لا بد من التغيير وأمريكا عنصر عدم الاستقرار
علي الصالح

الخطاب الإعلامي الفلسطيني بأطيافه المختلفة ليس لديه الصدى الإيجابي، كما في الماضي، ولم يعد يترك الأثر المرجو ولذلك أسبابه. فهذا الخطاب لم يشهد تغييرا كبيرا في السنوات الثلاثين الماضية. فلم يعد التلويح بمقولة إن «الاستقرار في المنطقة لن يتحقق طالما لم يتحقق السلام في فلسطين، ولم يحصل الشعب الفلسطيني على حق تقرير المصير». ولم يعد تحذير الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل من أن الاستمرار بسياستها الاستيطانية التصعيدية، وأعمال القتل لن يجلب الأمن والاستقرار لأحد. فكيف لها أن تأخذ ذلك على محمل الجد، إذا كانت لا تشعر بهذا التهديد على الأرض.
ونحن هنا نتحدث عن حكومة لم تعد تكترث بعملية سلام، ولم تعد تكترث باستقرار في المنطقة، حكومة تستمد قوتها أصلا من إثارة الفتن والعمل على تشجيع العنف والتوتر، والسعي إلى عدم الاستقرار، حكومة ضربها الغرور انطلاقا من قناعة بأنها تفرض نفسها على العرب بالقوة.
هذا الخطاب الإعلامي، لن يؤثر في حكومة وزير جيشها يشيد بسحل جثة فلسطيني بجرافة احتلالية على حدود غزة، ويهدد بإرسال ألف جرافة أخرى للتمثيل بالشهداء الفلسطينيين. هذا الخطاب لن يحرك ساكنا عند مسؤول إسرائيلي آخر يدعو إلى قتل50 فلسطينيا مقابل كل صاروخ يطلق من قطاع غزة. هذا الخطاب الإعلامي لن يخيف رئيس وزراء يعلن أنه في حال فوزه في انتخابات الكنيست، فإنه سينفذ «صفقة القرن» وضم مناطق في الضفة الغربية إلى إسرائيل. ويقول بكل عنجهية إن احتمال حل السلطة الفلسطينية جراء سياسة ضم الأراضي، وإلغاء الأردن لاتفاقية السلام مع إسرائيل «لا يهمّنا». هذا الخطاب الإعلامي لن يؤثر في حكومة تناصرها إدارة في البيت الأبيض ظالمة كانت أو ظالمة وليست مظلومة، فهي لم تكن يوما مظلومة قط، وهي دوما المستبدة والمعتدية والعنصرية والاستيطانية والقاتلة. هذا الخطاب لا يؤثر في إدارة أمريكية تقلب، بل قلبت الحق باطلا، والباطل حقا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فحتى الأمس القريب، أخطر وزير خارجيتها مايك بومبيو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بعدم التعامل مع القائمة السوداء، باسماء الشركات التي تتعامل مع المستوطنات غير الشرعية، ولن يؤثر في إدارة انقلبت على سياسات الإدارات السابقة وعلى القوانين الدولية وقرارات الشرعية الدولية. هذا الخطاب لم يعد يعني شيئا لقوى مصلحتها كامنة في إثارة الفوضى والفتن، وعدم الاستقرار، والعنف والدفع باتجاه الاقتتال الداخلي في المنطقة، كي يستمر تدفق السلاح وسرقة ثروات العرب. والأمثلة على ذلك كثيرة من الحرب على أفغانستان، فالعراق إلى الحروب الأهلية الدائرة في ليبيا واليمن وسوريا، كنتاج غير محمود لما يسمى الربيع العربي، الذي عملت دول خليجية على حرفه عن مساره، وتحويله إلى حروب أهلية لا تبقي ولا تذر.

في عام2001 شنت إدارة جورج بوش الابن في البيت الأبيض، تدعمها بريطانيا ودول غربية أخرى مكرهة طبعا، حربا على أفغانستان، تحت راية محاربة الإرهاب، والانتقام لتفجير البرجين في نيويورك، والتخلص من نظام طالبان، حسب الأهداف المعلنة. وانتهت الحرب الأصلية في أفغانستان بدون القضاء على طالبان، ولم تضع الحرب الداخلية أوزارها حتى يومنا هذا، ولا يزال الدم الأفغاني ينزف، والقتل مستمرا والفوضى تعم البلاد والحرب الأهلية مستعرة.
بدأوا الحرب في أفغانستان وبعد نحو 19 عاما لا تزال الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعمل على إدارة الأزمة لإيجاد الحلول لها، لان الغرض ليس كذلك، تاركة المجال لنفسها للتدخل في أي وقت تراه مناسبا، وبدون حاجة لقرار من مجلس الأمن. وها هي الإدارة الحالية تزعم التوصل إلى اتفاق مع طالبان.
وبعد أفغانستان وفي مارس 2003 أعلنت الإدارة نفسها الحرب على العراق واحتلاله، بزعم وجود أسلحة دمار الشامل، وبتحالف مزعوم قادته الولايات المتحدة تدعمها حكومة توني بلير في بريطانيا، كما شاركت فيه دول عربية سنية للتخلص من نظام صدام حسين، الذي صنعت منه واشنطن بعبعا تخيف به هذه الدول، كما تفعل الآن مع إيران. وانتهت الحرب الرسمية في العراق، الذي سلمته واشنطن عمليا لقمة سائغة لإيران، بدون إيجاد أسلحة الدمار الشامل المزعومة. لتحل محلها الفوضى والصراعات الداخلية، وحروب من نوع آخر إرهابية وطائفية وإثنية… في عراق مجزأ ومقسم،
وبعد نحو ثماني سنوات جاء ما يسمى بالربيع العربي. «الثورات» التي انطلقت من تونس، ربما كانت «عفوية» بداية لتسيطر عليها لاحقا عصابات ما أنزل الله بها من سلطان، بدعم الأموال الخليجية، التي بالتأكيد ما كان الهدف منها مساعدة شعوب هذه الدول، على التغلب على أنظمتها بقدر ما هو إفسادها وإفشالها حتى لا تكون تجارب ناجحة يمكن تطبيقها على الدول الخليجية نفسها والأمثلة عديدة، فباستثناء تونس فإن تجارب «الربيع العربي» فشلت في البلدان الأخرى، ومنها مصر التي جيء إليها بنظام أسوأ من نظام الرئيس السابق الراحل حسني مبارك، ورغم أن ما شهدته مصر ليس بسوء الأوضاع في بلدان غيرها، ولكنهم نجحوا في إشغالها بما يسمى تنظيم «الدولة في سيناء» لربطها أمنيا أكثر بدولة الاحتلال.
وفي ليبيا الأوضاع هناك تتحدث عن نفسها، فلا انتهت فلول القذافي، ولا نجحت القوى الأخرى بفرض السيطرة على البلد النفطي العربي، وأصبح لديهم نظامان، أحدهما معترف به في الأمم المتحدة، تدعمه تركيا وقطر والأمم المتحدة، وهذا المفترض، والآخر يقوده الجنرال حفتر، وهو من مخلفات نظام القذافي، تدعمه مصر والإمارات ومن ورائهما السعودية ودول أوروبية، ولا تزال الحرب الأهلية مستعرة والقتل وسفك الدماء متواصلا، والشعب الليبي يتحمل أعباء الصراعات الدولية، ويفقد أمنه وثرواته التي تنهبها كل الدول الأخرى، وهذا هو المطلوب. وهكذا الوضع في سوريا التي تكالبت عليها الولايات المتحدة وروسيا وإيران ودول خليجية، ونجحت في تدميرها سياسيا وعسكريا واجتماعيًا وبشريا وجغرافيا، وتفتيتها طائفيا ومذهبيا وضرب نسيجها الاجتماعي والتعايش السلمي الذي كان قائما.
وبناء على ذلك فإن هذا الخطاب الإعلامي، لم يعد له ذاك المفعول، لأن الدولة الموجه لها هذا الخطاب (الولايات المتحدة)، هي التي تعبث باستقرار المنطقة للإبقاء على الفوضى والقتل والذبح والطائفية والمجاعات لسنوات مقبلة، لغرض إعادة ترتيب أوضاعها، أو لنقل تقسيمها، خدمة لمصالحها ومصالح دولة الاحتلال، ومن أجل فرض واقع سياسي جديد. ولهذا الغرض جيء بمنظمات إرهابية مصطنعة مثل تنظيم «الدولة» الذي سيظل بين ظاهرينا إلى أن تنتهي مهمته.
وأخيرا وبينما كانت القضية الفلسطينية القضية المركزية والأساس، بدون منازع في خمسينيات وستينيات وسبعينيات وحتى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لأنها كانت فعلا عامل عدم الاستقرار في المنطقة، فإنها لم تعد كذلك لغياب المقومات التي كانت قائمة خلال هذه العقود. وعليه فإنه لا بد من التغيير وإعادة تفعيل هذه المقومات بإعادة بناء منظمة التحرير وأذرعها المختلفة، على أسس عصرية وإعادتها إلى حاضنتها الطبيعية وقاعدتها الأساسية ممثلة بالشعب الفلسطيني في الداخل والمخيمات والشتات. وإعادة ترتيب الأوراق والأولويات والعمل من أجل شحذ كل الطاقات العديدة لوضع أسس لمقاومة شعبية فعالة للاحتلال، اثبتت التجارب انه لا يفهم سوى لغة القوة والقوة ليست بالضرورة السلاح فقط فلدى هذا الشعب الأدوات والوسائل الأخرى التي إذا ما استنهضت واستغلت إيجابيا، قادرة على إلحاق الهزيمة بجيش الاحتلال ومستوطنيه.
وأختتم بالقول إذا ما بقي حالنا على ما هو عليه، فاننا حقا بحاجة ماسة لدروس وليس لدرس واحد بالتخريب كما قال شاعرنا الكبير مظفر النواب في سبعينيات القرن الماضي.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى