لبنان أمام سيناريو مقايضة تحقيقات المرفأ مقابل الطيونة

السياسي – يتفاقم الاستعصاء بملف التحقيقات بأحداث “الطيونة” في لبنان، قضائيا وسياسيا، ويتحدث كثيرون عن مقايضة تلوح بالأفق، بعد رفض رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، المثول أمام استخبارات الجيش الأربعاء.

وجاء رفض جعجع بعد استدعائه من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي، إثر ادعاء النيابة العامة العسكرية على 68 شخصا، بينهم 18 موقوفا.

وربط جعجع استدعاءه باستهدافه سياسيا، وسبق أن وصف القاضي عقيقي بـ”مفوض حزب الله لدى المحكمة العسكرية”. وتقدم وكلاء الدفاع عنه بدعوى قضائية ضد طريقة تبليغه، واعتبروها غير قانونية، كما تقدم وكلاء بعض الموقوفين بطلب تنحية عقيقي عن التحقيق بالملف.

تعقيدات قانونية
وكانت “الطيونة” الواقعة بين منطقتي “الشياح” ذات الغالبية الشيعية، و”عين الرمانة” المسيحية، شهدت في 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري مواجهات دامية أسفرت عن مقتل 7 وجرح العشرات من أنصار حركة أمل وحزب الله، أثناء تظاهرة للمطالبة بعزل المحقق العدلي بانفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار.

وسبق أن اتهم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله رئيسَ حزب القوات اللبنانية بجر البلاد للفتنة والحرب الأهلية. فيما تعتبر “القوات” أن مناصري الثنائي الشيعي اعتدوا بالسلاح على عين الرمانة، وأن الأهالي دافعوا عن أنفسهم.

وهنا، يعتبر الخبير الدستوري بول مرقص، أن طلب الاستماع إلى جعجع، تشوبه ملابسات قانونية، إذ لم يحدد القاضي عقيقي صفة استدعائه بوضوح؛ هل بوصفه مشتكى عليه أو مشتبها به أو شاهدا، لافتا إلى أن عبارة “مستمع إليه” لا وضعية قانونية لها. ما يترك برأيه، مجالا للاستنسابية لدى القاضي، وغموضا لدى جعجع.

وقال الخبير الدستوري للجزيرة نت، إن القضاء المختص لم يلتزم بالأصول القانونية للتحقيق مع الموقوفين، ولم يسمح بتوكيل محامين يحضرون التحقيقات معهم لتسجيلها وتوثيقها.

ويُذكر مرقص بالاقتراحات المطالبة بتضييق صلاحيات المحكمة العسكرية لحصرها بالجرائم العسكرية وبالعسكريين.

وبعد تخلف جعجع عن المثول أمام مخابرات الجيش، بحسب مرقص، يمكن للقاضي عقيقي إصدار مذكرة إحضار بالقوة وتسطير بلاغ بحث وتحر بحقه، ثم إحالته إلى قاضي التحقيق العسكري الذي يمكنه إصدار مذكرة توقيف، “لكن هذه الإجراءات، إذا حصلت، تكون عرضة للطعن القضائي أيضا”.

القوات: المحكمة تنفذ أجندة حزب الله
ويبرر نائب الكتلة البرلمانية لحزب القوات جوزيف إسحاق، عدم مثول جعجع، “بالطريقة غير القانونية التي تبلغ بها”. وقال للجزيرة نت، “إن أداء المحكمة العسكرية تجاوز الاستنسابية، إلى تنفيذ أجندة انتقام حزب الله من خصومه، وعلى رأسهم القوات”.

ويدعو النائب للرجوع إلى كاميرات المراقبة والفيديوهات، و”التي تثبت اقتحام أنصار حزب الله وحركة أمل، عين الرمانة مدججين بالسلاح”.

وتساءل: “كيف يستدعي القضاء رئيس حزب القوات لمجرد تأييد أفراده دفاع أهالي عين الرمانة عن أنفسهم، ولا يستدعي مسؤولي حركة أمل وحزب الله لاعتداء أنصارهما على السكان؟”.

لكن الكاتب والمحلل السياسي يونس عودة يعتبر أن استدعاء جعجع يستند إلى تبنيه ما قام به شبان عين الرمانة ووضعه بإطار الدفاع عن النفس، مضيفا أن التحقيق العسكري مبني على إفادة الموقوفين واعترافاتهم. وبالتالي “عدم حضور جعجع بحجة أن التحقيق العسكري مسيس غير منطقي، هو هروب من تحقيق يسلك مجراه القانوني”.

مقايضة سياسية؟
ويشير محللون إلى مساع لإبرام تسوية سياسية قضائية، تهدف لإيجاد مخرج بين مصير المحقق العدلي طارق البيطار، وملف التحقيقات العسكرية بأحداث الطيونة، وتاليا، إفساح المجال أمام الحكومة للانعقاد بعد نحو أسبوعين من تعليق اجتماعاتها نتيجة إصرار وزراء الثنائي، حركة أمل وحزب الله، على بحث الحكومة بمطلب عزل القاضي البيطار.

وحمل البطريرك الماروني بشارة الراعي للرؤساء الثلاثة، خريطة حل للأزمة السياسية والقضائية، مستهجنا استدعاء جعجع دون سواه.

في هذه الأثناء، نفى النائب جوزيف إسحاق قبول جعجع بالمقايضة على حساب التحقيقات بملف المرفأ. وقال “حزب الله هو من يقايض منذ لحظة التظاهرة التي أغدقت الدماء لإضعاف البيطار وإحراجه”.

وأكد أن القوات تنتظر القرار الظني للبيطار، و”لن تمنعنا الضغوط من المواجهة السياسية ضد حزب الله وسلاحه غير الشرعي”.

ويلفت يونس عودة، إلى أن حزب الله ينتظر انتهاء التحقيق العسكري بأحداث الطيونة لاتخاذ موقفه النهائي، ويشدد للجزيرة نت، على عدم ارتباط الحزب بالتسوية، “خصوصا أن جولة البطريرك لم تشمل مسؤولين من حزب الله، الذي لن يُقايض على دماء القتلى”.

ويصف عودة أداء القوات بـ”المسيس”، إذ “يستثمر بحادثة الطيونة لتوسيع حضوره السياسي، تمهيدا للانتخابات المقبلة”. بينما حزب الله “سيتحرك وديا تجاه الشارع المسيحي”.

ما المخارج المطروحة؟
عبّر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بعد لقائه الرئيس عون في القصر الجمهوري، الأربعاء، عن أمله في أن تبصر مبادرة الراعي النور، لعودة التئام الحكومة.

وهنا، يُذكر يونس عودة، أن شرط انعقاد الحكومة بالنسبة لحزب الله، هو كف يد القاضي البيطار، وإحالة ملف ملاحقة المسؤولين إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وهذا المجلس أنشأه البرلمان بالتسعينيات ولم يلتئم يوما، وتوصف تركيبته بالهجينة لأنه مؤلف من قضاة ونواب، ويحتاج عقده تصويت ثلثي أعضاء البرلمان.

ويعتبر الكاتب والمحلل السياسي داود رمال، أن التحقيق الجنائي بحادثة الطيونة، بلغ مرحلة التوتير المفتعل، ويطوق معه ملف التحقيقات بانفجار المرفأ، إذ “يصعّب استكمال القاضي البيطار مهامه”، رغم سقوط دعاوى الارتياب المشروع وطلب الرد التي قدمها كل من الوزراء السابقين بحقه.

ومن جانب آخر، يشير رمال إلى ضغوط بملف تحقيقات الطيونة، وبعض القوى تطالب أن يشمل التحقيق من كانوا على الأرض فقط، أي المسلحين الذين أطلقوا النار، دون أن يطال قيادات الأحزاب التي تتبع لها.

ولاستعصاء ذلك، يلفت رمال إلى لقاءات تحصل بالكواليس، بين مرجعيات سياسية ودينية منها رئيس مجلس النواب نبيه بري والبطريرك الراعي، “للقول إنه تم إنتاج تسوية بالتفاهم معه”.

ويجد رمال أن جعجع، بعد أن رفع شعار “لا سقف فوق سقف القضاء والقانون”، دفع خصومه لتسجيل نقطة ضده بعد رفضه المثول أمام مخابرات الجيش.

وأوضح المحلل السياسي أن عمود التسوية هو البرلمان، لسحب ورقة ملاحقة الوزراء السابقين المدعى عليهم من يد المحقق العدلي -بتفعيل المجلس الأعلى لملاحقة الرؤساء والوزراء- مقابل استكماله باقي التحقيقات.

ولم يبق أمام البيطار سوى إصدار القرار الظني، بحسب رمال، ليصبح الملف بعهدة المجلس العدلي، لاستعجال مهمة إنهاء حصر الملف بيد البيطار.

وقال للجزيرة نت إن المقايضة تصب باتجاهين: المستفيد الأكبر منها، حركة أمل ورئيسها نبيه بري، وحزب القوات ورئيسه سمير جعجع، بينما حزب الله هو الخاسر، والأكثر خسارة هم ضحايا مواجهات الطيونة.

ويعتقد رمّال أن نصر الله ذهب كثيرا بالتصعيد ضد القوات والمحقق العدلي، وهذه التسوية تنسف جزءا كبيرا من مواقفه، بينما حليفته حركة أمل، سارعت علنا لبحث مخارج سياسية وقضائية، ستوفر الحماية لجعجع، الذي اتهمه نصر الله بارتكاب مجزرة الطيونة.
المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى