لا تغيير دون تحرير الصراع وآلياته من سلطة الاحتباس الوطني
بشير عمري

تتحدث مصادر عدة بالجزائر، عن عزم جناح الرئيس تبون في السلطة على تنظيم إنتخابات تشريعية ومحلية في أقرب الآجال الممكنة، وواضح من خلال هذا الحرص وهذا الاستعجال، أن إرادة حسم الصراع الداخلي للسلطة عبر الانبساط المؤسسي التام، صارت تتصاعد حدتها بعد فترة غياب الرئيس لأسباب صحية، وتغييبه إعلاميا طيلة تلك الفترة، وهو ما أعطى الانطباع بأن زلزال الحراك لا تزال فعلا إرتداداته أقوى مما كان يتصورها البعض، تلك الارتدادات التي تمتد في نشاطها إلى أقاصي الحدود الاقليمية وليس فقط الوطنية، لتعطيه أبعاده وزنه التاريخي كحدث مفصلي لا عرضي، لن يكف عن التفاعل في الجسد الوطني حتى يفرض التغيير الذي حدث من أجله يوم 22 فيفري 2019.

المشكل اليوم هو أن النظام السياسي في الجزائر يريد أن يقام من حيث لا يمكنه ذلك، زلزال الحراك القوي، مخطئا في التقدير إذ يعتبره بذات القوى وذات الامتداد الذي حدث في أكتوبر 1988 أو في موجات الصراع مع الاسلامويين في الشارع قبل الحرب الأهلية الدامية، أو مثل الربيع القبائلي 2001، يومها كان لا يزاله (النظام) يتمتع بهوامش مناورة واسعة إقتصاديا ودبلوماسيا، وخاصة انشقاقا وضعف الوعي بطبيعته لدى أوساط واسعة من الشعب.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

اليوم كل مستويات الوعي تعاظمت وتضخمت في المجتمع، من وعي سياسي، تاريخي، ثقافي، صاحبها انكسار قواعد الدعم المادي للنظام من تراجع أسعار النفط، تفشي الفساد، تبدل في منظومة الأحلاف الدولية والاقليمية، تلاشي مرجعيات النظام وأساسات قيامه الأيديولوجية، ما أفقده صبغة الوطنية التي كان يستند عليها في تبرير بقائه في الحكم، فهي إذن، كلها عوامل تفترض بل وتفرض انقراض النظام، وترك المجتمع يعيد بناء هرم سلطته وفق المستدات بل والمشروطات المنطقية التي أقرتها حركة التاريخ وطنيا ودوليا.

لكن المجتمع الجزائر وجد نفسه يواجه بنية خاصة لمنظومة حكم خارجة عن التاريخ، لا تتصل بطبيعته، وبالتالي لا يصلح في عملية قراءاتها بغرض فهمها ومن ثم اقتلاعها وتغييرها أي اسقاط منطقي أو موضوعي للتاريخ وقوانينه وشروطه، ولا أيضا للمعرفة السياسية وعلومها.

ويتمظهر هذا في النشاط الزلزالي الذي يحدث في طبقات المجتمع بفعل تنامي وتململ الوعي لديها في كل مرحلة من مراحل الانتقال في السياسة والمعرفة الانسانية وما تفرزه تكنولوجيات الاتصال من أشكال في تلقي وصناعة وتسريع عجلة الوعي بضرورة التغيير، في مقابل بقاء طبقة النظام السميكة الصماء جاثمة على صدر المجتمع لا تتغير بل تتجدد  بداخلها ليس إلا، وفي العقد أو العقدين مرة واحدة!.

بطء في الحركة والنشاط على مستوى الرأس وحيوته على مستوى الهيكل العام للمجتمع جعل البلد يبدو كالراقص في أحلام اليقظة، لا يدري الحقيقة من الخيال ولا يعلم إن كان يتحرك أم يتوهم الحركة فقط.

التاريخ يعلمنا كيف أن التطور الطبيعي في المجتمعات إنما يحدث عندما يكون الصراع حيا وحرا بين تنظيمات وجماعات الضغط وجمعيات المجتمع المدني، ويتوقف هذا التطور حين تستولي السلطة على هذا الصراع وتغدو متحكمة فيه من خلال اصطناع دائم للفاعل السياسي والثقافي والنقابي للمجتمع، وهذا ما حدث ويحدث في الجزائر وهذا ما يبقيها محتبسة داخل طوق الارادة الرسمية لنظام يأبى التغيير لأنه غير قابل للتغير وبالتالي غير قابل للتطور.

وإذا كان منطق الصراع أفقيا في التفاعل الطبيعي بين كل مكونات المجتمع السياسية والثقافية والدينية، كتجسيد لمعاومل ومعامل الاختلاف والتنوع والتفاوت في درجات التعلم والثقافة والمصالح الفئوية ومستويات الوعي، يعد إيجابيا بل وضوريا لحصول التطور المأمول، فإنه ليغدو سلبيا بالمرة، حين يصبح عموديا متوقفا عند السلطة لا يعدوها بالنزول والتنازل إلى المجتمع، وحال الجزائر هو هذا النمط من الصراع لكونه مختطف، والمشكل أنه بانحباسه داخل السلطة مع إنكارها وتعتيمها له، صار المجتمع متوقفا منتظرا مؤجلا كل فرص التغيير حتى يتحرر الصراع وتغدو السلطة بحلة طبيعية كما كل السلط في العالم اليوم!

والمفجع هنا هو أن تسقط في هاته الانتظارية السلبية نخب يفرتض أنها أدركت طبيعة وبنية المنظومة الحاكمة وقارنتها وقاربتها بأمثال حية في العالم شابهتها في فترات الأحادية والنمط الحديدي في الحكم الذي ساد ستينيات، سبعينيات وثمانينات القرن الفائت قبل أن تذوب مع مجرى التاريخ الساخن وتغدو لينة سلسة تتداول عليها إرادة الشعب السيد.

إن الحراك الشعبي بهاته الصورة لم يحرك المياه الراكدة لمنظومة حكم جامدة وحدها، بل ومعها عقل نخبي متكلس واقع تحت مفعول مخذر لمنظومة الحكم تلك مستسلما لاراداتها، مبتلعا لطعمها في بث ما تريده من خلافات ثقافية ودينية وسياسية لتشغله بها على صُعد الاستئناس الفكري النظري المريح، في وقت تبقي هي (السلطة) قبضتها على كل أدوات وآليات الصراع المفضي إلى التطور الميداني.

فالانتخابات التي ستُفرض مرة أخرى خارج الأجندة الحراكية، ليسها واقعة في نطاق الصراع المجتمعي الايجابي بل هي لحسم صراع داخل سلطة غير مجتمعية، كونها النقيض للمجتمع بكل مكونتها وهذا وفق ثورة الحراك التي حدَّت وحددت بكل وضوح الحد الفاصل بين نظام متجدد غير متغير وبين مجتمع يأبى إلا أن يفرض التغيير ويتجاوز التجديد، وهو ما سيعني بالضرورة العودة إلى المربع الأول حيث المجتمع يتحرك والرأس متوقف عن النشاط وبالتالي البقاء خارج حوزة التاريخ.

بشير عمري

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى