لا تحمّلوا انقلاب مُصَدَّق مسؤولية معاداة إيران للولايات المتحدة

معهد واشنطن- جوناثان سامياخ

خلال مناقشة الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة التهديد الإيراني، ذكر مشرّعون أمريكيون بارزون أن سلوك النظام هو إثبات يمكن تفهّمه للدفاع عن النفس، وهو ناتج عن ضلوع الولايات المتحدة في انقلاب عام 1953 الذي أطاح برئيس الوزراء آنذاك محمد مُصَدَّق. وخلال مناقشة أثناء الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2016، وصف السيناتور بيرني ساندرز (ديمقراطي من ولاية فيرمونت) الطبيعة الأصولية للنظام بأنها رد فعل على الانقلاب. وبالمثل، صرح [عضو مجلس النواب الأمريكي السابق] رون بول (جمهوري من ولاية تكساس) خلال مقابلة في عام 2007، “أرى الإيرانيين يتصرفون بشكل منطقي ودفاعي … لقد أطحنا بحكومتهم عن طريق “وكالة المخابرات المركزية” في عام 1953.” وفي عام 2000، أشارت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت إلى أن الانقلاب برر موقف النظام المناهض للولايات المتحدة، قائلة: “من السهل أن نرى الآن سبب استمرار استياء العديد من الإيرانيين من تدخل أمريكا في شؤونهم الداخلية”.

وعزز وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف هذه الأحاديث عدة مرات أيضاً. ففي تغريدة قارن فيها العقوبات الأمريكية الحالية مع انقلاب عام 1953، قال إن “مجموعة العمل” تحلم بالقيام بالشيء نفسه [الإطاحة بمصدق] من خلال الضغط والمعلومات الخاطئة و [الغوغائية].

وعلى الرغم من انتشار هذا المفهوم، إلا أن تحليل كُتب التاريخ المعتمدة في المدارس الثانوية الإيرانية يُظهر أن هذه السردية هي ليست ما يعلّمه النظام للطلاب الإيرانيين. وتضمنت الأبحاث الخاصة بهذه المقالة مراجعة الكتب الدراسية للصفين الثامن والحادي عشر الصادرة عن الدولة من العام الدراسي 2019-2020، والتي كانت متاحة على موقع “وزارة التربية الإيرانية” على الإنترنت. وسواء كان الطلاب الإيرانيون يدرسون في مدرسة خاصة أو عامة، فإن جميعهم يتعلمّون نفس منهج التاريخ.

وتُقدم كتب التاريخ الإيرانية صورة أكثر تعقيداً لانقلاب عام 1953، حيث لا تصوّره على أنه نتيجة التدخل الخارجي فحسب، بل كإحدى تداعيات ضعف الحكومة. ولا يولي منهج التاريخ الإيراني أهمية كبيرة لمُصدَّق، حيث يَذكر دوره لفترة وجيزة فقط في كتب الصف الثامن ويخصص له فقرتين فقط في كتب الصف الحادي عشر. وفي الواقع، غالباً ما كانت فترة ولايته كرئيس وزراء تتعرض للانتقادات، وفي كثير من الأحيان قلّلت من أهمية الدور الذي لعبه.

على سبيل المثال، جرى تهميش دور مُصدَّق في تأميم النفط الإيراني لصالح السيد أبو القاسم الكاشاني، الذي كان رجل دين شيعي بارز ومعلم المرشد الأعلى المستقبلي علي خامنئي، وصوت بارز مناهض للغرب، ومناهض للرأسمالية. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت وثائق سرية أن كاشاني كان يتآمر في بعض الأحيان ضد مُصدَّق بتمويل من “وكالة المخابرات المركزية” الأمريكية.

وفيما يتعلق بتاريخ التدخل الأجنبي في إيران، يرد في الكتب الدراسية أن بريطانيا والاتحاد السوفيتي كانا الجهتين المسؤولتين بشكل رئيسي عن انقلاب 1953. وفي مرحلة ما، تَذكر كُتب الصف الحادي عشر حتى أنه تمّ “جر” الولايات المتحدة إلى المخطط. ويشير هذا الوصف إلى أن النظام لا يريد أن يًعلّم الأطفال أن الانقلاب كان مجرد مؤامرة أمريكية من جانب واحد للتدخل في شؤون إيران الداخلية، بل نتيجة لمجموعة متنوعة من العوامل التي أدت إلى الإطاحة بزعيم علماني.

وتتناول الكتب الدراسية موضوع تأميم النفط وانقلاب 1953 في كل من الصف الثامن والحادي عشر، لكن تركيز الطالب على الإنسانيات أو على العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات هو ما يحدّد حجم الدروس التي يتلقاها بشأن هذه الفترة من التاريخ. وتتضمن كتب التاريخ التي تركز على العلوم الإنسانية فصلاً واحداً مختصراً فقط عن الموضوع، يناقش بإيجاز العلاقة بين الكاشاني ومُصدَّق، والثلاثين من ثورة تموز، والانقلاب البريطاني -الأمريكي. لكن كتاب التاريخ الذي يركز على العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الصف الحادي عشر يناقش تأميم النفط والانقلاب بمزيد من التفاصيل، بتخصيصه فصلين لهذه المواضيع. ويناقش فصل من أربع صفحات بإيجاز اهتمام بريطانيا بالحفاظ على حصتها في إنتاج النفط الإيراني. كما يتطرق إلى كاشاني ومصدق، زعيما الحركة المؤيدة للتأميم. ومع ذلك، فحتى هنا يخصِّص الفصل فقرة موجزة لسيرة مُصدَّق.

ويُمجّد الفصل المخصص للانقلاب في كتب فرع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، دور الكاشاني معتبراً أن عودته من المنفى عام 1950 “عززت الروح المعنوية المعادية للإمبريالية التي حثت الشعب على الانضمام إلى التيار السائد”، ومشيراً إلى أن دعوته إلى حرب مقدسة إلى جانب مُصدَّق ضد خصمه المدعوم من بريطانيا، أحمد قوام، قد تُمكّن مُصدَّق من العودة إلى الحكم. وتُقلل هذه التعاليم من فعالية قيادة مُصدَّق لصالح تمجيد حكمة وإرشاد زعيم ديني.

بالإضافة إلى ذلك، يلقي هذا الفصل نفسه اللوم جزئياً على مُصدَّق فيما يتعلق بمسؤولية الانقلاب نفسه، قائلاً: “ضد نصيحة كاشاني، استخدم مُصدَّق التدخل الأجنبي كذريعة لحل البرلمان. وقد منح ذلك سلطة للناشطين المؤيدين للانقلاب، مما مك~نهم من القول بأن حل البرلمان قد نزع الشرعية عن حكومة مُصدَّق”.

وفي منتصف عام 1952، انقلب الكاشاني على مُصدَّق ، لكن لا يرد في الفصل سبب خصامهما. ومع ذلك، يسرد بشكل مبهم “الانشقاق داخل الحركة” كعامل رئيسي أدى إلى الانقلاب. ويتم تعليم الطلاب الإيرانيين أن “عدم التماسك” هذا بين قيادة الحركة هو الذي مكّن بريطانيا من التدخل في السياسة الداخلية الإيرانية، مما مهد الطريق لاستمرار التدخل الأجنبي.

ويمضي الفصل ليشرح أن سلسلة من العوامل الخارجية والمحلية أدّت إلى الانقلاب، وجميعها تتمحور حول السياسات البريطانية والسوفيتية أكثر منه حول السياسات الأمريكية. وعلى الرغم من أن تلك العوامل الخارجية تضمنت أجندات بريطانية وأمريكية، إلا أن الفصل يقترح أن لندن وموسكو أقنعتا الولايات المتحدة بتغيير موقفها من إيران: “في البداية، كانت الولايات المتحدة تسعى للتوسط بين إيران وبريطانيا لمنع حدوث أزمة اقتصادية. ووافقت بريطانيا على إدراج الشركات الأمريكية في احتياطيات النفط الإيرانية [وأدى] ظهور الشيوعية إلى تغيير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران”. ويستمر الفصل معتبراً أنشطة شبكة BEDAMN الاستخباراتية عاملاً آخر أدّى إلى الانقلاب، واصفاً إياها بـ”شبكة استخبارات أسستها بريطانيا في إيران لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفييتي”، دون ذكر الولايات المتحدة.

ويلقي كتاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات للصف الحادي عشر أيضاً الكثير من اللوم على حزب تودة الشيوعي الإيراني، مشيراً إلى أنه يدعم المصالح السوفيتية، وينص: “لم يؤيد حزب تودة سوى تأميم حقول النفط الجنوبية في إيران، حيث اعتبر أن حقول النفط الشمالية تابعة للاتحاد السوفيتي”. وينتهي الفصل ببعض الأسئلة الموجزة حول العناصر المحلية المختلفة، ثم يسأل الطلاب عن الجهود البريطانية لإضعاف مُصدَّق من خلال إقناع واشنطن بالشراكة مع لندن.

من الواضح أن طهران مهتمة بتعليم سردية تصوّر معصومية القادة الدينيين وبالتالي شرعية النظام الإسلامي الحالي. وفي الوقت نفسه، لا تبدو الحكومة مهتمة بتدريس هذا الجزء من التاريخ بتفصيل كبير، ناهيك عن تصويره على أنه بداية محاولات الولايات المتحدة للسيطرة على إيران. وفي النهاية، قوّض قائد الثورة الإسلامية روح الله الخميني دور مُصدَّق في السياسة الإيرانية، حيث وصفه في خطاب ألقاه عام 1981 بأنه “غير مسلم”.

باختصار، لا يمكن أن يكون محرّك مشاعر النظام المعادية للولايات المتحدة هو انقلاب 1953. وإذا اعتبرت طهران الإطاحة بمُصدَّق على أنها نقطة تحوّل رئيسية للعلاقات مع واشنطن، فبذلك ستُربي الجيل الثالث من الثورة الإسلامية على الإيمان بهذا المفهوم.

*جوناثان سامياخ باحث في “برنامج فيتيربي حول إيران وسياسة الولايات المتحدة” في معهد واشنطن. وهو لاجئ من إيران، حصل على شهادة في العلوم السياسية من “جامعة كاليفورنيا في بيركلي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق