لا تراجع ولا استسلام
أسامة الرشيدي

عنوان المقال مقتبسٌ من فيلم مصري كوميدي يحمل الاسم نفسه، يتناول قصة تجنيد شاب ساذج في مهمةٍ للإيقاع بأحد تجار المخدّرات. في مشهد من الفيلم، يقول الضابط المسؤول عن المهمة، إن خطته التي وضعها للقبض على المجرم تتخلص في استبدال أحد أقرب معاوني الأخير بالشاب الساذج الذي يشبهه في ملامحه، وعندما قال له ضابط آخر إن الخطة ساذجة للغاية، وتبدو مكشوفة ومكرّرة، رد صاحب الخطة قائلا إن هذا هو سر قوتها، فمن فرط ركاكتها وتهافتها لن يتخيّل أحد تكرارها.
شيء من هذا القبيل يمكن ملاحظته في سياسات السعودية تحت قيادة ولي العهد، محمد بن سلمان، إذ ارتبط اسم المملكة بعدد من أشهر الفضائح السياسية والأمنية والمخابراتية التي تذكّر بهذا الفيلم، فبعد الإعلان عن اختفاء الصحافي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، واتهام السلطات السعودية بالتورّط في قتله والتخلص من جثته، سخر سعوديون ومحللون مقرّبون من المملكة من هذه الاتهامات، قائلين إن ما تنشره وسائل الإعلام التركية والعالمية من تسريباتٍ حول ما حدث داخل القنصلية يكشف عن خطّة مكشوفة و”غبية جدا”، إلى درجة أنه لا يمكن أن تتورّط فيها السلطات السعودية، لتمر الأيام وتعترف السعودية بمقتل خاشقجي داخل قنصليتها على يد مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى، مرتبطين بولي العهد شخصيا.
يتكرّر الأمر مع اختراق موظف سعودي حسابات معارضين سعوديين على “تويتر”، وتسريبها إلى السلطات السعودية، فقد كانت العملية مكشوفة تماما، وتورّط فيها مسؤولون سعوديون رسميون، مثل بدر العساكر، مدير مكتب بن سلمان، وأحمد المطيري، الذي يدير شركة تسويق تشرف على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لأعضاء من العائلة المالكة السعودية، وفقا لتأكيدات مكتب التحقيقات الفيدرالي.
أما درّة التاج، فكان الكشف عن تورّط ولي العهد شخصيا في اختراق هاتف مالك شركة أمازون  وصحيفة واشنطن بوست، جيف بيزوس، إذ يبدو أن بن سلمان قرّر أن يقوم بهذا الاختراق بنفسه، لأن بيزوس لن يتوقع أن يرسل إليه شخص في منصب ولي العهد السعودي رسالة تحتوي على فيروس اختراق! وهي نظرية الضابط في فيلم “لا تراجع ولا استسلام” حرفيا.
أما الدفاع السعودي عن ولي العهد، بعد الكشف عن الفضيحة، فقد كان نسخة من الدفاع السابق في قضية خاشقجي، إذ قال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان آل سعود، لوكالة “رويترز” إن تلك الاتهامات “منافية للعقل”، وإنها “فكرة سخيفة”. وقال مسؤولون سعوديون لصحيفة وول ستريت جورنال إنهم لديهم علم بوجود “خطّة” لاختراق هاتف بيزوس، “لكن ليس لابتزازه” على حد قولهم، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الغرض من وراء الاختراق إذا لم يكن هدفه الابتزاز. هل يتصوّر هؤلاء المسؤولون أن الاختراق في هذه الحالة يصبح شرعيا مثلا؟ وقد وجدنا هذا الدفاع البائس نفسه في جريمة اغتيال خاشقجي، عندما قالت السلطات إنه كانت هناك “أوامر دائمة” بإرجاع المعارضين من الخارج، وإن الفريق الذي أرسل إلى إسطنبول (بين أعضائه طبيب شرعي مهمته تقطيع الجثث) كان يهدف إلى “إقناع” خاشقجي بالعودة وليس قتله!
أما رد سفارة الرياض في واشنطن على الفضيحة فكان الأكثر بلاهةً، إذ طالبت بالتحقيق في الاتهامات، على الرغم من أن الاتهامات كانت بناء على تحقيق طويل استمر شهورا قام به محققون تابعون للأمم المتحدة، أي أنهم يطالبون بالتحقيق في التحقيق! لندخل في المتاهة الشهيرة “البيضة أم الدجاجة”.
ولم تتوقف تداعيات الفضيحة، فقد تحول الأمر إلى مشهد هزلي، عندما نشرت صحف عالمية فحص مشاهير عديدين من رجال السياسة والأعمال الذين التقاهم بن سلمان في أوقات سابقة، أو تواصلوا معه عبر واتساب، هواتفهم أو التخلص منها نهائيا، خوفا من تعرّضها للقرصنة.
بقي أن يُذكر أن اسم الفيلم يحتوي على تكملة بعنوان “القبضة الدامية”، وهو اسم معبّر فعلا عن ولي العهد وسياسته داخل السعودية، فهو يحكم المملكة بقبضةٍ دامية، لكنها ليست كذلك على المستوى الخارجي الذي تتعدّد فيه فضائحه، مثلما فضح بطل الفيلم نفسه عندما أجرى مكالمة هاتفية، كشف فيها عن هويته الحقيقية في غرفةٍ فيها مكبّر للصوت! ويكتشف تاجر المخدرات أن الشاب الساذج يحفظ رقم هاتف الضابط الذي يتابعه على هاتفه المحمول باسم “سراج مهمة”!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى