لؤي مقداد ( مراجعة ثوريّة ) 
كتب سامر الصالح

من شابٍّ مغمورٍ مخمور اعتاد صبّ الشّاي والقهوة في مكاتب المخابرات السّوريّة ومرافقة المسؤولين في نزواتهم السّريّة بصفة حمّال منشفة إلى شخصيّة ثوريّة شهيرة تضخّمت إلى حدٍّ أثار الإستغراب لدى كلّ من تابع قصّة صعودها لهرم المعارضة رغم عدم امتلاكها لأيّ مقوّمات أو مؤهّلات أو كفاءات أو خلفيّة ثوريّة نضاليّة .
لؤي المقداد الذي بدأت عمليّة زرعه في مؤتمر أنطاليا في صيف عام 2011 وتمّت إدانته بتسريب مجريات المؤتمر لصالح المخابرات السّوريّة في حينها ، ثمّ تدخّل بعض المشبوهين ( كما اتضّح لاحقاً ) لصالح التّعتيم على القضيّة التي يشهد بها عشرات السّوريين الذين حضروا المؤتمر ولا زالوا أحياء ، ثم أُلحِق فجأةً بالعمل كسكرتير لعقاب صقر ( مسؤول غرفة تسليح الجيش الحرّ ) وهو نائب برلماني لبناني من الطّائفة الشّيعيّة عن كتلة المستقبل النيابيّة التي يرأسها سعد الحريري ، ومن خلاله تمكّن حزب الله من زرع عينٍ له على كل نشاطات سعد الحريري والتّأثير في قراراته وقناعاته ، وفّر الموقع الجديد للؤي كل الفرص والإمكانيّات للإطّلاع على أدقّ تفاصيل الجيش الحرّ الذي كان أمل السّوريين الأحرار بالتخلّص من النّظام المجرم ، استغلّ لؤي أهميّة الملفّات التي كانت تقع تحت يديه وبدأ بالتّواصل مع كلّ الإستخبارات الدّوليّة المهتمّة بالشّأن السّوري والتي وجدت ضالّتها بما لدى لؤي من معلومات دقيقة ، ليتمكّن من تغيير وجهات نظر العديد من الدّول الهامّة الدّاعمة للثّورة والجيش الحرّ ، حيث جعلها ترى الثّورة بعيون النّظام ( فوضى ، إرهاب ، لصوصيّة ……… إلخ) ، إلصاق هذه التّهم بالثورة السورية ناسب عدداً لا بأس به من الدّول المتربّصة بالشّعب السّوري الثّائر وبالرّبيع العربي عموماً ، فأبعدوا كل الشّرفاء القائمين على عمليّة الرّبط بين المعارضتين السياسية والعسكريّة ( الأمر الذي كان يعطي للثورة وهجاً وألقاً وقوّةً مكّنتها من الحفاظ على القدر الأدنى من الإستقلالية آنذاك ) واستبدالها بلؤي المقداد كمنظومة فاسدة مفسدة لكلّ ما هو جميل في ثورتنا .
تمكّن النظام من خلال لؤي من فتح قنوات لدعمه بعيداً عن أعين الرّقابة الدّولية التي قرّرت إنزال أشدّ العقوبات بأيّ دولة تقدّم أي شكل من أشكال الدّعم لنظام الأسد ، وجد لؤي في مدينة دبيّ خصوصاً ودولة الإمارات عموماً وغيرها من بعض العواصم المتعاطفة والمتواطئة مع نظام الأسد قاعدةً مهمّة للإنطلاق في عمليّة تمرير الدّعم للنّظام دون أن يشعر أحد ، فمن خلال موقعه كناطق بإسم الجيش الحرّ ورئيساً لكتلة أركان الجيش الحرّ في الإئتلاف الوطني لقوى الثّورة والمعارضة كان من السّهل عليه الحصول على مختلف أنواع الدّعم من الدّول الصّديقة للثّورة السّوريّة ومن الدّول المتواطئة مع نظام الأسد سرّاً والتي تُظهِر نفسها بمظهر الدّاعم للثّورة ، وهكذا تدفّقت مئات الملايين من الدّولارات واليوروهات لخزائن المقداد ( نعم مئات الملايين بلا مبالغة ) وكلّ هذا بإسم الجيش الحرّ ، وبعد تراكم هذه الأموال النّقدية الطّائلة إضافةً لما جناه من عمليّات بيع للأسلحة المقدّمة للجيش الحرّ ( تحديداً كونكورس ، تاو مع قواعدهم ) لكل من الفصائل الإرهابيّة الإسلامويّة والمجموعات الإنفصاليّة الكورديّة ، وكذلك سيطرته على الدّعم الإعلامي الضّخم من جهات مانحة كبرى بإسم دكّانته الإعلاميّة المسمّاة ( مركز مسارات ) ، كان لا بدّ له من خلق ذرائع لتبرير عمليّات صرف وتبخّر هذه الأموال الطّائلة مع استمرار شكاوي مستحقّي هذا الدّعم الفعليّين من عدم وصول أيّ ممّا يدّعي لؤي توزيعه ، فقام بالإتّفاق مع بعض ضعاف النّفوس من مختلف المحافظات السوريّة من قيادات الجيش الحرّ الحثالات الذين اختارهم بعناية وفق المعايير التي انطبقت على اختيار المخابرات السوريّة له عينها ، وشهدت تلك الفترة ما بين أعوام 2014-2016 سلسلة من العمليّات العسكريّة الوهميّة التي كان يتمّ فيها إطلاق صواريخ على النّظام محليّة الصّنع بقيمة 100 دولار على أنّها صواريخ تاو أو كونكورس ، وكذلك التّرويج إعلاميّاً عبر المكاتب التي يسيطر عليها لؤي في جهاز إعلام الثّورة على حوادث قصف من قبل النّظام استهدفت مخازن أو مخابئ أسلحة ومعدّات وذخائر وأموال وسيّارات وأَلحقت العطب الكامل بكلّ ما سبق ، في الوقت الذي يكون فيه لؤي وصبيانه قد أفرغوا مسبقاً محتويات هذه المخازن وباعوها لجهة مشبوهة لصالحهم .
رغم كلّ ما سبق ذكره عن العمليّات الوهميّة بقصد تخريج قيود هذه الموارد لصالح لؤي فإنّ حجم المبالغ التي تلقّاها من دول متواطئة كما سبق وقلنا يحتاج لعمليّات تمويه أخرى لتبرير ضياعها ، وهنا كانت الخديعة الكبرى ، فشخصٌ مثل لؤي لا يهمّه سمعته أو شرفه ، كل ما يهمّه تنفيذ المهمّة فقط التي أوكله بها خاله حسّان بيضون ( الشّيعي اللّبناني المكلّف من حزب الله باختراق الثّورة والشّخص المقرّب من القصر الجمهوريّ السّوريّ قبل الثّورة بزمنٍ طويل ) وهذه هي الوقائع التي شهدها المناضل العتيد كمال اللّبواني شريك لؤي في المهمّة التي خرجا من سوريا سويّاً لتنفيذها ولا زالا حتى الآن رفاق الدّرب كلٌّ يسند الآخر لإتمام ما أمرهم به علي مملوك الذي ما انفكّ كمال اللّبواني يروّج لضرورة القبول به رئيساً للمرحلة الإنتقاليّة منذ أيّام ولا زال .
لجأ لؤي للعب القمار في كازينوهات أوروبيّة شهيرة وتحديداً في قبرص والنّمسا وتعمّد إظهار نفسه بمظهر المقامر وهي صفة ليست بالغريبة على شخصٍ مثله ، لكنّه تعمّد ذلك ليخفي تدويره لأموال الثّورة لصالح النّظام ( يقبل باتّهامه بالمقامرة تغطيةً على عمالته للنّظام ) ، نعم لؤي كان يأخذ من مقدّرات الثورة ليعيدها للنظام ولضبّاط النظام ، قد يقول البعض أنّ مئات الملايين لا تكفِ لتقف سوريا الأسد على أقدامها في مواجهة دوليّة كبيرة كالتي شهدناها ، لكنّها تكفي لسدّ جوع ونهم ضبّاط النّظام الذين طُلِب منهم فقط جلب المعلومات واختراق الثورة عبر عملائهم ، فتمكّنوا من إنجاز المهمّة المطلوبة مع مكافآت كبرى حصلوا عليها من عميلهم لؤي المقداد ومن أموال الثّورة ذاتها ، قَصَدْنَا من هذا التدرّج مع الإخوة القُرّاء أن نصل وإيّاكم لحقيقةٍ أخطر وأشدّ مضاضةً على قلوبنا وعقولنا التي لطالما عبث بها ( عروبيّون لا يحملون بين جنْبَيْهِم شرف العروبة ) مفادها أنّ لؤي لم يكن مجرّد عميلٍ ولصٍّ صغير بل كان حقيقةً جسراً لدعم دولة الإمارات ( مثال مراجعتنا الثوريّة ) لنظام الأسد بمليارات الدّولارات ، وما رَشَحَ منذ أيّام عن إفراج الإمارات لمبالغ تُقَدّر بقيمة 3 مليار دولار لصالح نظام الأسد يقودنا لسؤال مهمٍّ جدّاً ، وهو أنّه في ظلّ انكفاء لؤي على نفسه بعد افتضاح أمره وخسارته لدوره من يقوم اليوم بالدّور الذي كان لؤي يؤدّيه سابقاً ؟
قد يكون هذا الشخص موجوداً بيننا كقوى ثورة ومعارضة ويناظر بالشّرف والنّزاهة ويزاود على الآخرين في وطنيّتهم وثوريّتهم كما كان يفعل لؤي وأكثر !!!
بالعودة لكلّ تحرّكات لؤي المقداد وشريكه كمال اللّبواني خلال سنوات الثّورة العِجاف يتّضح لنا سبب الهجوم الكاسح الذي شنّته بعض المواقع والمحطّات التّلفزيونية التي تتّخذ من دولة الإمارات ( مقرّاً لها ) على العديد من الشّخصيّات الوطنيّة التي كان لديها قدرات كبيرة في كشف العملاء وإبعادهم عن مواقع الثّورة القياديّة ، وهاهي اليوم تدفع ثمن ارتهانها لأجندات الإمارات بعد انتهاء مهمّتها حيث صدر الأمر بإغلاقها وكأنّ 10 سنوات من نقل أخبار الحدث السوري ومعاناة الشّعب السوري كانت فاصلاً إعلانيّاً لإحدى شركات التّطوير العقاري الإماراتية الضخمة التي تنتظر مزيداً من الدّمار في سوريا لتوقيع المزيد من عقود إعادة الإعمار على حساب الدم السّوري .
لعلّ أكثر ما يثير الإهتمام اليوم ليس لؤي المكشوف منذ مدّة طويلة ، وما تغريدات الدّكتور فيصل القاسم اليوم إلاّ بمثابة نفض للغبار المتراكم على هذه الشّخصيّة التّافهة ، الأهمّ اليوم هم بعض الأشخاص الذين كانوا مطيّة لؤي في الجيش الحرّ وبإسمهم ارتُكِبَت كلّ الموبقات ، على رأسهم سليم ادريس قائد أركان الجيش الحرّ سابقاً وفاتح حسّون قائد حملة قادمون يا حمص التي أضاعت حمص نهائيّاً وحمزة الشمالي ( أبو هاشم ) ومعه صديقه الصّدوق بلال العطّار ( أبو عبدو شام ) وهم الذين أشرفوا على قيادة كتائب الفاروق منذ البداية وحتى النّهاية التي تمّ تتويجها بإطلاق حركة جديدة تحت مسمّى حركة حزم في عملية شبيهة لسرقة الجيش الوطني الحالي لإسم الجيش الحرّ ، اللّافت اليوم هو تربّع سليم ادريس وفاتح حسّون على قمّة هرم ما يسمّى سِفاحاً بالجيش الوطني ، الجيش الوطني الذي قام على تضحيات ودماء أبطال الجيش الحرّ الحقيقيّين الذين طواهم زمن الهزائم المتلاحق على يد هؤلاء الإمّعات الذين يبدو اليوم وكأنّهم يُكافَؤُون على صنيعهم مع لؤي في العمالة للنّظام وإسقاط الثورة بتشريفهم بإطلاق رصاصة الرّحمة على المولود الذي كان ينتظره العالم أجمع وليس السوريّون فقط وهو سورية الحديثة بلا طغاة ولا مجرمين ، ولكن يا للأسف كم من لؤي بيننا ونحن نيام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى