية هذا، وهو عبرت عنه افتتاحيات كبريات الصحف الأمريكية والأوروبية والعديد من مقالات الرأي المنشورة بها، يختلف عن عموم إدانة كوارث العنف والقتل والدماء التي تهز أركان الغرب اليوم وباتت تخيف الناس على مرتكزات حياتهم في أمن وسلام وتسامح.

فالاستيقاظ على أعمال إرهابية ينفذها من ولدوا وأقاموا في أوساط المجتمعات الغربية يمثل صدمة حقيقية. هي صدمة بفعل جرائم بشعة يرتكبها دمويون ووحشيون بحق من عاشوا وعملوا معهم وشاركوهم بعضا من تفاصيل الحياة. هي صدمة فقدان الثقة في أن مجتمعات الغرب المفتوحة بنظم تعليمها الجيدة وثقافتها العامة التي يغلب عليها التسامح وقبول الآخر تستطيع أن تحمي جميع المنتمين للجاليات العربية والمسلمة من الانزلاق إلى فخ التطرف والقابلية للعنف وأن تحول دون أن تكتسب أفكار المتطرفين من شيوخ وآيات الله وشعاراتهم المتهافتة واستدعائهم الرجعي للدين قبولا بين بعض أعضاء هذه الجاليات.
هي صدمة الحادي عشر من سبتمبر وتفجيرات باريس ولندن وقتل رسامي شارلي ابدو والاعتداء على رشدي الأعزل على خشبة مسرح، صدمة الوحشية التي تسمح لحامليها بالقتل على المشاع وبسفك دماء زملاء العمل والحياة وبفرض الحزن على ذويهم. هي صدمة استدعاء هؤلاء الدمويين والوحشيين للدين الإسلامي للتبرير الزائف لجرائمهم وكذلك إعلانهم الولاء لعصابات لها مسميات كالدولة الإسلامية وترفع يافطات الجهاد والحرب المقدسة وهو الأمر الذي يرتب التنامي السريع لخطوط إدراك ولمشاعر سلبية تجاه الجاليات العربية والمسلمة المقيمة في الغرب.
غير أنها قبل أي شيء آخر صدمة ما يعتقد الغربيون أنه امتناع الجاليات العربية والمسلمة عن التصريح برفضها التام للمجرمين الذين يرتكبون الأعمال الإرهابية ويمارسون العنف والتشديد على أنهم لا ينتمون إليها ولا إلى فهمها المتسامح للإسلام. سبب الصدمة الغربية هنا هو ما تعتقد الأغلبيات أنه امتناع عن الإدانة الكاملة من قبل الجاليات المقيمة في الغرب، ومن قبل الأغلبيات في المجتمعات العربية والمسلمة.
والحقيقة أن فرضية الامتناع عن الإدانة غير صحيحة. فمنذ وقع الاعتداء الجبان على سلمان رشدي، والإدانات لا تتوقف من قبل أصحاب الكلمة وحملة الآراء الحرة وتتوالى أيضا من قبل ممثلي المؤسسات الدينية الرسمية والرموز الدينية المنتمية للجاليات العربية والإسلامية في الغرب. كذلك أدانت بعض المؤسسات الدينية الرسمية في بلاد العرب والمسلمين الجريمة، وفندت الأفكار المتطرفة التي تمرر التكفير وتبرر العنف وتحتفي بالقتل والدموية والوحشية باسم الدين.
وفي التحليل الأخير، يستند الضغط على العرب والمسلمين في الغرب لإعلان الإدانة كلما وقعت أعمال الإرهاب والعنف البشعة وتثبت الناس من انتماء مرتكبيها إلى الجاليات العربية والمسلمة، يستند إلى اتهام مسبق لنا جميعا وإلى تحميلنا بذنب جماعي ترفضه الأغلبيات في المجتمعات الغربية في حالات أخرى.
فهل تخرج أصوات المسؤولين والسياسيين والإعلاميين لتدعو الأغلبية ذات الأصول الأوروبية إلى إدانة عنف مجانين اليمين العنصري والنازيين بعد ارتكابهم لجرائم قتل بشعة؟ هل تطالب الأغلبيات البيضاء بالتبرؤ من المجرمين القتلى الذين يقتلون الأبرياء عشوائيا في المدن الأمريكية؟
فلا ينبغي، إذا، تحميل العرب والمسلمين بجريرة الذنب الجماعي لجرائم إرهابيين ومتطرفين الموقف الوحيد منها هو الإدانة الكاملة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى