لاءات السودانيين الثلاث بوجه العسكر
عمر كوش

تراجع العسكر الانقلابيون في السودان تحت الضغطين، الشعبي والدولي، واضطرّوا إلى توقيع “الاتفاق السياسي” مع رئيس الحكومة، عبد الله حمدوك، بعد إطلاق سراحه. مع ذلك، لم تتوقف التظاهرات الاحتجاجية الشعبية في أغلب المدن السودانية، الرافضة حكم العسكر والاتفاق السياسي الذي هندسوه على مقاسهم، وبات لسان حال القوى السياسية ولجان المقاومة الشعبية المنظّمة للتظاهرات يقول: لا تفاوض مع العسكر، ولا شراكة معهم، ولا شرعية لانقلابهم، تجسيداً لشعار “لا تفاوض لا شراكة لا شرعية” الذي رفعه المحتجّون في “مسيرة الغضب” وسواها من المسيرات الغاضبة. إضافة إلى شعار “ما في مليشيا بتحكم الدولة” الرافض مشاركة المليشيات في السلطة، ممثلة بقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي) المتهم بارتكاب جرائم بحق السودانيين.
وإن كان الاتفاق السياسي، الموقع في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، من قائد الانقلاب العسكري، عبد الفتاح البرهان، وعبد الله حمدوك، قد بُني على أساس تسوية سياسية تقضي بإعادة حمدوك إلى رئاسة الوزراء، وأن يشكّل حكومة كفاءات غير حزبية، في مقابل موافقته على عدم إعادة صلاحيات المكوّن المدني، ممثلة بقوى إعلان الحرية والتغيير المُلغاة في قرارات الانقلابيين، إلا أن استمرار التظاهرات الاحتجاجية السودانية يفيد بأن الاتفاق لم يحظَ بأي قبول من غالبية السودانيين التي باتت تطالب بحزم بإنهاء حكم العسكر. وبالتالي، فإن الشرخ الذي أحدثه الانقلاب العسكري، في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يتوسع يوماً بعد يوم، والأزمة التي خلّفها تزداد عمقاً، وتهدّد بأخذ السودان إلى متاهات مظلمة، خصوصاً مع استمرار تصاعد وتيرة التظاهرات والمواكب الرافضة الاتفاق، والتي باتت تواجه بعنف متزايد من العسكر والمليشيات، الأمر الذي يهدّد بدخول السودان في ظلمات عنف منفلت، تسيل فيه دماء كثيرة، مع وجود أسلحة كثيرة في أيدي مليشيات ومجموعات خارج تشكيلات الجيش السوداني.

لم تعد صيغة الشراكة مع العسكر تلبّي مطامح عامة السودانيين وتطلعاتهم التي تقبلتها سابقاً بعض القوى والأحزاب السياسية من جهة اعتبارها تمثل اتفاق الحد الأدنى، وانقلب عليه العسكريون في ما بعد. لذلك جاء الرد من المحتجين السودانيين بالمطالبة بحكومة مدنية خالصة، مع ارتفاع منسوب عدم الثقة مع ما يسمّى المكون العسكري، خصوصاً مع بقاء الوجوه نفسها التي قادت الانقلاب، وما تزال تتمسّك بمفاصل الحكم، والتي اضطرت تحت الضغط إلى تسويق شراكة جديدة مع بعض الوجوه المدنية، ممثلة برئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في محاولةٍ منها للخروج من الأزمة التي سبّبها انقلابهم، لا سيما بعد تلويح أعضاء في الكونغرس الأميركي بفرض عقوباتٍ على الشخصيات المُعرقلة للعملية الانتقالية في السودان، لكن ما حصل هو فشل محاولاتهم بعد بروز ردود فعل كبيرة رافضة ضمن القوى السياسية في السودان، وارتفاع أصوات معارضة للاتفاق الجديد بين القوى والأحزاب نفسها التي وقّعت سابقاً على اتفاق الانتقال السياسي، الذي أفضى إلى تشكيل مجلس السيادة والحكومة السابقين، واعتماد ما كانت تعرف بـ”الوثيقة الدستورية” التي منحت قوى الحرية والتغيير صلاحيات ترشيح أعضاء هياكل الحكم الانتقالي.
ويبدو أنّ قادة الانقلاب، خصوصاً البرهان وحميدتي شريكه في السلطة، أرادوا من الاتفاق مع حمدوك تأمين توسيع صلاحياتهم في مجلس السيادة على حساب قوى الحرية والتغيير، ومنحهم مهمة الإشراف على تشكيل هياكل الحكم التنفيذي، بما يشمل هياكل الحكم الاتحادي والإقليمي والولائي والمحلي. كما أنّهم أرادوا إلغاء دور قوى إعلان الحرية والتغيير، بوصفها طرفاً شريكاً في إدارة المرحلة الانتقالية، وإصدار إعلان سياسي جديد يحدّد إطار الشراكة بين القوى العسكرية والمدنية تحت قيادتهم المطلقة، إلّا أنّهم أدركوا أنّ القوى السياسية التي حشدوها إلى جانبهم لا تؤمن لهم التغطية الكافية للاتفاق، كي يبرّروا انفرادهم في السلطة في هذه الظروف، ويمرّروه على المستويين الشعبي والدولي، وبالتالي لم يجدوا سوى الانحناء أمام العنفوان الشعبي الضاغط عليهم، خصوصاً أنّ الحراك الشعبي الرافض للانقلاب استمر في زيادة زخمه. لذلك، جاء الاتفاق محاولة لإيجاد تسوية مرحلية للأزمة، تنهض على التماشي مع توجهات أطراف محلية ودولية، مقابل استبعاد قوى المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير من معادلة الحكم، ولاحتواء تزايد احتمالات انزلاق الأوضاع الأمنية والسياسية في السودان باتجاه منعرج حرج، مع ارتفاع حدّة العنف ضد المحتجين التي أدّت إلى سقوط عدد من ضحايا في صفوف المدنيين، فضلاً عن ظهور بوادر في توتر العلاقات بين قادة الانقلاب بعد اعتذار، أو بالأحرى رفض، قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، قبول تكليف من عبد الفتاح البُرهان بتعيينه رئيساً للجنة مراجعة أعمال لجنة إزالة تمكين نظام البشير.

هناك من يرى أن حمدوك أدرك خطأ حساباته المتعلقة بتوقيع الاتفاق السياسي مع العسكر، بعد رفض الشارع السوداني القوي له، وهو بصدد العودة إلى حاضنته السياسية، وترميم ما تهدّم معها، وأرسل أكثر من رسالةٍ طلب فيها دعم القوى السياسية كي يستمر في رئاسة الحكومة. لكن في المقابل فقد الكثير من رصيديه الشعبي والسياسي، فيما تبقى القوى السياسية بدورها في حاجة إلى لملمة أوراقها وتوحيد صفوفها لمواجهة العسكر، عبر التوافق على برنامج عمل واضح المعالم، يضع خريطة طريق لاجتياز المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى انتخابات ديمقراطية، وتمكّنها من الوقوف بوجه القوى الرافضة للانتقال الديمقراطي التي تقف في جبهة موحدة.
والواضح أنّ القوى الدولية، خصوصاً الولايات المتحدة، لم تكن مصرّة على تمثيل القوى السياسية في مجلس السيادة الانتقالي، بل على ضرورة عدم انفراد العسكر الانقلابيين في الحكم. لذلك اكتفت بعودة حمدوك إلى رئاسة الحكومة، مع التأكيد على الشراكة بين المدنيين والعسكريين، لكن الرفض الواسع من الشارع السوداني للاتفاق الذي يُراد منه شرعنة حكم العسكر وتكريسه، إلى جانب رفض قوى الحرية والتغيير، ممثلة بقوى المجلس المركزي، أعاد النظر إليه بوصفه امتداداً للانقلاب العسكري. لذا، المشهد السياسي في السودان مفتوح على جميع الاحتمالات، ويعلن بوضوح أنّ الاتفاق لا يمثل مخرجاً للأزمة في البلاد، كونه لم يحظَ بأيّ دعم حقيقي من القوى السياسية الفاعلة، والأهم إعلان الحراك الاحتجاجي الشعبي لاءاته الثلاث بوجه العسكر: لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى