لأن أميركا لن تعتذر فإن الحل الأممي مؤجل
فاروق يوسف

غالبا ما ينسى المطالبون بتدخل أممي في العراق من أجل حماية شعبه حقيقة أن النظام القائم الذي يمارس القمع في حق الشعب العراقي بعد أن دفع بالأوضاع كلها إلى الهاوية هو صناعة أميركية.

حتى الأشخاص الذي يحكمون ولهم القدرة على اتخاذ القرار ويمتلكون سلطة مطلقة على مختلف الأصعدة بسبب اعتمادهم على جيوش جرارة من المقاتلين غير النظاميين فإن معظمهم دخل إلى العملية السياسية بعد أن تم اختباره أميركيا وفاز بالرضا.

وما يُقال عن صدمة الولايات المتحدة بما أنتهت إليه الامور في العراق من رثاثة وسوء هو غير صحيح بالكامل. فالقوات الأميركية على سبيل المثال لم تغادر العراق عام 2011 إلا بعد أن شهد حربا أهلية طاحنة التهمت مئات الالاف من شبابه.

كان خبراء الاقتصاد الأميركيون قد حذروا في وقت مبكر من أن العراق قد دخل في نفق فساد غير مسبوق منذ أن خلق الله آدم. وفي السنوات الأولى من الاحتلال كانت الأموال تُسرق بحجة أعمار العراق بمعرفة سلطة الاحتلال والدوائر المختصة المرتبطة بها.

كانت الفوضى التي عاشها العراق جزءا من الحل الأميركي في بلد هو من وجهة نظر الأميركيين لا يعرف شعبه معنى الديمقراطية أو كيف يمكنه أن يتعامل مع حريته بغير ممارسة العنف.

على ذلك الأساس بادروا إلى ارساء قواعد النظام الطائفي.

ليس صحيحا القول إن الأميركان استجابوا لمطالب الساسة العراقيين في اقامة نظام المحاصصة الطائفية والعرقية. لابد من أن نتذكر هنا أن أولئك الساسة، إن صحت التسمية ليس لهم وزن في القرار الأميركي.

فالولايات المتحدة هي التي جلبتهم من القاع وهي التي ألبستهم ثيابا حديثة وهي التي لمعت صورهم وقدمتهم باعتبارهم ساسة وقادة وزعماء. من غير ذلك فإنهم مجرد ناس هامشيين كان معظمهم يعيش على المساعدات التي تقدمها دوائر الضمان الاجتماعي في الغرب.

النظام الطائفي الذي يفتك منذ حوالي سبعة عشر عاما بالشعب العراقي هو كذبة أميركية. لا يمت أفراده بأية صلة للسياسة. لذلك فإنهم استغلوا وجودهم في الدولة للتوسع في نشاطاتهم الشخصية الأصلية. فمَن كان يزور جوازات وشهادات صار يزور اتفاقات دولية ومَن كان يهرب سجائر ومشروبات كحولية صار يهرب نفطا ومن كان يملك كشكا قرب السفارة صار سفيرا ومَن كان يقود حملة للحج “حملدار” صار رئيس حكومة ووزيرا للخارجية. وهكذا فإن استيلاءهم على الدولة كان مناسبة للتوسع في إدارة أعمالهم الأصلية.

كل ذلك حدث بمعرفة الولايات المتحدة وعلمها.

لذلك فإن الدوائر الأميركية المختصة بالشأن العراقي لم تظهر أدنى اهتمام بالميول العقائدية للساسة العراقيين. لم يكن أعضاء الكونغرس الأميركي أغبياء حين وقفوا وصفقوا للمالكي. كان رجلهم بالرغم من أنهم يعرفون كل شيء عن ولائه المطلق لإيران.

كان رجلهم بمعنى ما ألحقه بالمجتمع العراقي من خراب وبالاقتصاد العراقي من دمار وبالوحدة العراقية من محق. اما الباقي فإنها تفاصيل تخصه شخصيا. هذا الحكم يصلح أيضا على سواه، بالرغم من أنه تميز بقدرته الاستثنائية على أن يكون فاسدا في كل شيء.

كل هذه المعطيات وسواها لابد أن تقف بين المجتمع الدولي وإمكانية التدخل في العراق لحماية شعبه. فلا اختراق حقوق الإنسان ولا قصف السفارات يمكن أن يدفعا إلى تدخل أممي ما دامت الولايات المتحدة تمارس نفاقا ساذجا وسطحيا لا يليق بدولة عظمى.

ما تفكر فيه الولايات المتحدة انما يدخل في مسألة تحرجها. فلو دعت إلى تدخل أممي لحماية الشعب العراقي فإنها ستكون مدينة بالاعتذار لذلك الشعب الذي وقع ضحية لجرائمها. ذلك ما يدفعها إلى المكابرة وإلى التغاضي عن الصواريخ التي تضرب محيط سفارتها ببغداد.

كلمة لن تقولها يمكن أن تغير كل المعادلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى